شهدت مناطق شرقي الفرات في سوريا صباح 18 يناير/كانون الثاني 2026 تصعيدًا عسكريًا لافتًا، إذ استعاد الجيش السوري مواقع استراتيجية في الرقة ودير الزور، فيما صعّدت مليشيات “قسد” وحزب العمال الكردستاني “بي كا كا”، قصفهما على أحياء سكنية وفجّرا بنى تحتية حيوية.
وأكدت هيئة العمليات في الجيش السوري سيطرة قواتها على مدينة الطبقة الاستراتيجية بريف الرقة، بما في ذلك سد الفرات ومطارها العسكري، بعد طرد مليشيات “بي كا كا” منها.
وبالتوازي، أفادت مصادر أمنية بسيطرة القوات الحكومية على حقل العمر النفطي وحقل كونيكو للغاز في ريف دير الزور الشرقي – وهما أكبر حقول النفط والغاز في البلاد – إثر مواجهات مع مسلحي مليشيات سوريا الديمقراطية “قسد”. وأكدت مصادر محلية سورية، أن دير الزور أصبحت خالية من “قسد” لأول منذ سنوات، عقب انسحابها منها على وقت تقدم قوات الجيش.
خلفية وأسباب التوتر
بعد تشكيل حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع في أعقاب الإطاحة بالنظام السابق برئاسة بشار الأسد أواخر 2024، سعت دمشق إلى استعادة وحدة البلاد وإنهاء حالة الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي.
وفي مارس/آذار 2025، أُعلن عن اتفاق لدمج قوات “قسد” ومؤسساتها ضمن مؤسسات الدولة، وضمان حقوق المكوّن الكردي ثقافيًا وسياسيًا ضمن سوريا موحدة.
نصّ الاتفاق على وقف القتال وانسحاب “قسد “من المعابر والحقول النفطية مقابل تمثيل الأكراد في الحكومة والبرلمان، إلا أن تنفيذه واجه عقبات أبرزها انعدام الثقة، إذ تمسّكت “قسد” بمطلب الإدارة اللامركزية واحتفاظها بهيكلية مستقلة داخل الجيش، بينما رفضت دمشق أي تقاسم للصلاحيات العسكرية.
وعارضت أنقرة أي تسوية تُبقي على نفوذ لوحدات الحماية وطالبت بتفكيكها الكامل، فيما بدت واشنطن مترددة حيال دعم الاندماج مما شجّع “قسد” على التشدد في مواقفها.
- تظهر هذه الصورة مسار التصعيد بين الدولة السورية وقسد منذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025
مع نهاية 2025 تجمّد الاتفاق فعليًا، وبقيت “قسد” تسيطر بحكم الأمر الواقع على مساحات واسعة شرق البلاد بما فيها منابع النفط والرقة، بينما شددت دمشق أنها لن تقبل باستمرار أي وضع شبه انفصالي.
هذه الخلفية مهدت لانفجار المواجهة منذ أواخر 2025 في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب الذي انتهى بانسحاب المقاتلين الأكراد منهما، وهو ما مثل أول خسارة كبرى لـ”قسد” داخل مركز حضري كبير منذ بدء النزاع، إذ فقدت آخر معاقلها داخل المدينة. ثم امتدت المعارك إلى مناطق شرقي الفرات.
المعارك الأخيرة
بعد حلب، أنذرت دمشق مليشيات “قسد” بضرورة الانسحاب التام إلى شرق الفرات تطبيقًا للاتفاقات المبرمة، لكن بدلا من ذلك، صعدت تلك المليشيات وفجرت في 13 يناير، جسرًا استراتيجيًا في قرية أم تنينة بريف حلب الشمالي، لفصل مناطقها عن مناطق الجيش، وذلك إثر إعلان الأخير تلك المنطقة “عسكرية مغلقة”.
شهدت المنطقة مناوشات محدودة؛ إذ استخدمت “قسد” طائرات مسيرة لمهاجمة مواقع حكومية قرب قرية حميّمة شرق حلب، فردّ الجيش بقصف مدفعي لمواقعها قرب دير حافر.
