شكّل المرسوم الرئاسي المرتبط بالمكوّن الكردي في سوريا خطوة تاريخية وحدثًا سياسيًا بارزًا، لما تضمنه من بنود تتعلق بالاعتراف بالحقوق والهوية واللغة، والتزام الدولة بحماية التنوّع الثقافي واللغوي، وضمان حقوق المواطنين الكرد بعد عقود من التهميش والإقصاء.
ويحدد المرسوم، الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع، التزامات مؤسسات الدولة في مجالات الثقافة والتعليم والإعلام، إضافة إلى إلغاء كافة القوانين والتدابير الاستثنائية الناتجة عن إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، التي تم بموجبها تجريد مئات الآلاف من المواطنين الكرد من الجنسية السورية وتحويلهم إلى “مكتومين” بلا حقوق مدنية أو سياسية.
يقدّم التقرير عرضًا لمضمون المرسوم، الذي صاحب صدوره احتفالات في الشارع السوري، إلى جانب تسجيل بعض الانتقادات حول وجوب إدراجه ضمن إطار دستوري شامل، كما يناقش أهميته وتطبيق مواده وانعكاسه الفعلي على المواطنين الكرد في سوريا.
ما بنود المرسوم؟
في 16 من يناير/ كانون الثاني الحالي، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم “13” لعام 2026، والذي يضمن حقوق المواطنين الكرد وبعض خصوصياتهم لتكون مصونة بنص القانون، ويتيح “العودة الآمنة والمشاركة الكاملة في بناء وطن واحد لجميع أبنائه”. كما دعا الرئيس الكرد إلى عدم تصديق روايات الفتنة، قائلًا “من يمسّكم بسوء فهو خصيمنا، نريد لسوريا صلاحها وتنميتها ووحدتها”.
View this post on Instagram
وينص المرسوم على ما يلي:
- المادة (1): يُعد المواطنون السوريون الكرد جزءًا أصيلًا من الشعب السوري، وتعتبر هويتهم الثقافية واللغوية جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.
- المادة (2): تلتزم الدولة بحماية التنوّع الثقافي واللغوي، وتضمن حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية.
- المادة (3): تُعد اللغة الكردية لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكّل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، كجزء من المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي.
- المادة (4): يُلغى العمل بكافة القوانين والتدابير الاستثنائية المرتبطة بإحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وتُمنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.
- المادة (5): يُعد عيد “النوروز” (21 آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء الجمهورية، بصفته عيدًا وطنيًا يعبر عن الربيع والتآخي.
- المادة (6): تلتزم مؤسسات الدولة الإعلامية والتربوية بتبنّي خطاب وطني جامع، ويُحظر قانونًا أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي، ويُعاقب كل من يُحرّض على الفتنة القومية وفق القوانين النافذة.
- المادة (7): تتولى الوزارات والجهات المعنية إصدار التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيق أحكام هذا المرسوم، كلٌ فيما يخصه.
- المادة (8): يُنشر المرسوم في الجريدة الرسمية، ويُعد نافذًا من تاريخ صدوره.
احتفال وترحيب.. وزارة التربية تتخذ إجراءاتها
كان للمرسوم الرئاسي أثر على الصعيد السياسي والإعلامي والميداني، حيث تفاعل سياسيون وإعلاميون مع صدوره وأبدوا ترحيبهم به، فيما شهدت بعض المدن والأحياء مثل حي ركن الدين بدمشق ومدينة عفرين بريف حلب مشاركة الأهالي في احتفالات تضمنت رفع الأعلام السورية والكردية وإقامة حلقات للرقص الكردي التقليدي.
View this post on Instagram
وأصدرت شخصيات وجهات مختلفة بيانات مرحِّبة، إذ اعتبرت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات المرسوم خطوة عملية ومهمة في مسار تعزيز المواطنة وإلغاء أشكال التمييز، فيما رأى القائم بأعمال السفارة الألمانية في دمشق كليمنس هاخ أن المرسوم يصحّح مظالم تاريخية بحق المواطنين الكرد.
وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل “هند قبوات”:
يشكّل الأكراد جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من الهوية السورية الغنية، ويُعدّ التنوع العرقي والثقافي والديني الذي ميّز مجتمعنا عبر التاريخ مصدر قوة حقيقي وأساساً لاستمراريته.
— وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية (@SyMOSAAL) January 17, 2026
وعبّر رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني عن ترحيبه بالمرسوم، معتبرًا أنه خطوة سياسية وقانونية مهمة وصحيحة نحو بناء سوريا الجديدة وضمان حقوق الجميع، مع التأكيد على أهمية تحويله إلى قوانين نافذة وتثبيته في الدستور السوري القادم لضمان حمايتها واستدامتها.
في المقابل، اعتبرت “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا أن المرسوم خطوة أولى، لكنه لا يلبّي طموحات وآمال الشعب السوري، قائلة إن الحقوق لا تُصان بالمراسيم المؤقتة وإنما عبر دساتير دائمة تعكس إرادة جميع المكونات السورية، مطالبة بصياغة دستور ديمقراطي تعددي يحمي ويصون حقوق الجميع دون استثناء.
من جانبه، اعتبر وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو أن تدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية وفق المرسوم يمثل خطوة متقدمة في ترسيخ الحقوق الثقافية وتعزيز قيم المواطنة المتساوية، مؤكدًا التزام الوزارة بإعداد التعليمات التنفيذية والقرارات التنظيمية اللازمة لضمان تطبيق المرسوم في أقرب وقت ممكن.
وبناءً على أحكام المرسوم، أصدرت الوزارة قرارًا باعتماد خطاب وطني جامع في جميع المؤسسات التعليمية العامة والخاصة، وحظر أي خطاب أو سلوك تحريضي أو تمييزي، ومتابعة المخالفين ومساءلتهم وفق القوانين والأنظمة المعمول بها.
وكلّفت الوزارة مديريات التربية والتعليم في المحافظات، وإدارات المدارس العامة والخاصة، بمتابعة تنفيذ القرار متابعة دقيقة وإعلامها بأي مخالفة، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان الالتزام بمضمونه، وترسيخ بيئة تربوية آمنة.
“عقد وطني جديد”
يأتي المرسوم بعد نحو 13 شهرًا على سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وتولي الرئيس أحمد الشرع إدارة البلاد في مرحلة انتقالية تمتد لخمس سنوات، وسط ملفات ومشكلات تواجه الإدارة الجديدة، من بينها اعتداءات إسرائيلية متكررة، ودعوات للاستقلال في السويداء، إلى جانب توترات أمنية رافقتها انتهاكات في الساحل السوري والسويداء.
وصدر المرسوم بعد عقود من معاناة الكرد في سوريا من التهميش السياسي والاجتماعي، تجسدت مظالمهم بشكل صارخ في عام 1962، حين جرى تجريد مئات الآلاف منهم في محافظة الحسكة من الجنسية السورية وتحويلهم إلى “مكتومين” بلا حقوق مدنية أو سياسية. وتفاقمت هذه السياسات خلال حكم حزب البعث وعائلة الأسد.
ومنذ عام 1962 حتى عام 2011، بلغ عدد المجرّدين والمحرومين من الجنسية أكثر من 517 ألف كردي سوري، وقد واجه هؤلاء قيودًا صارمة في حياتهم اليومية، شملت الحرمان من حقوق أساسية مثل التوظيف، وتثبيت الزواج، وتسجيل الأبناء.
استمر أثر إحصاء #الحسكة 63 عاماً، وحرَم أجيالاً من أبسط الحقوق. إلغاء نتائجه بالمرسوم الرئاسي لا يعدّ مجاملة سياسية تفرضها الظروف في البلاد، بل تصحيح قانوني وتاريخي لسياسة تمييز امتدت لعقود بحق مكون من مكونات الشعب السوري وبداية ممكنة لعدالة طال انتظارها.#دير_حافر #أحمد_الشرع pic.twitter.com/wB5c8L4RsY
— نون سوريا (@NoonPostSY) January 17, 2026
وفي مارس/آذار 2025، برزت ملامح انفراجة في الملف الكردي عقب اتفاق بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهي الجناح العسكري لـ”الإدارة الذاتية” شمال شرق سوريا، يترأسها قيادات كردية وتدّعي تمثيل مصالح الكرد والأقليات في تلك المناطق، رغم ممارستها انتهاكات بحقهم.
