فرض وزير الأوقاف المصري الحالي، أسامة الأزهري، حضوره بوصفه أحد أكثر الشخصيات الدينية إثارة للجدل في المشهد المصري المعاصر، فمنذ بروزه قبل نحو عقد من الزمن، لم يغب اسمه عن دائرة الضوء، سواء بما يقدمه من أدوار وتحركات، أو بما يُثار حوله من ممارسات وسلوكيات تضعه دائمًا في قلب النقاش العام.
ويُتداول اسمه داخل الأوساط السياسية والدينية باعتباره “العقل الديني” للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأحد أكثر المقربين من دوائر الحكم، كما يُعرف بانتمائه الصريح إلى التيار الصوفي ودفاعه المستميت عنه، شكلًا ومضمونًا، في مواجهة خصومه داخل وخارج المؤسسة الدينية.
ومؤخرًا، عاد الأزهري إلى صدارة الجدل مجددًا، بعدما أثار تعليق صورة مكبّرة له على جدران مسجد السيدة زينب بالقاهرة موجة انتقادات حادة، امتدت من وسائل الإعلام إلى منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تدفع حدة الهجوم أنصاره إلى إزالة الصورة.
في ظل هذا الحضور اللافت والجدل المتكرر، يظل السؤال مطروحًا: من هو أسامة الأزهري؟ وكيف صعد إلى هذا الموقع المثير للانقسام؟
بدايات أسامة الأزهري
-وُلد أسامة السيد محمود محمد، المعروف إعلاميًا بـ”أسامة الأزهري”، في محافظة الإسكندرية في 16 يوليو/تموز 1976، قبل أن تنتقل أسرته في وقت مبكر إلى محافظة سوهاج بصعيد مصر، مسقط رأس والده وعائلته، حيث نشأ وترعرع خلال سنوات طفولته الأولى.
-في سوهاج، التحق بالتعليم الأزهري، ثم واصل مساره الأكاديمي في كلية أصول الدين والدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، التي تخرج فيها عام 1999.
-حصل على درجة الماجستير في علوم الحديث عام 2005، ثم نال درجة الدكتوراه عام 2011، وكلتاهما من الكلية نفسها، في مسار علمي ارتكز على الدراسات الشرعية وعلوم الحديث.
تلميذ علي جمعة
-يُعرف أسامة الأزهري بوصفه أحد أبرز تلامذة مفتي الديار المصرية الأسبق علي جمعة، الاسم الأبرز في الدفاع عن التيار الصوفي في مصر، وأحد الوجوه القريبة من دوائر الحكم في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث تربى على يديه وكتبه.
-بدأ الأزهري انخراطه في المجال العام مطلع الألفية الجديدة، حيث كان يدرّس في رواق الأتراك بالأزهر الشريف، وهو ما أتاح له الظهور المبكر داخل المؤسسة الدينية. وأسهم قربه من علي جمعة في منحه مكانة متقدمة قياسًا بأقرانه في السن والتجربة.
-ظهر اسمه على نطاق أوسع عام 2005، عندما ناب عن علي جمعة في إلقاء خطبة الجمعة بمسجد السلطان حسن في القاهرة، وهو الظهور الذي شكّل نقطة تحوّل في مسيرته الدعوية. ولاحقًا، واظب على تقديم دروس أسبوعية في المسجد ذاته، قدّم خلالها سلسلة شروح «الأربعين النووية»، ما أسهم في تكوين دائرة من الأتباع والمريدين حوله.
-يُلاحظ أن صعود الأزهري تزامن مع مرحلة شهدت تضييقًا أمنيًا واسعًا على الدعاة والعلماء في أواخر عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث كانت الأجهزة الأمنية تفرض قيودًا مشددة على إلقاء الدروس الدينية، ولا تسمح بها إلا بتصاريح مسبقة من جهاز أمن الدولة.
معارض لمرسي والإخوان
ارتبط أسامة الأزهري بعلاقات وثيقة مع نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبرز بوصفه أحد الأصوات الموالية له دون مواربة، وهو ما انعكس بوضوح في موقفه السلبي من ثورة يناير/كانون الثاني 2011، التي لم يحسب نفسه يومًا ضمن مؤيديها.
ومع اندلاع المرحلة الانتقالية وصعود الرئيس الراحل محمد مرسي إلى سدة الحكم عقب انتخابات 2012، انتقل الأزهري إلى موقع المواجهة العلنية، متصدرًا صفوف المعارضين لمرسي وجماعة الإخوان المسلمين، بخطاب حاد لم يخلُ من الاتهامات السياسية والأخلاقية.
وفي يناير/كانون الثاني 2013، كتب مقالًا بعنوان “وامرساه“، شنّ فيه هجومًا لاذعًا على مرسي على خلفية حادث تصادم قطار بضائع بقطار يقل مجندين، محمّلًا إياه مسؤولية ما وصفه بـ”الإخفاق والإهمال الجسيم”، ومعتبرًا أن هذا النهج بات، بحسب تعبيره، “يحصد أرواح المصريين حصدًا”.
مؤيد لفض اعتصامي رابعة والنهضة
مع إعلان عزل الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013، برز أسامة الأزهري في مقدمة الأصوات المؤيدة للتحرك العسكري، في موقف انسجم آنذاك مع الموقف الرسمي لمؤسسة الأزهر، فقد ظهر شيخ الأزهر، أحمد الطيب، ضمن الحضور أثناء البيان الذي ألقاه عبد الفتاح السيسي في قصر الاتحادية لإعلان ما عُرف بخارطة الطريق.
