فتح إعلان البيت الأبيض عن إدراج رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، ضمن تشكيل المجلس التنفيذي لغزة، نافذة جديدة لإعادة طرح هذا الاسم الذي بات حاضرًا بقوة في معادلات الإقليم منذ توليه رئاسة أحد أكثر الأجهزة السيادية حساسية في الدولة المصرية، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، خلفًا للواء عباس كامل، الرجل الأقرب إلى دوائر القرار ومدير مكتب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لسنوات طويلة.
رشاد، الذي يُعد الرئيس السابع والعشرين لجهاز المخابرات العامة منذ تأسيسه في خمسينيات القرن الماضي، لم يحتاج إلى وقت طويل كي ينتقل من كواليس العمل الاستخباراتي إلى واجهة المشهد السياسي الإقليمي، رغم هدوءه المعتاد وابتعاده نسبيًا عن الإعلام، فمنذ انخراطه المباشر في ملف غزة، برز اسمه كفاعل رئيسي في هندسة التفاهمات المعقدة بين الفصائل الفلسطينية، وكمحور ارتكاز في الاتصالات الإقليمية والدولية المرتبطة بسيناريوهات “اليوم التالي” للحرب في القطاع.
ولم يكن اختيار رشاد للانضمام إلى المجلس التنفيذي لغزة تفصيلاً عابرًا ولا إجراءً من قبيل المصادفة، بل يعكس تقديرًا دوليًا وإقليميًا للدور الذي لعبه على مدار 15 شهرًا قضاها على رأس الجهاز، كان فيها أحد اللاعبين المؤثرين في المشهد.
ومن هنا، يفرض اسم حسن رشاد نفسه بوصفه أحد مفاتيح المرحلة المقبلة في الملف الفلسطيني، طارحًا تساؤلات مشروعة حول طبيعة الرجل، وخلفياته. فمن هو؟ وما الذي يمثله حضوره في هذا التوقيت تحديدًا؟
خلفية ثقافية وعسكرية
وُلد حسن رشاد في القاهرة عام 1967، في بيتٍ لم تكن الثقافة فيه ترفًا، بل مكوّنًا أصيلاً من ملامح الهوية، فهو حفيد الكاتب والأديب الكبير يوسف السباعي، وزير الثقافة ورئيس مجلس إدارة جريدة “الأهرام” الأسبق، الذي اغتيل في 18 فبراير/شباط 1978، ليترك أثرًا عميقًا في الوعي العام والذاكرة الوطنية.

هذه النشأة، المشبعة بالكتاب والفكرة والجدل العام، انعكست بوضوح على ملامح شخصية رشاد؛ هدوء محسوب، وغموض غير مفهوم، وقدرة على الاستماع تفوق الكلام، والميل نحو الابتعاد عن الأضواء، ورغم التباين الظاهري بين عالم الأدب المفتوح على الضوء، وعالم الاستخبارات المحكوم بالسرية والظلال، فإن هذا الإرث العائلي شكّل بعدًا رمزيًا في تكوينه النفسي والذهني.
فالرجل الذي جاء من خلفية ثقافية خالصة، شق طريقه بثبات إلى قلب “الدولة العميقة”، حيث تتقاطع السياسة بالأمن، وتُصاغ القرارات الكبرى بعيدًا عن العناوين العريضة، ليجسد انتقالًا لافتًا من ساحة الفكر إلى مطابخ السيادة.
تخرّج حسن رشاد في الكلية الفنية العسكرية بالقاهرة عام 1990، وهي واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية المصرية نخبويةً وتأثيرًا، إذ تُعنى بإعداد ضباط يجمعون بين الصرامة العسكرية والتكوين الفني والهندسي المتقدم، ويحصل خريجوها على بكالوريوس في الهندسة إلى جانب بكالوريوس العلوم العسكرية.
وانعكست هذه الخلفية على طبيعة الملفات التي أُسندت إليه، حيث تجاوز الإطار الاستخباري التقليدي إلى إدارة ملفات مركبة ذات أبعاد تكنولوجية ومالية شديدة التعقيد، تتطلب عقلًا هندسيًا بقدر ما تحتاج إلى حس أمني، وهو ما أسهم في ترسيخ موقعه داخل دوائر القرار بوصفه رجل ملفات صعبة في زمن التحولات.
