تحيط بالخطوات التي تتخذها الولايات المتحدة، باعتبارها تطبيقًا متدرجًا لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين، جملةٌ واسعة من التفسيرات والتأويلات، بما يضعها في خانة الخطورة السياسية المركبة.
فهذه الخطوات لا يمكن التعامل معها بوصفها إجراءات تقنية أو أدوات إجرائية لإدارة مشهد ما بعد وقف إطلاق النار أو كمسارٍ تقليدي لإعادة الإعمار، بل تستوجب درجة عالية من التنبه السياسي تتجاوز القراءة السطحية للمعطيات المجردة.
ومن خلال قراءة تفاصيل النصوص وأدوات التنفيذ، وصولًا إلى التوصيفات المعتمدة واختيار المسميات، يتضح أن الخطة تتدحرج نحو شكلها الأخطر؛ إذ لا تكتفي بإعادة إنتاج أهداف الحرب الإسرائيلية، بل تعمل على إعادة ترتيبها ومنحها غطاءً دوليًا وأدوات دبلوماسية، بما يعيد صياغة العدوان على الشعب الفلسطيني وحقوقه ضمن إطار دولي مُشرعن.
ويُفضي هذا المسار، بالمعنى الاستراتيجي، إلى تهديد جوهري للحق الفلسطيني في كينونة سياسية واحدة، ونظام سياسي متكامل، كما يُبعد أفق الدولة والاستقلال وحق تقرير المصير. ويتقاطع هذا الخطر مع تبشيرات صهيونية سابقة، وردت في ما يُعرف بـ”خطة الحسم” لدى تيارات الصهيونية الدينية، والتي تدعو صراحةً إلى تفكيك الكينونة الفلسطينية وتحويلها إلى تمثيلات مجتزأة ذات بُعد عشائري.
كما يتقاطع مع مسار السلب القسري للتمثيل السياسي لسكان قطاع غزة، عبر إعادة تدويله وإخضاعه لصيغة إدارة خارجية تُستعاد فيها ملامح نموذج “المندوب السامي”، بما يُعيد إلى الأذهان حقبة الاستعمار المباشر، ويُعزز الربط بين اشتراطات الخطة الحالية ومسار تاريخي سبق أن قاد إلى النكبة الفلسطينية عام 1948 في ظل الانتداب البريطاني.
احتكار أمريكي للولاية الدولية
في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم (2803)، الذي يزكّي خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذات العشرين بندًا بشأن قطاع غزة، وذلك بعد أسابيع من الضغوط السياسية المكثفة ومحاولات واشنطن استمالة أعضاء المجلس. وقد أُقرّ القرار بثلاثة عشر صوتًا مقابل امتناع عضوين هما روسيا والصين.
رحّب القرار بإنشاء ما يُسمّى “مجلس السلام” بوصفه إدارة انتقالية تتمتع بشخصية قانونية دولية، تتولى وضع الإطار العام وتنسيق تمويل إعادة إعمار غزة وفقًا للخطة الشاملة، وبما ينسجم –شكليًا– مع المبادئ القانونية الدولية ذات الصلة.
ويُناط بالمجلس الإشراف على هذه المرحلة إلى أن تُكمل السلطة الفلسطينية برنامج “الإصلاح” الخاص بها بشكل “مرضي”، كما هو وارد في مقترحات متعددة، من بينها خطة ترامب للسلام لعام 2020 والمقترح السعودي–الفرنسي، لتصبح –وفق هذا التصور– قادرة “بأمان وفعالية” على استعادة السيطرة على القطاع.
وبعد تنفيذ هذا البرنامج، والتقدم في إعادة الإعمار، يفترض القرار أن تتوفر شروط مسار “موثوق” نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة، على أن تنشئ الولايات المتحدة حوارًا بين الإسرائيليين والفلسطينيين للاتفاق على أفق سياسي للتعايش السلمي والازدهار.
غير أن قراءة دقيقة لنص القرار تكشف أنه فتح الباب أمام احتكار الولايات المتحدة للولاية القانونية التي يمنحها مجلس الأمن، سواء من خلال “مجلس السلام” الذي أُسبغت عليه صفة الشخصية القانونية الدولية، أو عبر إحالة تشكيله وإدارته عمليًا إلى الرئيس الأميركي وإدارته، دون الحاجة للعودة إلى أي مؤسسة دولية أخرى، ودون مرجعية فعلية سوى مجلس يُعاد تعريفه سياسيًا بوصفه أداة تنفيذ لإرادة واشنطن. مما يعني أن المجلس ليس إطارًا دوليًا تعدديًا، بل ذراعًا أميركية بغطاء أممي.
