يكاد لا يمرّ يوم في سوريا دون تسجيل حادث سير مميت على طرقاتها، حوادث تحصد أرواح السوريين بشكل شبه يومي، ورغم شيوع الخطاب الذي يضع هذا الواقع في إطار كونه ظاهرة عالمية تعاني منها معظم الدول، إلا أن حجم الخسائر وتكرارها يفرضان التوقف عند هذا المشهد بوصفه ظاهرة آخذة في التوسع.
تتقاطع خلف أعداد ضحايا السير جملة من العوامل التي تجعل الطريق في سوريا أقل أمنًا مما ينبغي، عوامل لا تظهر دفعة واحدة، بل تتداخل بين ما هو مرتبط بالبنية التحتية المنهكة للبلاد، وما يتصل بالممارسة اليومية، وما يتوارى في تفاصيل التنظيم والرقابة.
يحاول هذا المقال الاقتراب من تلك العوامل ويفتح نقاشًا حول إمكانات الحد من هذا النزيف المستمر، من خلال قراءة الواقع القائم واستكشاف مسارات ممكنة للتعامل معه، في ملف بات يمسّ الحياة اليومية للسوريين بشكل مباشر.
حصيلة تتزايد.. وأرواح تُفقد يوميًا
وثّق الدفاع المدني السوري، منذ مطلع عام 2025 وحتى نهاية شهر نيسان/أبريل، ما لا يقل عن 726حادثًا مروريًا في مناطق متفرقة، فيما أعلنت فرق الاستجابة للطوارئ أنها تعاملت مع أكثر من 2000 حادث سير بين كانون الثاني/يناير ونهاية أيلول/سبتمبر 2025، كما قدّمت خدمات الإنقاذ الإسعافات الأولية لـ 1899مصابًا، من بينهم 258 امرأة و363 طفلًا، وأسفرت هذه الحوادث عن 120 حالة وفاة، من ضمنهم 10 نساء و15 طفلًا.
يصعب التعامل مع أرقام بهذا الحجم بوصفها وقائع عابرة، بل تفرض العودة إلى الأسباب الكامنة وراء هذه المعدلات المرتفعة، وقراءة ملف حوادث السير في سوريا بوصفه قضية عامة تستدعي مقاربة أكثر جدية وتفحّصًا.
انتشار دوريات المرور وأمن الطرق على الأوتوستراد الدولي دمشق عقب تزايد الحوادث – درعا
تدهور شبكات الطرق بعد سنوات الحرب
أشار تقرير أممي إلى أن نحو 50% من البنية التحتية في سوريا تضررت وأصبحت غير صالحة للعمل، بما في ذلك شبكات الطرق والنقل، الأمر الذي يجعل التنقل في العديد من المناطق غير آمن ومحفوف بالمخاطر.
في هذا السياق، يقول أحمد القديمي، الذي تنقّل برًا من إدلب إلى دمشق، إن الطرق “متهالكة إلى حدٍّ كبير، وتنتشر فيها حفر مفاجئة يصعب تفاديها، إضافة إلى افتقار العديد من المقاطع للإنارة بشكل كامل، وتآكل أو عدم وضوح الإشارات المرورية”، معتبرًا أن هذه العوامل مجتمعة تجعل التنقل محفوفًا بالمخاطر.
من جانبه، يوضح محمد التومان وهو سائق شاحنة يعمل على طريق حلب، أن غياب إشارات وعلامات الطريق الواضحة، وعدم تحديد المسارات في عدد كبير من المقاطع، إلى جانب سوء حالة الأسفلت، يتسبب بحالة من الارتباك لدى السائقين، ويؤدي إلى ارتفاع مخاطر الحوادث، سواء على الطرق داخل المناطق السكنية أو الطرق السريعة”.
ويُعدّ إهمال صيانة الطرق أحد العوامل المباشرة في ارتفاع حوادث السير، إذ تتحول الطرق غير المخدّمة، بما تتضمنه من حفر وأسفلت متآكل إلى بيئة غير آمنة لمستخدميها، ولا يقتصر أثر هذا الواقع على المركبات وحدها، بل يمتد ليهدد حياة المدنيين والمشاة، حيث تصبح الطريق نفسها مصدر خطر دائم، ما ينعكس في تزايد أعداد الإصابات والوفيات. كما يفاقم من هذا الوضع غياب الخدمات الأساسية المرافقة للطرق، مثل فرق الصيانة السريعة أو آليات الإبلاغ عن الأعطال، الأمر الذي يبطئ الاستجابة للحوادث ويزيد من حجم المخاطر على الطرق الرئيسية.