ونص اتفاق “العاشر من آذار” على دمج الهياكل المدنية والعسكرية التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة، ومتابعة تطبيقه قبل نهاية عام 2025، إلا أن الاتفاق لم يُنفذ، وتبعه تصاعد في الاشتباكات والمواجهات بين الجيش السوري و”قسد”، أسفر عن سيطرة القوات الحكومية على عدة مناطق كانت خاضعة لسيطرة الأخيرة، ولا تزال المواجهات وتقدّم الجيش السوري مستمرًا حتى لحظة نشر هذا التقرير.
الصحفي والباحث السياسي سامر الأحمد، يقول لـ”نون بوست” إن المرسوم الرئاسي رقم “13” يشكّل تحولًا نوعيًا في مقاربة الدولة لمسألة الهوية والمواطنة، لأنه ينتقل من منطق التجاهل أو المعالجة الجزئية إلى اعتراف دستوري – سياسي صريح بمكوّن أساسي من مكونات الشعب السوري.
ويرى الأحمد أن أهمية المرسوم تتجلى في ثلاث مستويات واضحة وهي:
أولًا، اعتراف وطني رسمي بالأكراد كجزء أصيل من الشعب السوري، مع تثبيت هويتهم الثقافية واللغوية ضمن الهوية الوطنية الجامعة.
ثانيًا، معالجة جذرية لإرث تمييزي تاريخي عبر إلغاء آثار إحصاء عام 1962 ومنح الجنسية للمجردين منها، وهو ملف طال انتظاره.
ثالثًا، نقل التنوع الثقافي من خانة الحساسية السياسية إلى خانة التنظيم القانوني، سواء عبر اعتماد اللغة الكردية لغة وطنية أو اعتبار النوروز عطلة رسمية.
من جانبها، ترى الصحفية والباحثة المتخصصة بالشؤون العربية رينا نيتجيس، أن المرسوم خطوة ذكية للغاية، وتوقيته حاسم، إذ يقوّض الادعاء المستمر لـ”قوات سوريا الديمقراطية” بأنها وحدها القادرة على ضمان حقوق الأكراد. وفي الوقت نفسه، تُعدّ هذه الخطوة تاريخية، كونها المرة الأولى في تاريخ سوريا التي يُمنح فيها الأكراد الحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطنون العرب.
وتشير نيتجيس في حديثها لـ”نون بوست” إلى أهمية البند المتعلق بمنح الجنسية، ولا سيما معالجة أوضاع المحرومين منها، موضحة أنه بسبب السياسات القومية العربية جرّدت السلطات السورية نحو 20% من الأكراد السوريين من جنسيتهم عام 1962، بزعم دخولهم البلاد بطرق غير شرعية من تركيا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. ونتيجة لذلك، حُرموا من حقوق أساسية كالتعليم والرعاية الصحية والسفر وتملّك العقارات وحرية التنقل، فضلًا عن تسجيل الزيجات والمواليد والأنشطة التجارية.
ومن خلال اطلاعها الميداني، تقول الباحثة الهولندية إنها التقت شخصيًا بأكراد سوريين في مدينة عامودا بمحافظة الحسكة عاشوا في حالة انعدام الجنسية، وواجهوا صعوبات جدية حتى في الاندماج داخل مجتمعهم.
ورغم أن خطوة المرسوم قد تكون متأخرة، تؤكد الباحثة أنه لا ينبغي التقليل من أهميتها، مع التشديد على ضرورة المتابعة الدقيقة للتأكد من تنفيذ الإجراءات على نحو كامل وحقيقي.
وعن الأثر المتوقع للمرسوم، يقول الباحث سامر الأحمد إن المرسوم يبعث برسالة قوية للكرد السوريين مفادها أن الدولة لا تراهم كملف أمني أو استثناء قومي، بل كمواطنين كاملي الحقوق، مضيفًا أن الأثر الإيجابي المتوقع للمرسوم يتمثل في جانبين، أولهما تعزيز الثقة بين الكرد ومؤسسات الدولة بعد عقود من التهميش القانوني، وثانيهما حماية الحقوق الثقافية واللغوية ضمن إطار السيادة الوطنية، ما يسحب الذرائع من أي مشاريع انفصالية أو سلطوية.
وختم الباحث السياسي حديثه بأن المرسوم “13” ليس تنازلًا ولا إجراءً رمزيًا، إنما تصحيح لمسار تاريخي وبناء لعقد وطني جديد يقوم على المواطنة والاعتراف وسيادة القانون، وهو مكسب للكرد السوريين وللدولة السورية في آن واحد.