غير أن مسار الأزهري اتخذ لاحقًا منحى أكثر حدة، إذ لم يكتفِ بتأييد عزل مرسي، بل أيد – بل وحرّض بحسب منتقديه – على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس/آب 2013، وهما العمليتان اللتان أسفرتا عن مقتل مئات المعتصمين السلميين.
في المقابل، أعلن شيخ الأزهر رفضه الصريح لإراقة الدماء، في بيان صوتي بثه بعد ساعات من فض الاعتصامين، قال فيه بنبرة حزينة: “إيضاحًا للحقائق وإبراءً للذمة أمام الله والوطن، يعلن الأزهر للمصريين جميعًا أنه لم يكن يعلم بإجراءات فض الاعتصام إلا عن طريق وسائل الإعلام”.
مثّل هذا الموقف نقطة التحول الأبرز في العلاقة بين أحمد الطيب وعبد الفتاح السيسي، إذ دخل الطرفان منذ ذلك الحين في مسار من التوتر المكتوم، سعت خلاله السلطة – وفق تقديرات عديدة – إلى تحجيم دور شيخ الأزهر، وطرح بدائل أكثر توافقًا مع توجهات النظام، كان من أبرز الأسماء المطروحة في هذا السياق أسامة الأزهري.
مستشار السيسي وعقله الديني
-في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2014، أصدر عبد الفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا بتعيين أسامة الأزهري مستشارًا دينيًا ضمن الهيئة الاستشارية العليا لرئاسة الجمهورية، في خطوة عكست حجم الثقة التي أولتها له مؤسسة الرئاسة.
-في 2015 جرى تعيينه عن طريق السيسي عضوًا في مجلس النواب، وتوليه منصب وكيل اللجنة الدينية بالبرلمان، لتتزايد التكهنات الإعلامية حول كونه مرشحًا قويًا لخلافة شيخ الأزهر.
-تعزز هذا التصور مع تكليفه بإلقاء خطبتي عيد الأضحى خلال عامي 2017 و2018 بحضور السيسي وشيخ الأزهر أحمد الطيب ومفتي الجمهورية شوقي علام، إلى جانب إسناد الدولة له – بتوجيه رئاسي وعبر وزارة الداخلية – مهمة إجراء مراجعات فقهية وفكرية مع معتقلين من التيارات الإسلامية، حيث ألقى محاضرات داخل سجن العقرب سيئ السمعة المخصص للمعتقلين السياسيين.
-لاحقًا، شارك الأزهري في افتتاح عدد من السجون الجديدة في مارس/آذار 2023، من بينها سجون 15 مايو والعاشر من رمضان وأخميم، في مشهد لافت ظهر فيه خلف وزير الداخلية محمود توفيق.
-بالتوازي، كُلّف منذ عام 2015 بإدارة ملف “تجديد الخطاب الديني”، وهو ما اعتُبر آنذاك تمهيدًا مدروسًا لإعداده كبديل محتمل لشيخ الأزهر، في ظل حملات هجومية متكررة يتعرض لها أحمد الطيب من وسائل إعلام محسوبة على أجهزة الأمن والمخابرات.
العالم المثير للجدل
لم يثر وزيرٌ ولا عالمٌ الجدل كما فعل أسامة الأزهري، الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر الوجوه الدينية إثارة للانقسام في مصر.
-تتوالى صور ومقاطع تُظهر أسماء وشخصيات بارزة ومريدين يهرولون لتقبيل يده في مناسبات متعددة، وما يفاقم السجال ليس مجرد تقبيل اليد، بل استسلام الأزهري لهذا الفعل دون اعتراض، بل وإيماؤه بمد يديه لذلك، ما وضعه تحت وابل الاتهامات رغم دفاع بعض الأزهرية عنه.
-في أكتوبر/تشرين الأول 2025، شارك في مولد القطب الصوفي السيد البدوي بمدينة طنطا، حيث شهد المولد مشاهد وحركات صوفية أثارت انتقادات واسعة، واعتبرها كثيرون خارج نطاق الشرع، خاصة ما يُعرف بـ”مجاذيب الصوفية”.
– في مايو/أيار 2023، أظهرت مشاهد له وهو يلقي محاضرة في إندونيسيا جالسًا على كرسي محمول على الأعناق، ثم نشرها عبر حساباته الرسمية، ما أثار انتقادات لاذعة.
-لم يغب عن دائرة الجدل أيضًا ما حدث قبل أيام في القاهرة، حين عُلقت صورة كبيرة له على جدران مسجد السيدة زينب، وهو مشهد أثار ضجة إعلامية واسعة، دفعت وزارة الأوقاف لإزالة الصورة بعد ضغطٍ شعبي كبير، مع بقاء النقاش حول شخصيته ومرتكزاته في قلب المشهد العام.
من هنا.. شخصية مثل هذه، تلميذ علي جمعة المقرب من السيسي وأحد أبرز وجوهه الدينية الداعمة، عاشق للظهور الإعلامي، و”العقل الديني” الذي يترجم رؤى النظام في الدين والتجديد إلى برامج وخطط، يبدو أنها تُهيأ لتتبوأ منصب شيخ الأزهر.
هذا السيناريو يصبح أكثر احتمالًا عندما يُنظر إلى سعي السيسي للسيطرة الكاملة على المؤسسات الدينية، وهو ما يُعدّ الهدف الحقيقي الذي يسعى إلى تثبيته عبر هذه التدرّجات.