نصوص قانونية لا تجد طريقها إلى الشارع
يعود قانون السير المعمول به في سوريا إلى عام 2004، حين صدر قانون السير والمركبات رقم /31/ بهدف تنظيم حركة المرور وتحديد واجبات السائقين وآليات الترخيص والعقوبات المرتبطة بالمخالفات، وقد خضع هذا القانون لتعديلات جزئية عام 2008، شملت تشديد بعض الغرامات، إلا أن هذه التعديلات بقيت محدودة ولم تُواكب التحولات العميقة التي شهدها واقع الطرق والنقل خلال سنوات الثورة.
ومع تزايد أعداد الحوادث، عادت مسألة القانون إلى الواجهة مجددًا، حيث شهد عام 2025 تحركات رسمية لمراجعة وتحديث قانون السير، تمثلت في اجتماعات وورش عمل عقدتها وزارة النقل ولجان مختصة، بهدف إعداد تعديلات جديدة تتناسب مع الواقع المروري الحالي وتحسين شروط السلامة على الطرق، غير أن هذه الجهود لم تُترجم حتى الآن إلى صدور قانون جديد نافذ، بالأخص مع غياب مجلس الشعب الذي تأخر انعقاد جلسته الأولى.
سباق يومي على حساب السلامة
تعكس ثقافة “الشطارة والفهلوية” في القيادة أحد أخطر العوامل غير المرئية المؤثرة في السلامة المرورية، إذ تتحول مخالفة قواعد السير من سلوك مدان إلى ممارسة يومية مبرَّرة اجتماعيًا لدى شريحة واسعة من السائقين.
في هذا السياق، يصف الطالب الجامعي عادل تفتنكجي، الذي يتنقل يوميًا وسط المدينة في حلب واقع القيادة على الطرق بأنه “سباق يومي مع الوقت”، حيث يلجأ كثير من السائقين إلى السرعة الزائدة، والتجاوز الخاطئ، وقطع الإشارات الضوئية قبل تغيّرها، بدافع اختصار الطريق أو الوصول بشكل أسرع، معتبرًا أن الالتزام بقواعد المرور يُنظر إليه على أنه عائق أكثر من كونه وسيلة لتنظيم السير”.
ويرى عادل أن ترسّخ هذا السلوك يعود إلى غياب الردع الفعلي، إذ اعتاد السائقون الإفلات من المحاسبة، ما عزّز قناعة خاطئة بأن المخالفة تعبير عن “شطارة” لا خطرًا يهدد الأرواح.
بدوره، يقول الحاج أبو محمد الحجار وهو سائق تاكسي في عقده الخامس يعمل منذ سنوات طويلة في دمشق، إن واقع الشارع تغيّر بشكل واضح في الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى أن “الانتشار المتزايد للدراجات النارية والسيارات الحديثة التي دخلت البلاد خلال الفترة الماضية بات يشكّل أحد أبرز مصادر الخطر، لا سيما مع قيادتها بسرعات عالية داخل الأحياء السكنية، ودون التزام بقواعد السير أو بأدنى معايير السلامة”. ويؤكد أن شوارع دمشق “غير مصمّمة أصلًا لاستيعاب هذا النوع من السيارات الحديثة ولا هذا العدد الكبير منها”، ما يضاعف من احتمالات الحوادث ويزيد من الفوضى المرورية.
إعادة بناء هيبة شرطة المرور في الشارع
يرى عدد من السوريين الذين استطلعنا آراءهم، أن حالة الفوضى المرورية المتزايدة تعكس قلة حزم في تطبيق قوانين السير ، ولا سيما في ما يتعلق بقدرة الجهات المعنية على ضبط المخالفات في الشارع العام. وخلال الفترة الأخيرة، جرى تداول مقاطع مصوّرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر سائقين ومواطنين يتعاملون مع عناصر شرطة المرور باستخفاف أو بتحد عبر تجاهل توجيهاتهم بشكل علني في مشاهد لم تكن مشهودة في عهد النظام البائد إلا من قبل المتنفذين أو ضباط الأمن.
تقول ريم الكتبي، موظفة في العقد الرابع من عمرها وتعتمد على سيارتها الخاصة في تنقّلاتها اليومية داخل دمشق، إن التغييرات التي طرأت على كادر شرطة المرور أفرزت عناصر جديدة يتعاملون بلطف واضح مع السائقين، إلا أنهم يفتقرون في كثير من الأحيان إلى الخبرة والحزم اللازمين لضبط المخالفات، مما أسهم في تفشّي سلوكيات خطرة، مثل تجاوز الإشارات الضوئية أو السير بعكس الاتجاه، أو الوقوف في صف ثاني وتعطيل السير، الأمر الذي شجّع بعض السائقين على مخالفة القوانين دون خشية من المساءلة.