وفي السياق ذاته، يُحيل القرار مفهوم “الإصلاح” المطلوب من السلطة الفلسطينية إلى المرجعيات ذاتها التي يرفضها الفلسطينيون بإجماع وطني شبه كامل، وعلى رأسها ما يُعرف بـ”صفقة القرن“، فضلًا عن المقترحات السعودية–الفرنسية التي تمسّ جوهريًا بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة وسلاحها.
وهو المسار نفسه الذي فُوّضت بموجبه القوة الدولية، بشكل صريح، بنزع هذا السلاح، في تعارض واضح مع مبادئ القانون الدولي التي تكفل للشعوب الواقعة تحت الاحتلال حق المقاومة بكافة أشكالها المشروعة.
وتوضح نصوص القرار، في جوهرها، كيف يُعاد تغليف السيطرة الاستعمارية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، الذي عانى أكثر من عامين من حرب إبادة جماعية على يد النظام الإسرائيلي. فبدلًا من الدفع باتجاه العدالة والمساءلة، وتكريس سابقة قانونية وإنسانية ضد جريمة الإبادة، اختارت الأمم المتحدة –عبر مجلس الأمن– مرة أخرى الانحراف عن معاييرها وقيمها، تحت ضغط الولايات المتحدة، وفي ظل انسياق دولي شبه تام خلف إدارة ترامب.

كما منح القرار “مجلس السلام” سلطة مركزية في توزيع المساعدات الإنسانية داخل قطاع غزة، ويُلزم جميع المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة، بما في ذلك وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، بالعمل تحت إشرافه. وبذلك، يحتكر المجلس القرار المتعلق بمن يتلقى المساعدة، وبأي شروط، وفي أي توقيت.
ونظرًا لاعتماد سكان غزة شبه الكامل على المساعدات في ظل الإبادة الجماعية المستمرة، والحصار الخانق، والحاجة المُلحّة إلى الإعمار، فإن تركيز سلطة التحكّم بالمساعدات وبأفق الإعمار ومساراته في يد هذا المجلس ينطوي على تبعات بالغة الخطورة؛ إذ يمنح القرار درجة غير مسبوقة من التحكم الخارجي، تمتد إلى تحديد من يعيش، ومن يُجَوَّع، ومن يُتاح له الوصول إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، ومن يُمنح حق الإعمار.
ومع الإعلان الأميركي عن العضوية الرئيسية لمجلس السلام وهيئته التنفيذية، يتضح أن المشهد تهيمن عليه شخصيات من “مطبخ” الرئيس الأميركي السياسي، من الأميركيين وغيرهم، وفي مقدمتهم توني بلير، الذي يُعاد إنتاجه مجددًا بوصفه أحد عرّابي المشاريع المشوّهة والتدخلية في المنطقة، وسجلّه حافل في رعاية صيغ انتزاع السيادة، وتفريغ التمثيل السياسي للشعوب من مضمونه الحقيقي.
إعادة إنتاج الانتداب
لفت التوصيف الذي أُطلق على مهمة نيكولاي ميلادينوف الأنظار، بوصفه قناة الاتصال الرئيسية بين لجنة المهنيين الفلسطينية على الأرض في قطاع غزة وبين “مجلس السلام” وهيئاته، حين مُنح لقب “المندوب السامي” للمجلس في الأراضي الفلسطينية.
وهو توصيف لا يقتصر على بعدٍ شكلي أو بروتوكولي، بل يمنحه عمليًا صلاحيات الإشراف على الحوكمة، وإعادة الإعمار والتنمية، وضمان التنسيق بين المسارات المدنية والأمنية، بما يجعله الحاكم الفعلي المفوّض من “مجلس السلام” لإدارة شؤون القطاع.
