بينما كانت الساحة الدولية على أعتاب مواجهة عسكرية مفتوحة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، عقب تصعيد غير مسبوق في مستوى التهديدات الأمريكية تجاه طهران، بدأت الصورة تتغير تدريجيًا من منطق التصعيد إلى إدارة أزمة محسوبة، فقد بدأت ملامح تهدئة حذرة تبرز على المستوى الإقليمي، مع تأجيل خيار الضربة العسكرية.
حتى ساعات قليلة مضت، كان هناك شبه إجماع على أن الضربة ضد إيران باتت وشيكة، وأنها قد تكون قوية وحاسمة أو خاطفة، وسط حالة تأهب قصوى، لكن المشهد انقلب فجأة، وتراجعت مؤشرات التصعيد، ليحلّ محلها هدوء نسبي، مع تداول تقارير عن تجميد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خططه في هذا الشأن، ولو مؤقتًا.
وقد أثار هذا الإرجاء، الذي جاء مفاجئًا في توقيته ومضمونه، جدلاً واسعًا حول تفسيره. فبين من يراه تراجعًا واضحًا عن الضربة، وبين من يقرأه ضمن منطق “الخداع الاستراتيجي” الذي اعتمد عليه ترامب سابقًا، يبقى السؤال الأبرز: ما الذي يقف وراء هذا الإرجاء؟
انقلاب في المشهد
كانت كل المؤشرات الأخيرة تشير إلى أن ضربة قوية لإيران باتت أمرًا محسومًا، وأن الخلاف لم يكن حول وجودها، بل حول توقيتها بين ساعة وأخرى، فالأمر لم يكن مجرد تهديد إعلامي كما يروج البعض، بل تزامن مع تحركات عسكرية حقيقية على الأرض وفي الجو والبحر، انعكست بوضوح في المنطقة.
فقد شهد الشرق الأوسط تصاعدًا واضحًا في مؤشرات الاستعداد للحرب، من تحليق طائرات وقاذفات أمريكية متجهة إلى المنطقة، ووصول حاملات طائرات، وتزويد جوي مستمر، إلى إخلاء السفارات والرعايا وحتى بعض القواعد الأمريكية.
وحتى إيران بدت في حالة استعداد قصوى، إذ أغلقت مجالها الجوي تحسبًا لمعركة كان من شأنها أن تطيح باستقرار الشرق الأوسط كله.
ثم فجأة، تراجع ترامب في آخر لحظة، وعادت الطائرات الأمريكية إلى قواعدها، وفتح المجال الجوي الإيراني مجددًا، لتعود حالة التهدئة نسبياً بعد تصعيد كان يتصاعد في كل دقيقة.
مبررات ترامب لإرجاء الضربة
أرجعت الدوائر السياسية المقربة من ترامب تأجيل الضربة إلى ما أعلن عنه الرئيس الأمريكي من أن طهران رضخت جزئيًا لشروطه، عبر تعليق عمليات الإعدام بحق المحتجين الإيرانيين الذين يخرجون منذ أواخر الشهر الماضي احتجاجًا على الأوضاع المعيشية المتدهورة والمطالبة بإسقاط النظام.
وفي هذا السياق، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن “الرئيس ترامب يدرك اليوم أن 800 عملية إعدام كان من المقرر تنفيذها قد جرى تعليقها”، معتبرة أن هذا القرار جاء نتيجة ضغوط مباشرة مارسها ترامب على السلطة الإيرانية، ما أتاح له التراجع عن خيار الضربة العسكرية في هذه المرحلة.
هل من أسباب أخرى؟
لم يكن تعليق تنفيذ قرارات الإعدام وحده السبب الكافي لإرجاء ترامب ضربته المقررة ضد إيران، فثمة حزمة أسباب أخرى تفسّر هذا التراجع المفاجئ.