جدير بالذكر أن الشرطة في الفترة الأخيرة قد فعلت نظام المخالفات مما قد يحد من هذه المظاهر ويعزز سلطة رجل الشرطة في الشارع.
الدفاع المدني: حوادث السير نتاج تراكمات طويلة
تواصلت “نون بوست” مع المكتب الإعلامي للدفاع المدني السوري للسؤال عن طبيعة حوادث السير التي تتعامل معها الفرق ميدانيًا، فأوضح لنا أن السبب الأساسي لغالبية الحوادث ما يزال يتمثل بالسرعة الزائدة وعدم الالتزام بقواعد السير، وهي عوامل تشكّل نحو 70% من أسباب الحوادث وفق الاستجابات الميدانية.
ولفت إلى أن البنية التحتية الحالية لا تتناسب مع التوسع السكاني ولا مع حجم الحركة المرورية، وهو ما ينعكس على واقع السلامة الطرقية.
وبيّن المكتب أن ازدياد عدد الحوادث خلال الفترة الأخيرة يُعد أمرًا طبيعيًا في ظل ارتفاع حركة التنقل بين المحافظات، وعودة الشرايين الاقتصادية، وازدياد التنقل بين الجنوب والشمال والساحل والشرق، إضافة إلى الانفتاح الإقليمي، مؤكدًا أن طبيعة الحوادث نفسها لم تتغير، وإنما ارتفع عددها مع زيادة الحركة.
وفيما يخص الأرقام المتداولة، أوضح المكتب أن أكثر من 3000 حادث وقعت خلال عام 2025 وهذا يشمل فقط الحوادث التي استجابت لها فرق الدفاع المدني، وليس العدد الحقيقي لجميع حوادث السير في سوريا، إذ إن كثيرًا من الحوادث لا تصل بشأنها بلاغات رسمية.
وفيما يتعلق بالطرق الأخطر، أوضح الدفاع المدني أن الطرق الدولية تُسجّل النسبة الأعلى من الحوادث، وعلى رأسها طريق دمشق–حلب، دمشق–حمص، دمشق–درعا، دمشق–دير الزور، إضافة إلى شبكة الطرق الدولية وطريق اللاذقية، وذلك بسبب الكثافة المرورية والسرعات العالية،كما أشار إلى خطورة الطرق الجبلية الوعرة في ريف دمشق الغربي، وريف الساحل، وريف إدلب وحماة الغربيين، حيث ترتفع احتمالات الانزلاق.
وأكد أن سوء الإنارة، ووجود الحفر، والتقاطعات غير النظامية، وغياب الإشارات المرورية، تلعب دورًا كبيرًا في زيادة خطورة الحوادث. وأوضح أن قسم البحث والإنقاذ في الدفاع المدني يجري دراسات للأماكن التي تتكرر فيها الحوادث، ويتم رفع هذه المعلومات ومشاركتها مع الجهات المختصة مثل إدارة الطرق ووزارة الأشغال والمواصلات لمعالجة الخلل.
وختم المكتب بالتأكيد على أن حوادث السير في سوريا هي نتاج تراكمات طويلة من ضعف البنية التحتية وقلة الاهتمام بأرواح الناس، إضافة إلى الاستهتار بقواعد السير، مشيرًا إلى أن المطالبات بتأهيل طرق مثل طريق دير الزور قائمة، وأن الدولة لديها خطط بهذا الشأن، إلا أن الأمر لا يمكن التعامل معه بوصفه “عصا سحرية”، إذ إن تأهيل مثل هذه الطرق يتطلب إمكانات كبيرة ويُعدّ مشروعًا على مستوى وطني، وليس مسؤولية جهة واحدة بعينها.
وشدد الدفاع المدني في حديثه لـ”نون بوست” على أن ما يجري اليوم هو نتيجة حالة ممتدة منذ عقود، وأن تحميل المسؤولية لمرحلة واحدة فقط يخرج القضية عن سياقها الحقيقي، مؤكدًا ضرورة تناول ملف حوادث السير بشكل متكامل يعكس أسبابه المتشابكة.
تتداخل عوامل البنية التحتية المتهالكة مع السلوكيات المرورية الخطرة لتدفع أعداد حوادث السير نحو الارتفاع بشكل مستمر، في مشهد يعكس خللًا تراكم عبر سنوات من الإهمال وضعف التنظيم والرقابة، ويستدعي ذلك معالجة شاملة وجدية تضع السلامة العامة وحماية الأرواح في مقدمة الأولويات.