ويُعيد هذا المسمّى، بما يحمله من دلالة وظيفية وتاريخية، إلى الأذهان حقبة الاستعمار الكلاسيكي، حيث استُخدمت توصيفات مماثلة لتبرير سلب الشعوب حقها في تقرير المصير والتمثيل السياسي، تحت عناوين “الإدارة المؤقتة” و”التهيئة للاستقلال”. وهي مرحلة انتقالية عرفها النظام الدولي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حين جرى إعادة هندسة الخريطة السياسية للعالم خارج أوروبا.
في عام 1919، انعقد مؤتمر السلم في باريس بين الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، ووقّع المشاركون خلاله خمس معاهدات مع الدول المهزومة، من بينها معاهدة فرساي مع ألمانيا. ولم يكن الهدف المعلن للمؤتمر مجرد إنهاء الحرب، بل تنظيم “عملية الاستعمار” بصيغتها الجديدة، عبر لغة مختلفة ومصطلحات أكثر تهذيبًا، تُقدَّم من خلالها خطط السيطرة على أراضي الدولة العثمانية والمناطق الخاضعة سابقًا للنفوذ الألماني في قالب “إصلاحي”، رغم أن جوهرها ظل قائمًا على استغلال الموارد والثروات وفرض الهيمنة السياسية.
حينه قُدم مقترحًا بريطانيًا بعنوان “عصبة الأمم – اقتراح عملي”، عارضًا تصورًا للمرحلة المقبلة يقوم على منطق “الانتداب”، الذي كان بحاجة إلى بلورة قانونية وسياسية تُمكّنه من التحول إلى نظام دولي معترف به. وقد أفضت هذه المقاربات إلى نشوء ما عُرف لاحقًا بنظام الانتداب، الذي قسّم منطقة الشرق الأوسط، ومهّد الطريق لاحتلال فلسطين، وصولًا إلى تأسيس الكيان الإسرائيلي.
كان العنوان العام لهذا النظام هو “تطوير كل دولة نحو الاستقلال النهائي”، غير أن هذه التفويضات توزعت فعليًا بين الدول المنتصرة وفق اتفاقيات عامة وأخرى سرية، لعل أشهرها اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916، ووعد بلفور عام 1917، ما كشف الفجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.
وهي التبريرات ذاتها التي تعود اليوم في الصيغة الأميركية المطروحة لتدويل التدخل في قطاع غزة، وسلب التمثيل السياسي لسكانه، عبر حصر دور لجنتهم الإدارية الجديدة في إطار أقرب إلى الحكم المحلي، المكلّف بتسيير الشؤون اليومية دون امتلاك أي صلاحيات سيادية حقيقية، ودون أي ربط واضح بينها وبين النظام السياسي الفلسطيني الرسمي.
وبذلك، لا تبدو هذه الترتيبات سوى إعادة إنتاج حديثة لنموذج الانتداب، بأدوات معاصرة ولغة دولية مُنمّقة، لكن بجوهر واحد يقوم على إدارة السكان بدل تمكينهم، وضبط المجال السياسي بدل الاعتراف بحقهم في تقرير مصيرهم، ومصادرة الاستحقاق السياسي الذي أفرزه التحوّل في المزاج العام الدولي الداعي إلى إنصاف الفلسطينيين ومنحهم حقوقهم.
النظام الفلسطيني: تشوّهات بنيوية وتهرّب رسمي
بالمقابل، لا يمكن توصيف النظام السياسي الفلسطيني بوصفه نظامًا مثاليًا أو متماسكًا، بل على العكس، فهو يعاني من تشوّهات بنيوية عميقة، ومن حالة تهرّب مزمنة من مواجهة الأسئلة الوطنية الصعبة.
وقد تفاقمت هذه الإشكاليات بفعل الانقسام، الذي لم يعد مجرد خلاف سياسي في المواقف أو نزاع إداري محدود، بل تطوّر على مدار عقدين ليصبح انقسامًا مؤسساتيًا كاملًا، تُدار بموجبه سلطة حكم ذاتي في قطاع غزة وأخرى في الضفة الغربية، لكل منهما بنيتها وأولوياتها ومساراتها.
