لا يكاد الجدل حول قناة السويس، أحد أهم الممرات المائية في العالم وركيزة أساسية للاقتصاد المصري، يخبو حتى يعود للواجهة مجددًا بصور مختلفة؛ فتارة يُطرح الحديث عن تأجيرها أو رهنها، وتارة أخرى يُثار النقاش بشأن تعديل الإطار القانوني الحاكم لها بما يفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية، غير أن الجدل الأخير اتخذ منحى أكثر حساسية وخطورة مقارنة بكل ما سبقه.
فقد طرح رجل الأعمال حسن هيكل، نجل الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، مقترحًا لمعالجة تفاقم أزمة الديون المصرية، لا سيما الديون الداخلية، يقوم على ما وصفه بـ”مقايضة كبرى”، يتم بموجبها استبدال جزء من تلك الديون بأحد الأصول الاستراتيجية المملوكة للدولة، وعلى رأسها هيئة قناة السويس.
وفقًا لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران الماضي، في حين ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).
وتحظى قناة السويس بمكانة استثنائية في الوعي الجمعي للمصريين، فهي ليست مجرد ممر ملاحي دولي، بل رمز وطني ارتبط بتاريخ طويل من الكفاح والتضحيات، ومصدر رئيسي لآمال المصريين في تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
ومن هذا المنطلق، لم يكن غريبًا أن تُشعل مثل هذه الطروحات موجة واسعة من الغضب والقلق في الشارع المصري، لما تحمله من دلالات تمس جوهر السيادة الاقتصادية.
وعليه، يطرح هذا الجدل تساؤلات جوهرية: ما حقيقة هذا المقترح وحدوده الفعلية؟ وهل يمثل بالفعل مخرجًا واقعيًا لأزمة الديون المصرية المتفاقمة، أم أنه يفتح الباب أمام إشكاليات سياسية واقتصادية أشد تعقيدًا؟
تفاصيل المقترح
خلال ظهوره التلفزيوني على قناة “القاهرة والناس” في 11 يناير/كانون الثاني الجاري، كشف حسن هيكل عن ملامح مقترحه المثير للجدل، والذي يقوم على نقل ملكية هيئة قناة السويس من وزارة المالية إلى البنك المركزي المصري، باعتباره مخرجًا غير تقليدي لأزمة الديون المتفاقمة.
ويستند المقترح إلى إجراء تقييم شامل للهيئة عبر الجهاز المركزي للمحاسبات وبمشاركة شركة عالمية، مرجحًا أن تصل قيمتها إلى نحو 200 مليار دولار، اعتمادًا على متوسط إيرادات سنوية تقارب 10 مليارات دولار في السنوات الأخيرة، مع استبعاد فترات الاضطراب والأزمات.
ويؤكد هيكل أن المقترح لا يمس أموال المودعين، إذ سيواصل البنك المركزي سداد الفوائد للبنوك بنفس الآلية التي كانت تتبعها وزارة المالية، مستفيدًا من عوائد قناة السويس التي تُقدَّر بنحو 6% سنويًا بالدولار.
كما يقترح تعويض الفجوة المتبقية عبر رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك إلى 18%، بما يضمن استقرار النظام المصرفي دون تحميله أعباء إضافية مباشرة.
وفي تصور أكثر مرونة، يطرح هيكل سيناريو حصول البنك المركزي على الهيئة بتقييم أقل قد يبلغ 100 مليار دولار، مقابل مقايضة ديون محلية في حدود 5 تريليونات جنيه، مع تقاسم الأرباح بين البنك المركزي ووزارة المالية حال تجاوز إيرادات القناة حاجز الـ10 مليارات دولار سنويًا.
ويرتبط ذلك، بحسب المقترح، بتخفيض سعر الفائدة إلى نحو 16%، مستندًا إلى سوابق دولية شهدت تدخل البنوك المركزية في أوقات الأزمات، كما حدث خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، مؤكدًا أن الإطار القانوني والمالي للبنك المركزي يسمح بمثل هذا الدور الاستثنائي.
انتقادات حادة
لم يلقَ المقترح الصدى الذي توقعه صاحبه، حتى داخل الأوساط الاقتصادية ورجال الأعمال الذين يلتقون معه في الخلفيات الفكرية والتوجهات العامة، إذ واجه موجة واسعة من الانتقادات الحادة التي رأت فيه تجاوزًا للخطوط الفاصلة بين إدارة الدين والحفاظ على أصول الدولة السيادية.
