شهد ملف سد النهضة الإثيوبي تطورًا مفاجئًا في يناير/كانون الثاني 2026 مع عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف دور الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن تقاسم مياه النيل وحل نزاع سد النهضة الممتد منذ سنوات والذي يسلب الخرطوم والقاهرة حقوقهما المائية.
ورحبت القاهرة والخرطوم سريعًا بالمبادرة، واعتبرتها خطوة لإحياء المفاوضات المجمدة منذ فترة، لكنها أثارت تساؤلات عن توقيتها، خاصة أن آخر تطور في هذا الشأن كان في سبتمبر/أيلول 2025، عندما دشنت إثيوبيا السد رسميًا.
وكان ترامب قد توسط بالفعل في جولات تفاوضية خلال ولايته الأولى انتهت باتفاق بالأحرف الأولى وقّعته مصر ورفضته إثيوبيا عام 2020، قبل أن تنهار المحادثات إثر انسحاب أديس أبابا. ومنذ ذلك الحين، جرت محاولات أفريقية للتوسط دون التوصل إلى اتفاق حاسم.
سر التوقيت
1- الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند
فجّر قرار “إسرائيل” الاعتراف بإقليم صوماليلاند كدولة مستقلة مزعومة نهاية 2025 موجة ارتدادات سياسية وأمنية في القرن الأفريقي بعد أن أصبحت أول دولة بالعالم تقدم على هذه الخطوة تجاه الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال منذ 1991 دون أي اعتراف دولي سابق.
ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإعلان بأنه ينسجم مع “روح اتفاقيات أبراهام” التطبيعية عارضًا التعاون مع صوماليلاند في مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا، في تحرك أثار ردود فعل عربية غاضبة.
ووصفت حكومة الصومال المركزية الاعتراف بأنه “خطوة غير قانونية” و“هجوم متعمد على سيادة الصومال” و “عدوان غير مشروع يناقض الأعراف الدبلوماسية الراسخة”.
ترافق هذا الموقف الصومالي الحازم مع دعم سعودي كامل؛ إذ سارعت الرياض إلى حشد التأييد الإسلامي والدولي لموقف مقديشو ودعت إلى اجتماع عاجل لمنظمة التعاون الإسلامي نتج عنه بيان جماعي يدين التحركات التي “تقوض السلام والأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر”.
وأدانت جميع الدول العربية الاعتراف الإسرائيلي، باستثناء الإمارات التي التزمت الصمت ولم تنضم للإدانات العلنية. ويرى محللون أن أبوظبي ربما كانت ضالعة خلف الكواليس في تشجيع هذه الخطوة لتحقيق مكاسب في القرن الأفريقي، لاسيما وأن لها مصالح قديمة في ميناء بربرة بصوماليلاند وعلاقة وثيقة بكل من “إسرائيل” وإثيوبيا.
ولعل امتناع الإمارات عن انتقاد الاعتراف الإسرائيلي أكد شكوك مقديشو، ما دفعها لإلغاء جميع اتفاقياتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية مع أبوظبي.
بالنسبة للقاهرة، جاء الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند كناقوس خطر يستدعي تحركًا استراتيجيًا عاجلًا. فمصر تعتبر منطقة القرن الأفريقي امتدادًا حيويًا لأمنها القومي، لا سيما مع امتداد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 2000 كيلومتر.
وقد تخوفت الدوائر المصرية من أن يؤدي ترسيخ أقدام “إسرائيل” في صوماليلاند إلى تمكين حليفتهم إثيوبيا – الدولة الحبيسة – من الوصول إلى البحر الأحمر عبر موانئ هذا الإقليم، وهو سيناريو يُعد كابوسًا استراتيجيًا للقاهرة، إذ سيمنح أديس أبابا منفذًا بحريًا يعزز موقفها في نزاع سد النهضة المستمر منذ سنوات ويعقّد النزاع حول مياه النيل ويضع مصر أمام جبهة ضغط جديدة.
وقد لخّص خبير عسكري مصري الأمر بقوله إن “صوماليلاند ربما تكون المنطقة الأكثر استراتيجية في الصومال، فقربها من مضيق باب المندب يجعلها بوابة الجنوب للبحر الأحمر، وقد تُستغل لإعاقة وصولنا إليه”.

- توقيت التحرك الأمريكي يتجاوز مسألة سد النهضة إلى تطورات إقليمية كبرى
2- تحالف عسكري لكبح نفوذ الإمارات
بناءً على هذه المخاوف، اتخذت مصر خطوات سريعة لإعادة رسم حضورها العسكري والأمني في القرن الأفريقي، وهو ما رجح محللون أنه السبب الحقيقي لعرض ترامب.
وأكد موقع واللا العبري أن مصر عززت وجودها العسكري في الصومال “ردًا على الاعتراف الإسرائيلي”، إذ تخشى أن تستغله “إسرائيل” لبناء تعاون إقليمي مع إثيوبيا ضدها في قضية السد.
ووفق تقرير لصحيفة ذا ناشيونال (مقرها أبوظبي)، يبلغ قوام القوات المصرية المنتشرة في الصومال نحو 10 آلاف جندي ومستشار حاليًا. وكانت القاهرة قد بدأت إرسال قوات وخبراء إلى مقديشو منذ عام 2024 بعد توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين.
وبعد اعتراف “إسرائيل” بصوماليلاند، عدّلت القاهرة أولويات انتشارها العسكري؛ حيث أعادت تموضع قواتها لتتماشى مع الأهداف الجديدة المتمثلة في حماية الحكومة الصومالية ومنع سقوط الدولة، وفق الصحيفة.