الالتحاق بجهاز المخابرات العامة
التحق رشاد بجهاز المخابرات العامة المصرية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ليبدأ مسارًا مهنيًا طويلًا داخل أحد أكثر أجهزة الدولة ارتباطًا بمعادلات الأمن القومي وصناعة القرار الاستراتيجي، وعلى مدار سنوات ممتدة، تدرّج في هياكل الجهاز ومواقعه المختلفة، إلى أن بلغ موقع نائب مدير جهاز المخابرات العامة.
وخلال عمله داخل الجهاز، شغل مواقع بالغة الحساسية، لعل أبرزها توليه إدارة ملف إيران على مدى سبع سنوات متواصلة، في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب، تزامنت مع تصاعد الدور الإيراني في الإقليم، وتشابك دوائر النفوذ في الخليج وشرق المتوسط، حيث لم تعد السياسة منفصلة عن الأمن، ولا الإقليم بعيدًا عن حسابات القوة.
وبالتوازي مع ذلك، اضطلع بالإشراف على ملف التأمين السيبراني للجهات السيادية والمؤسسات المالية الكبرى في مصر، في توقيت باتت فيه الهجمات الإلكترونية والاختراقات الرقمية أحد أخطر تهديدات الأمن القومي الحديث، ما أضاف إلى رصيده بعدًا تقنيًا واستراتيجيًا عزز موقعه كأحد صناع القرار في زمن تتداخل فيه الجغرافيا مع التكنولوجيا.
في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2024 فوجئ الشارع المصري بقرار رئيس الجمهورية تعيين رشاد رئاسة جهاز المخابرات العامة، بدلا من اللواء المقرب من السيسي ومدير مكتبه لسنوات، عباس كامل، في خطوة أثارت الكثير من الجدل والتساؤلات حينها، حول الإطاحة بصديق السيسي المقرب وقدرة اختيار رشاد على رئاسة جهاز بهذا الحجم.
بخلاف كثير من أسلافه، لم يأتِ رشاد من “ضباط السلاح” بالمعنى التقليدي داخل المؤسسة العسكرية، في سابقة لافتة في تاريخ الجهاز، ما منح تعيينه دلالات تتجاوز مجرد التغيير الإداري إلى إعادة توزيع للأدوار داخل منظومة الأمن القومي.
منذ توليه رئاسة جهاز المخابرات العامة، أمسك رشاد بيده عددًا من أعقد ملفات الأمن القومي المصري، وأشرف عليها بصورة مباشرة، وفي مقدمتها أربعة مسارات بالغة الحساسية، ليبيا، والسودان، وإثيوبيا، وقطاع غزة.
واللافت أن هذه الملفات، على تباين جغرافياتها، تلتقي جميعها عند تقاطع حاد بين اعتبارات الحدود والأمن المائي، ومعادلات الاستقرار الإقليمي، وشبكة العلاقات مع القوى الدولية الفاعلة، وهو ما يحوّل موقع رئيس المخابرات، في هذه الحالة، من مجرد فاعل أمني إلى لاعب سياسي كامل الأوصاف، يتحرك في مساحة رمادية بين الدبلوماسية الصامتة وصناعة القرار الاستراتيجي، حيث لا تُدار الملفات بالبيانات، بل بتوازنات دقيقة وحسابات طويلة النفس.
غزة.. الملف الأكثر حضورًا
يُعد ملف غزة أكثر الملفات الأمنية حساسية التي حملها رشاد منذ تسلمه قيادة جهاز المخابرات العامة، ويعتبره كثيرون الاختبار الأكبر لقدراته في هذا المنصب، إذ استطاع خلال العام الماضي أن يثبت نفسه كحلقة الوصل الأهم بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وبين الفصائل بعضها البعض، في مرحلة تتسم بتداخل الأمن بالسياسة وتضييق هامش الخيارات.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، قام رشاد بأول زيارة رسمية لمسؤول مصري رفيع المستوى إلى الأراضي المحتلة منذ اندلاع الحرب، حيث التقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين.
وتناولت المباحثات سبل تعزيز وقف إطلاق النار وتثبيت الهدنة، إلى جانب إدخال المساعدات الإنسانية، وإزالة العقبات أمام تنفيذ تفاهمات التهدئة. وقد اعتُبرت تلك الزيارة إشارة واضحة على انتقال دور رئيس المخابرات من إدارة الاتصالات الخلفية إلى ممارسة دبلوماسية أمنية مباشرة عندما تقتضي الضرورة.
وساهم هذا التحول في ترسيخ موقع رشاد كـ “رقم صعب” في ترتيب صفقات التهدئة وتبادل الأسرى، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وصولًا إلى اتفاق شرم الشيخ الذي مثّل محطة مفصلية في مسار إنهاء الحرب وفتح باب تفاهمات ما بعد الحرب.