- رفض مجدي ماجد، الأكاديمي المصري، عن رفضه القاطع للمقترح، معتبرًا أنه يمثل “انزلاقًا خطيرًا من إدارة الدين إلى تصفية الدولة”، وأن إدراج قناة السويس ضمن معادلة الدين يعكس “قياسًا فاسدًا يُفرغ مفهوم الدولة من محتواه المؤسسي”. وأكد أن القناة مصلحة عامة عليا غير قابلة للمقايضة، وأصل استراتيجي نادر لا يمكن تعويضه، فضلًا عن كونها أصلًا جيوسياسيًا مؤثرًا في موازين القوى الإقليمية والدولية قبل أن تكون موردًا اقتصاديًا، لافتًا إلى أن تجارب الدول التي حافظت على أصولها الاستراتيجية وركزت على إصلاح هياكلها المالية كانت الأقدر على تجاوز أزمات الدين دون المساس بسيادتها.
- وصف هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، المقترح بأنه بمثابة “إعلان إفلاس للدولة”، محذرًا من تداعياته على الثقة المحلية والدولية، في ظل امتلاك الأجانب نحو 40% من أذون الخزانة الحكومية، ومتسائلًا عن ردود أفعالهم حال استبدال ديونهم بأصول. كما أثار تساؤلات حول مصير الديون الخارجية، مثل سندات اليوروبوند، وقدرة الدولة لاحقًا على النفاذ إلى أسواق التمويل الدولية، معتبرًا أن الفكرة قد تبدو جذابة نظريًا لكنها غير قابلة للتطبيق عمليًا دون إجابات واضحة عن تبعاتها.
- رأى ناجي الشهابي، عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل الديمقراطي أن “المقايضة الكبرى” لا تمثل حلًا للأزمة بقدر ما تنقلها من نطاق مالي قابل للإدارة إلى مسار التفريط في أصول الدولة، مؤكدًا أن الدين الداخلي، رغم ضغوطه، يظل دينًا وطنيًا يمكن إعادة هيكلته بأدوات مالية ونقدية رشيدة، بينما تحويله إلى أصول استراتيجية يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي.
- اختزلت علياء المهدي، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة جوهر الاعتراض بعبارة لافتة كتبتها على “فيسبوك”: “لا تقل المقايضة الكبرى، قل المقامرة الكبرى”.
شريان مصر الحيوي المثقل بالديون
تمثل قناة السويس أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد المصري ومصدرًا حيويًا للعملات الصعبة، إذ بلغت إيراداتها خلال العام المالي 2024/2025 نحو 11.6 مليار، ما يضعها في صدارة الموارد السيادية الأكثر إسهامًا في دعم الخزانة العامة.
غير أن هذه الأهمية الاستثنائية تتقاطع مع قدر من الغموض بشأن الأوضاع المالية للهيئة الاقتصادية المشرفة على القناة، في ظل تداول محدود لحجم مديونياتها، وهو ما دفع الحكومة خلال السنوات الأخيرة إلى البحث عن آليات استثمارية وتمويلية جديدة لمعالجة الضغوط المتراكمة.
وتكشف الوقائع المالية عن تحديات ممتدة؛ ففي مايو/أيار 2019، أفادت مصادر بسداد وزارة المالية مديونيات مستحقة على هيئة قناة السويس لصالح بنوك محلية، عقب تعثرها في سداد 450 مليون دولار خلال ديسمبر/كانون الأول 2017، ويونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 2018، بإجمالي بلغ 600 مليون دولار.
كما سبق ذلك، في أغسطس/آب 2016، مطالبة وزارة المالية بسداد 102 مليار جنيه ديونًا مستحقة على القناة، إلى جانب التزام الهيئة بسداد ملياري دولار قروضًا بالعملات الأجنبية حصلت عليها في أكتوبر/تشرين الأول 2015.
وفي موازاة هذه الأعباء، شهدت إيرادات القناة تراجعًا غير مسبوق للعام الثاني على التوالي؛ إذ أظهر بيان صادر عن البنك المركزي انخفاضًا حادًا بنسبة 45.5% خلال السنة المالية 2024/2025، لتتراجع الإيرادات إلى نحو 3.6 مليارات دولار مقارنة بـ 6.6 مليارات دولار في العام السابق، وهو أكبر تراجع منذ عقدين.
وبالمقارنة مع العام المالي 2022/2023، الذي سجلت فيه الإيرادات 8.8 مليارات دولار، فإن الانخفاض يقترب من 59%، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه أحد أهم مصادر الدخل القومي لمصر، رغم استمرار القناة في أداء دورها المحوري في التجارة العالمية، بمرور نحو 50 سفينة يوميًا، تمثل ما يقرب من 12% من التجارة العالمية و30% من تجارة الحاويات و5% من النفط و8% من الغاز و10% من منتجات البترول.