ونقلت عن مصدر مصري قوله إن تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك توسّع وتعزّز “على الأرض منذ اعتراف إسرائيل بأرض الصومال”. وحذّر المصدر من أنه إذا انهارت الصومال أو ضعفت بفعل ضغوط خارجية، “فلن تتمكن مصر من الاستمرار هناك” – في إشارة إلى أن أي فراغ هناك قد تستغله قوى معادية مثل “تل أبيب” أو أديس أبابا، الأمر الذي لن تسمح به القاهرة.
إلى جانب التواجد الميداني في الصومال، تبنّت مصر استراتيجية تطويق دبلوماسي ولوجستي لإثيوبيا في المنطقة. فعلى مدار السنوات الأخيرة، عززت تحالفاتها الثنائية مع دول جوار خصمها، فوثّقت علاقاتها بكل من جيبوتي وإريتريا وكينيا وكذلك مع الصومال نفسه.
وبالتوازي مع الحراك الأمريكي، كانت ملامح تحالف إقليمي جديد تتشكل على الضفة الأخرى من البحر الأحمر. فقد كشفت وكالة بلومبيرغ أن السعودية تضع اللمسات النهائية على اتفاق لتشكيل تحالف عسكري جديد يجمعها مع مصر والصومال.
ويهدف هذا التحالف إلى تعزيز التعاون الإستراتيجي في أمن البحر الأحمر وتعميق التنسيق العسكري بين الدول الثلاث، وفقًا لمصدرين مطلعين تحدثا لبلومبيرغ. وتوقعت أن يتوجه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى الرياض قريبًا لتوقيع الاتفاق رسميًا.
ويكتسب هذا التحالف أهميته من سعي الرياض والقاهرة إلى كبح النفوذ الإقليمي لأبوظبي التي تصاعد التنافس بينها وبين السعودية في السنوات الأخيرة، وخاصة في منطقة القرن الأفريقي.
وشهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق للتوتر السعودي-الإماراتي على خلفية تباين المصالح في ملفات عدة، أبرزها في اليمن والسودان وأخيرا الصومال. لذا جاء التحرك السعودي-المصري المشترك مع الحكومة الصومالية لمواجهة ما اعتبرته الدول الثلاث تغولًا إماراتيًا يهدد استقرار المنطقة.
عدا عن ذلك، تنقسم مواقف تلك الدول بشأن الحرب بالسودان، إذ تساند السعودية ومصر الجيش السوداني، بينما تدعم الإمارات مليشيات الدعم السريع، ما عمق الخلاف بينها.
فمن جهة تريد السعودية إعادة الانضباط للتوازن الخليجي وإنهاء الأدوار الإماراتية المنفردة جنوب البحر الأحمر، ومن جهة أخرى ترى مصر في هذا المحور وسيلة لتعزيز نفوذها في محيط إثيوبيا الإستراتيجي.
حسابات واشنطن.. وساطة أم احتواء؟
مع هذا التداخل المعقد في الملفات – وساطة أمريكية، تحالفات عربية-أفريقية جديدة، وصراع نفوذ إسرائيلي – يبرز تساؤل جوهري: هل يسير المشهد نحو التهدئة أم مزيد من التعقيد؟ يبدو أن واشنطن تلعب ورقة التهدئة عبر ملف سد النهضة لضبط الإيقاع ومنع انفجار الموقف.
فالإدارة الأمريكية تدرك أن استمرار التصعيد بين مصر وإثيوبيا دون حل قد يدفع القاهرة لخيارات عسكرية خطرة تهدد استقرار المنطقة، خصوصًا في ظل تشابكه الآن مع ملفات حساسة كأمن البحر الأحمر وعلاقات “إسرائيل” بدول القرن الأفريقي.
لذلك جاء العرض الأمريكي بمثابة رسالة تطمين لمصر بأنها لن تُترك وحدها في معركة المياه، وبأن واشنطن مستعدة لدعم التوصل إلى اتفاق يراعي حقوقها “دون إضرار بأي طرف” كما تعهد ترامب.
في الوقت نفسه، يعد الأمر رسالة ضغط ناعمة لإثيوبيا بأن الولايات المتحدة عادت للساحة وقد تستخدم ثقلها السياسي والاقتصادي لدفع أديس أبابا نحو حلول وسط.
ورغم التحفظ الإثيوبي التقليدي على أي دور أمريكي – خشية الانحياز لمصر – فإن الواقع الجديد ربما يفرض على إثيوبيا مرونة أكبر، خاصة وأن حليفتها الإمارات تواجه تحجيمًا لدورها في الصومال، كما أن “إسرائيل” المنشغلة بمكاسبها في صوماليلاند قد لا ترغب بتوتر مع القاهرة.
أما القاهرة، فيمكن القول إنها استفادت من التطورات الأخيرة في تعزيز موقفها التفاوضي. فإظهارها القدرة على تحريك تحالفات إقليمية (مع الرياض ومقديشو) واستعدادها للرد الميداني على أي إخلال بالتوازن (بتوسيع وجودها في الصومال) شكّل ورقة ضغط ضمنية على كل من أديس أبابا و”تل أبيب”.
لذلك، تأتي أهمية احتضان الولايات المتحدة لمصر في هذا التوقيت بالذات – ليس فقط لتحقيق اختراق في قضية السد، بل للحفاظ على مصر ضمن دائرة الاعتدال وعدم دفعها نحو خيارات تصعيدية أو تحالفات بديلة قد لا تخدم المصالح الأمريكية على المدى البعيد.
ومن هنا، يتضح أن قضية سد النهضة لم تعد شأنًا مائيًا فنيًا فحسب، بل غدت محورًا تتقاطع عنده حسابات أمن قومي إقليمية ودولية.