-أولها شكوك داخل الإدارة الأمريكية، حيث نقل موقع “أكسيوس” عن خمسة مصادر أميركية وإسرائيلية وعربية أن ترامب قرر تأجيل الضربة وسط مشاورات داخلية وحسابات دقيقة لتداعيات أي تصعيد عسكري واسع، خصوصًا في هذا التوقيت شديد الحساسية.
-الضغوط الخارجية من الحلفاء، ففي وقت طلب فيه نتنياهو من ترامب التريّث ومنح إسرائيل وقتًا أكبر للاستعداد لأي رد إيراني محتمل، نقلت “نيويورك تايمز” عن مسؤول أمريكي رفيع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي طلب تأجيل الخطط الأمريكية.
وأشار مصدر إسرائيلي إلى أن الخطة الأمريكية الحالية تستهدف مواقع داخل إيران لكنها ليست كافية لزعزعة النظام، وهو ما دفع إلى إعادة التفكير في جدوى الضربة.
إلى ذلك، تبرز اتصالات خليجية مكثفة من قطر والسعودية وسلطنة عمان ومصر، طالبت خلالها واشنطن بتجنب الهجوم، محذّرة من أن أي تصعيد قد يفتح الباب لصراع إقليمي أوسع.
كما لم تُغفل الضغوط الأوروبية عبر حلف الناتو، خاصة في ظل التوتر حول مسألة غرينلاند، التي دفعت بعض الدول الأوروبية إلى تحريك قواتها للجزيرة تحسبًا لأي محاولة أمريكية للسيطرة عليها بالقوة.
–التطورات في المشهد الإيراني الداخلي، فالحراك الاحتجاجي لم ينجح حتى الآن في إسقاط النظام، بل بدأ النظام يستعيد توازنه في ظل ما يثار عن دعم روسي–صيني، وتراجع الزخم الشعبي، ما يمنح طهران فرصة لاستعادة الأنفاس.
وفي هذا السياق، قد تتحول ضربة أمريكية حالية إلى “منقذ” للنظام الإيراني، تعيد إليه شعبيته وتزيد من قوته، وهو ما يجعل القرار العسكري في هذه اللحظة محفوفًا بالمخاطر.
لماذا طلبت “إسرائيل” التأجيل؟
سلّط موقع “أكسيوس” الضوء على الموقف الإسرائيلي من التطورات الأخيرة، مشيرًا إلى أن نتنياهو أجرى مكالمة هاتفية مع ترامب يوم الأربعاء 14 يناير/كانون الثاني، طلب خلالها من الرئيس الأمريكي التريث لمنح إسرائيل مزيدًا من الوقت للاستعداد لأي رد انتقامي محتمل من إيران، وفق ما نقلته ثلاثة مصادر أمريكية ومصدر إسرائيلي واحد.
وأضاف الموقع أن مصدرًا إسرائيليًا أكد أن الخطة الأمريكية الحالية تقتصر على ضرب مواقع تابعة لقوات الأمن الإيرانية، لكن إسرائيل لا تعتبرها ضربات كافية أو مؤثرة بما يزعزع استقرار النظام بشكل ملموس.
وفي سياق تحليلي، أشار “أكسيوس” إلى أن معظم الرسائل الصادرة عن واشنطن قد تهدف أساسًا إلى تعزيز حالة عدم اليقين وإرباك إيران، كما حدث في ضربة منشآت نووية إيرانية العام الماضي.
إيران ليست فنزويلا.. هل تستحق المغامرة؟
يبدو أن ترامب أراد أن يتعامل مع إيران وفق النموذج “الفنزويلي”، عبر الاعتماد على شبكة من العملاء داخل الداخل الإيراني، على أمل أن تحقق ضربة خاطفة أهدافًا متعددة، إن لم تسقط نظام الملالي، فحتما تدفعه إلى دخول حظيرة “التدجين” السياسي.
لكن هذا السيناريو، وإن نجح في أميركا اللاتينية، يظل صعبًا للغاية عند تخوم قادة المعسكر الشرقي، حيث تتشابك القوى وتتعقد الحسابات.