وبالمعنى السياسي الأوسع، فإن منظمة التحرير الفلسطينية، التي تخضع منذ عقود لهيمنة فريق سياسي واحد قلّص تدريجيًا هامش العمل الجماعي داخلها، لا تُواجَه بإشكال في شرعية تمثيلها التاريخي للشعب الفلسطيني، بقدر ما تُواجَه بخلاف عميق حول شرعية قيادتها واحتكارها لهذا التمثيل. فقد جرى تجاوز الاستحقاقات الوطنية المتراكمة التي كان من شأنها إعادة بناء المنظمة بوصفها بيتًا جامعًا فعليًا للفلسطينيين، وتحويلها إلى إطار مغلق يُدار بمنطق السيطرة لا الشراكة.
وفي هذا السياق، تُستدعى شرعية منظمة التحرير ضمن نطاق استخدامي انتقائي، يجري توظيفه لتبرير استمرار الهيمنة على السلطة والتمثيل، واتخاذ خطوات إحلال تدريجية لهيئات مكلّفة بدلًا من الهيئات المنتخبة، التي كانت بدورها معطّلة أو منتهية الولاية، وفي مقدمتها المجلس التشريعي الفلسطيني.
وقد أُعيد الاعتبار للمجلس الوطني دون أي تجديد انتخابي أو توافق وطني، ثم جرى تفويض صلاحياته للمجلس المركزي، دون امتلاك أي منهما شرعية انتخابية أو تمثيلية فعلية، ليُستخدم هذا المسار لاحقًا في إعادة تشكيل اللجنة التنفيذية للمنظمة، وصولًا إلى استحداث منصب نائب الرئيس، خارج أي إطار وطني جامع.
وتُضاف إلى ذلك إشكالية جوهرية أخرى تتعلق بعدم وضوح العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، سواء في تعريف طبيعة كل منهما أو في تحديد وظائفهما وحدود اختصاصهما. فلا يوجد فصل إجرائي واضح بين السلطة بوصفها كيانًا إداريًا–خدماتيًا محدود الصلاحيات في ظل الاحتلال، وبين المنظمة بوصفها التعبير المفترض عن المشروع الوطني الفلسطيني في مرحلة تحرر لم تُنجز بعد. وقد انعكس هذا الالتباس مباشرة على الأداء السياسي والمؤسساتي، وأسهم في تعميق حالة التشوّه بدل معالجتها.
وفي خضم هذا الواقع، برز مسار “الدولة الفلسطينية” الذي قاده الرئيس محمود عباس، والقائم على تثبيت مفهوم الدولانية، وبناء “مؤسسات دولة”، والانخراط في المؤسسات الدولية ونيل الاعترافات الرمزية.
غير أن هذا المسار اصطدم بتناقض بنيوي حاد مع ما يجري على الأرض، حيث يتواصل النزيف في السيطرة على الأرض والسيادة، ويتآكل الحضور السياسي، وتتراجع صلاحية البرنامج السياسي ذاته، إلى جانب اهتزاز الشرعية ووحدة المؤسسات. وبدل أن يُشكّل هذا التناقض مدخلًا للمراجعة، أضيفت طبقة جديدة من التشوّه دون معالجة الجذور السابقة أو تقديم إجابات حقيقية عنها.
وبالموازاة مع ذلك، تبرز قوى المعارضة الفلسطينية، على اختلاف أطيافها، دون امتلاك برنامج عملي متكامل يُمكّنها من الذهاب الجدي نحو الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام سياسيًا ومؤسساتيًا. كما تفتقر هذه القوى إلى القدرة على فرض هذا المسار، أو حتى تنسيق خطة عمل مشتركة للتعامل مع واقع سياسي شديد الالتباس والتعقيد.
الأكثر خطورة، أن واقع الإبادة الجماعية لم يُشكّل حافزًا كافيًا لتحريك الأطراف الفلسطينية بفعالية لمواجهة هذا المسار، في ظل خطة حسم صهيونية واضحة، وحرب إبادة تُشن على قطاع غزة على مرأى العالم، بالتوازي مع اندفاعة هجومية تستهدف مجمل البنية الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك الضفة الغربية، وصولًا إلى الإجهاز الفعلي حتى على مشروع الدولتين، الذي يشكّل جوهر البرنامج السياسي للقيادة الرسمية الفلسطينية.
وأمام التحدي الواضح، المتمثل في أن “اليوم التالي” للحرب على غزة لن يتوقف عند حدود القطاع المنهك، فإن الرهان السياسي على إعادة إنتاج الذات، أو انتظار انهيار الخصم السياسي لحصد النتائج، أبقى القيادة الرسمية الفلسطينية في حالة انتظارية، وعزوف عن التعاطي الجدي مع الأفكار المطروحة.