واستطاع رشاد أن يكون واحدًا من الأسماء القليلة داخل جهاز المخابرات القادرة على تحقيق الأهداف اللوجستية لإدارة ملف غزة وعلى رأسها، إدارة قنوات الاتصال غير المباشرة، وضبط إيقاع الفصائل الفلسطينية، ومنع تحول الأزمة إلى مواجهة شاملة، ومحاولة تثبيت هدنة طويلة الأمد بدل “وقف نار” مؤقت.
سيناء والذكاء الوقائي
في مقابل نهج عباس كامل وأسلافه الذين ارتبطت استراتيجياتهم الأمنية بشكل أساسي بمواجهة الفصائل المسلحة في سيناء عبر المواجهة العسكرية المباشرة، اتخذ حسن رشاد مسارًا مختلفًا في إدارة الملف الأمني، إذ سعى إلى تحويل مفهوم الأمن من مجرد رد فعل عسكري إلى منظومة استخباراتية وقائية، تقوم على الوقاية قبل العلاج.
وقد تجلى هذا التحول في أدواته العملية، حيث قلّص الاعتماد على المواجهات المباشرة، وزاد من التركيز على جمع المعلومات وتحليلها، والعمل على تفكيك البنية التنظيمية للإرهاب من الداخل، ومنع تسلل الأسلحة والعناصر المتطرفة عبر الحدود.
وفي جوهر هذا الأسلوب، يكمن فهم أعمق لطبيعة التهديدات الحديثة التي لم تعد تُحسم بالحسم العسكري وحده، بل تحتاج إلى “أمن استباقي” يبني على المعرفة والسيطرة على مصادر الخطر قبل تفجّرها.
ولم يقتصر هذا النهج على سيناء فقط، بل امتد إلى الملف الليبي، حيث سعى إلى منع تمدد الفصائل المسلحة وتحييدها بعيدًا عن الحدود المصرية، وفي الوقت نفسه المحافظة على خطوط استقرار نسبي في المنطقة.
كما طبق نفس المنطق في إدارة ملف حركة حماس، عبر التعامل معها والتفاهم معها رغم الفوارق الأيديولوجية بين القاهرة والحركة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي في قطاع غزة، وقطع الطريق أمام تحوّلات قد تعيد إنتاج الأزمة على نحو أكثر تعقيدًا.
ما الفرق بينه وبين عباس كامل؟
بعد أكثر من عام على تعيينه رئيسًا لجهاز المخابرات العامة، برزت مقارنة واسعة بين حسن رشاد وسلفه عباس كامل، تعكس اختلافًا عميقًا في منطق العمل الأمني وطريقة إدارة الأزمات.
فعباس كامل يُنظر إليه كرجل “المهام الخاصة”، فكان منفذًا مباشرًا للقرارات، سريع الاستجابة، يظهر بقوة في الملفات الكبرى، ويتحرك وفق منطق “المهمة” دون تردد، وهو النوع الذي يحتاجه النظام في مرحلة “التثبيت” بعد سنوات من الفوضى، ويعرف كيف يفرض وجوده في دائرة الضوء، ويُنجز ما يُطلب منه بسرعة ووضوح.
أما حسن رشاد، فتعريفه أقرب إلى رجل “إدارة التعقيد”، فهو يمثل تحوّلًا في العمل الاستخباراتي نحو التعامل مع المناطق الرمادية، وإدارة أزمات إقليمية متعددة الأطراف في آن واحد، دون الاستعجال في الحلول، والاعتماد على استراتيجيات طويلة الأمد.
وفي بيان صادر السبت 17 يناير/كانون الثاني الجاري، أعلن البيت الأبيض عن إنشاء “مجلس تنفيذي لغزة” لدعم عمل مكتب الممثل السامي و”اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، وضم التشكيلة إلى جانب مسؤولين أمريكيين بارزين مثل ويتكوف وكوشنر وبلير وروان وملادينوف، أسماءً دولية أخرى من بينها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، واللواء حسن رشاد، ووزيرة الدولة الإماراتية ريم الهاشمي، وسيغريد كاغ، وآخرين.
وأثار إدراج رشاد في المجلس التنفيذي ارتياحًا داخل الشارع المصري، الذي قرأ في هذا الاختيار رسالة عملية واضحة، فالرجل يُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في بلورة تفاهمات “اليوم التالي” لحرب غزة، وهو القادر على ضبط البوصلة إلى حد ما، في ظل سيطرة توجهات موالية لإسرائيل وترامب على تركيبة المجلس.