ومن هنا يرى المقربون من ترامب أن أي ضربة في هذا التوقيت ستتحول عمليًا إلى مشروع حرب مفتوحة، قد تكون أعنف بمراحل من تجربتي العراق وأفغانستان، خاصة وأن رسائل طهران للجيران كانت واضحة، فكل القواعد الأمريكية ومصالحها الإقليمية ستصبح أهدافًا مشروعة.
كما أن احتمال غلق مضيق هرمز يظل خطرًا قائمًا، ما قد يشعل أسعار النفط ويُدخل أسواق الطاقة العالمية في صدمة اقتصادية لا يحتملها الاقتصاد العالمي.
وخلال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي، قال نائب مندوب إيران لدى الأمم المتحدة غلام حسين درزي إن طهران لا تسعى إلى التصعيد أو المواجهة، لكنها سترد على أي عمل عدواني، سواء كان مباشرًا أو غير مباشر، بشكل حاسم ومتناسب وقانوني.
وفي حين لوّح مندوبو الدول الأوروبية بإمكانية فرض مزيد من العقوبات على إيران، تبنّت روسيا والصين موقفًا مضادًا، معتبرتين أن الولايات المتحدة تمارس تدخلًا في الشؤون الداخلية الإيرانية، وأن التصرفات الأميركية “تخاطر بإغراق المنطقة في فوضى”.
هل ألغي الخيار العسكري؟
يرى موقع “أكسيوس” الإخباري، نقلاً عن خمسة مصادر أمريكية وإسرائيلية وعربية، أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا بقوة على الطاولة، لكن قرار ترامب بالتوقف مؤقتًا كشف عن حالة من عدم اليقين العميق داخل الإدارة وبين الحلفاء بشأن مخاطر شن ضربة قد تُعاقب إيران وتُدفعها في الوقت نفسه إلى رد انتقامي كبير.
وأشار الموقع إلى أن ترامب، بينما يمنح نفسه وقتًا إضافيًا لمراجعة الخيارات الدبلوماسية، يواصل الجيش الأمريكي تحركاته على الأرض، بإجلاء قوات من قواعده في الشرق الأوسط وإرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، بما في ذلك حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” ومجموعتها الضاربة.
ونقل الموقع الإخباري عن مصدر أمريكي مطلع أن الضربة “لا تبدو وشيكة في الوقت الحالي”، لكن الجميع يدرك أن الرئيس الأمريكي لا يزال يحتفظ بإصبعه على الزناد.
بين التراجع والخداع
مع عقلية كعقلية ترامب، لا مكان لليقين ولا ثبات في المواقف؛ فكل شيء قابل للانقلاب وإعادة الصياغة تبعًا للحظة وحسابات الربح والخسارة، ووفق تجارب سابقة، يقرأ فريق قرار إرجاء الضربة بوصفه تراجعًا تكتيكيًا فرضته المستجدات الأخيرة، وضغوط داخلية وخارجية دفعت الرئيس الأميركي إلى إعادة تقييم خطوة قد تفوق كلفتها السياسية والعسكرية مكاسبها المؤقتة.
في المقابل، يرى آخرون أن القرار يندرج ضمن مدرسة الخداع الاستراتيجي التي يتقنها ترامب، والهادفة إلى تخدير الجانب الإيراني وتفكيك حالة الاستنفار القصوى التي أعلنتها طهران، تمهيدًا لضربة تأتي في توقيت غير متوقع وبأهداف مفاجئة، بعد أن ينخفض منسوب الحذر.
وفي المحصلة، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة؛ يد تلوّح بالتأجيل وأخرى تبقى قريبة من الزناد، وعندما يقدّر ترامب أن الظرف بات مواتيًا لتحقيق أهدافه، سيعود الضغط بأحد مسارين لا ثالث لهما، إما تأجيل مصحوب بتصعيد محسوب، أو تنفيذ الضربة مهما كانت كلفتها وتداعياتها.