إلى أن فُرض مسار قسري بالتشكيلة الحالية، لا يُجيب بوضوح عن سؤال جوهري: ما طبيعة الربط بين الجهة التي ستُدير قطاع غزة وبين النظام السياسي الفلسطيني الرسمي؟ وما حدود الصلاحيات، ومن يملك القرار السيادي، وفي أي إطار وطني؟
إغلاق الخيارات الوطنية الفلسطينية
لا يمكن قراءة مسار تدويل إدارة قطاع غزة، ولا إعادة إنتاج صيغ الانتداب، ولا تفكيك النظام السياسي الفلسطيني، بوصفها ترتيبات منفصلة أو استجابات ظرفية لواقع ما بعد الحرب، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتقاطع فيه المشروع الأميركي لإدارة الصراع إقليميًا، مع مشروع الحسم الصهيوني الساعي إلى إنهاء القضية الفلسطينية من جذورها، لا إدارتها.
فما يُطرح اليوم تحت غطاء خطة العشرين بندًا الأميركية، ليس إلا إعادة تغليف لأهداف الحرب الإسرائيلية، ونقلها من المجال العسكري المباشر إلى المجالين السياسي والدبلوماسي، عبر تدويل السيطرة على الفلسطينيين، وسحب الوكالة السياسية منهم، وتحويلهم من شعبٍ صاحب قضية وحقوق وطنية إلى سكان تُدار شؤونهم عبر أطر دولية خاضعة للهيمنة الأميركية والإسرائيلية.
النائبة البريطانية زارا سلطانة تصف توني بلير بمجرم حرب وتحذّر من أي محاولة لإعادة فرض الوصاية الخارجية على غزة pic.twitter.com/3UeBXhUPVs
— نون بوست (@NoonPost) October 12, 2025
وفي هذا الإطار، لا تبدو الترتيبات المفروضة على قطاع غزة، ولا استحداث مجالس وهيئات ذات طابع دولي، ولا توصيف أدوار “المندوب السامي” أو الإدارة المهنية المحلية، سوى امتداد حديث لنموذج الانتداب، بأدوات معاصرة ولغة قانونية منمّقة، لكن بجوهر واحد يهدف إلى إدارة السكان بدل تمكينهم، وتجاهل حقوقهم السياسية بشكل كامل.
غير أن الأخطر في هذا المشهد، أن كل هذه الترتيبات لا تأتي في فراغ، بل تتقاطع مباشرة مع مشروع “حسم الصراع” داخل إسرائيل، الذي تقوده الصهيونية الدينية، ويستهدف القضاء على أي أفق سياسي أو وطني للفلسطينيين. فهذا المشروع لا يسعى فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى “هزيمة الوعي” وتجفيف الأمل، عبر تفكيك المؤسسات، وتذويب التمثيل، ودفع الفلسطينيين نحو خيارات قسرية محصورة بين الخضوع، أو الهجرة، أو القمع.
ومن هنا، فإن التجاهل الجاري للأطر السياسية الفلسطينية، والتفاوض مع دول الإقليم حول مستقبل الفلسطينيين كشعب بلا نظام سياسي، والقبول بخطاب فضفاض عن “دولة فلسطينية” بلا تعريف ولا مضمون، لا يُمكن فصله عن هذا المسار النهائي الهادف لإغلاق المجال السياسي الفلسطيني، وتحويل القضية إلى ملف إداري–أمني–إنساني، يُدار دوليًا، ويُحسم إسرائيليًا.
وأمام هذا المسار المركب، يجد الفلسطينيون أنفسهم مدفوعين نحو ممرات إجبارية، في لحظة تاريخية كان يفترض أن تفرض مراجعة وطنية شاملة، لا انتظارًا ولا إعادة إنتاج للذات. فالمعركة لم تعد على شكل إدارة غزة فحسب، بل على بقاء التمثيل السياسي الفلسطيني نفسه، وعلى ما إذا كان الفلسطينيون سيبقون شعبًا يمتلك مشروعًا وطنيًا، أم يتحولون إلى جماعات مُدارة داخل ترتيبات دولية تُفصّل على مقاس مشروع الحسم الصهيوني.