وبعد هذه الضغوط، سحبت “قسد” جزءًا من قواتها من بلدات ذات أغلبية عربية غرب الفرات، منها دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي. دخل الجيش تلك البلدات بسلاسة يوم 17 يناير، بل وأفادت مصادر باستقبال الأهالي للقوات الحكومية بترحاب.
تركّزت المواجهات التالية حول مدينة الطبقة غرب الرقة، وشن الجيش السوري هجومًا سريعًا على مواقع “قسد” فيها في 17 يناير. وبحلول فجر اليوم التالي، أحكم سيطرتها على كامل المدينة
ميليشيا “قسد” تحرق آلياتها قبيل انسحابها من الرقة.. التفاصيل مع مراسلنا حمزة عباس. pic.twitter.com/99VVCAa3d3
— نون سوريا (@NoonPostSY) January 18, 2026
مثّل سقوط الطبقة مكسبًا رمزيًا واستراتيجيًا للدولة السورية، إذ أزال آخر وجود عسكري لـ”قسد” غرب الفرات وفتح الطريق نحو مدينة الرقة.
مع تقلّص مناطق سيطرتها، تبنّت “قسد” سياسة الأرض المحروقة في بعض المواقع. ففي الرقة، أفاد الإعلام الرسمي أن مسلحيها فجّروا الجسرين القديم والجديد على نهر الفرات ليلة 17–18 يناير لعرقلة عبور الجيش ما أدى لانقطاع المياه عن المدينة.
كذلك أمطرت “قسد” بقذائف الهاون الأحياء السكنية الواقعة تحت سيطرة الحكومة في دير الزور، واستهدفت بالصواريخ مناطق على الضفة الغربية مقابل مدينة الميادين.
وأدانت الدولة في بيان “إقدام تنظيم قسد والمجموعات التابعة لحزب العمال الكردستاني الإرهابي على إعدام السجناء والأسرى في مدينة الطبقة بريف محافظة الرقة” قبل انسحابه منها.
وفي تقدمها نحو شرق الفرات، تمثلت أبرز مكاسب الدولة السورية بالسيطرة على ما يلي:
- سد الفرات: أكبر منشأة مائية وكهربائية في البلاد.
- مطار الطبقة العسكري: قاعدة عسكرية استراتيجية.
- حقلا العمر النفطي وكونيكو للغاز: الأكبر في سوريا والمصدر الرئيسي لتمويل “قسد”.
- حقول أخرى أصغر في المنطقة، مثل التنك وجفرة والعزبة وغيرها.
تظهر الخريطة التالية أبرز مكاسب الدولة السورية في التصعيد ضد قسد منذ أواخر 2025، في مناطق حلب وشرقي الفرات:
محاولات التهدئة المحلية والدولية
على الصعيد السياسي، حاولت الحكومة السورية طمأنة الأكراد عبر بعض الخطوات الرمزية، ففي 16 يناير، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومًا اعتبر فيه الأكراد “جزءًا أساسيًا من الشعب السوري” وأقرّ اللغة الكردية لغة وطنية إلى جانب العربية، كما أمر بمنح الجنسية لمن جُرّدوا منها من أبناء هذه القومية في إحصاء عام 1962.
رحبت ما تسمى الإدارة الذاتية الكردية بالمرسوم وعدّته خطوة إيجابية لكنها قالت إنها “غير كافية”، مجددة مطالبها بالحصول على حكم ذاتي ضمن الدستور.
بالتزامن، كثفت واشنطن والدول الغربية اتصالاتها للحؤول دون اتساع رقعة الحرب. فقد التقى المبعوث الأمريكي توم باراك بقادة “قسد” في أربيل لبحث إحياء الحوار ووقف القتال. كما دعا الجيش الأمريكي عبر القيادة المركزية (سنتكوم) الجيش السوري إلى وقف زحفه بين حلب والطبقة.
ورغم هذه الضغوط، استمرت العمليات لكن بوتيرة حذرة، فيما تجد واشنطن نفسها في موقف حرج بين دعم حلفائها الأكراد سابقًا أو مساندة الحكومة السورية الجديدة التي حظيت باعتراف دولي.