القناة خط أحمر
شهدت السنوات الماضية تصاعدًا لافتًا في الشائعات والتسريبات المتعلقة بملكية قناة السويس ومستقبلها، كان أبرزها ما أُثير عام 2018 حول بيع 51% من القناة لصالح الصين أو الإمارات بغرض سداد الديون، وهي ادعاءات سارعت الحكومة المصرية إلى نفيها رسميًا، مؤكدة أن الهيئة العامة لقناة السويس تمتلك كامل الأصول بنسبة 100%، وأن القناة خارج أي نطاق للتصرف أو الشراكة السيادية.
وخلال الفترة الممتدة بين 2021 و2023، عادت هذه المزاعم إلى الواجهة عبر منصات التواصل الاجتماعي، متحدثة عن صفقة محتملة مع الإمارات أو السعودية مقابل 50 مليار دولار، إلا أن رئيس هيئة قناة السويس حينها، الفريق أسامة ربيع، نفى تلك الأنباء بشكل قاطع، مشددًا على أن ارتفاع إيرادات القناة إلى 9.4 مليارات دولار في عام 2023 يؤكد عدم وجود أي مبرر أو حاجة لبيع أصولها أو الدخول في صفقات تمس ملكيتها.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، قال مميش إن “قناة السويس خط أحمر لا يمكن التفريط فيه”، وأنها “في أيدٍ أمينة ولا يمكن المساس بها”، مشددًا على أن الحفاظ عليها يمثل موقفًا ثابتًا وواضحًا من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأن التوجيهات الرئاسية في هذا الشأن لا تقبل التأويل، قائلًا: “اطمئنوا.. قناة السويس في أيدٍ أمينة، ولن يُفرَّط في حبة رمل واحدة من أرض الوطن”.
مقترح مدبولي المثير للجدل
استهل المصريون عامهم الجديد بتفاؤل اقتصادي حذر، عقب التصريحات المثيرة للجدل لرئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، في 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي، والتي أشار فيها إلى أن الحكومة تسعى لخفض حجم الدين العام إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ خمسين عامًا.
وأكد مدبولي أن الحكومة بصدد إعداد حزمة إجراءات متكاملة، يجري استكمال تفاصيلها النهائية خلال الأيام المقبلة، بهدف تخفيف أعباء الدين. وأوضح أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي قد انخفضت إلى 84% مقارنة بـ96% قبل عامين، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول آليات هذا الانخفاض.
وبحسب تصريحات رئيس الوزراء، يُتوقع أن ينخفض الدين الخارجي لمصر من 161.2 مليار دولار في نهاية العام الماضي إلى نحو 12 مليار دولار، وهو مستوى يعادل الدين المسجل في عام 1975.
وتثير هذه التوقعات تساؤلات واسعة حول القدرة على تحقيق هذا الانخفاض الكبير، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة التي تواجه البلاد، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة زيادة غير مسبوقة في حجم الدين العام.
مبادلة الأصول بالديون.. السيناريو المرعب
يذكر أن تصريحات مدبولي كانت قد أثارت موجة واسعة من التكهنات حول الآليات الممكنة لتحقيق هذا الهدف، وهو ما فتح الباب أمام طرح حسن هيكل لمقترحه المثير للجدل، غير أن خبراء اقتصاديين سارعوا إلى التحذير من سيناريو مبادلة الأصول بالديون، معتبرين أنه قد يقود إلى تفكيك أصول الدولة وتهديد استقرار الاقتصاد المصري.
وفي هذا السياق، أوضح الإعلامي محمد علي خير أن تحقيق أكبر انخفاض في نسبة الدين بتاريخ مصر الحديث لا يخرج عن مسارين رئيسيين:
- السداد النقدي المباشر، وهو خيار شبه مستحيل في ظل مديونية تقارب 380 مليار دولار وناتج قومي بنحو 420 مليار دولار.
- رفع الناتج القومي إلى مستويات تقارب 550 مليار دولار، وهو مسار بالغ الصعوبة في ظل ثبات الناتج الدولاري خلال السنوات الماضية.
وكشف خير أنه استفسر رسميًا عن خيار بيع الأصول لتوفير السيولة، فجاءه الرد قاطعًا بالرفض، داعيًا في ختام حديثه إلى انتظار ما وصفه بـ”الخطة التفصيلية” التي ستكشف كيف تعتزم الحكومة تحقيق هذا الخفض غير المسبوق في الدين العام.
