في تحول مفصلي سريع، استعادت الدولة السورية في 18 يناير/كانون الثاني 2026 السيطرة على مناطق غنية بالنفط والغاز شرق نهر الفرات، أبرزها حقل العمر النفطي (أكبر حقول البلاد) وحقل كونوكو للغاز في محافظة دير الزور.
جاء ذلك بعد معارك خاطفة مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، أعقبتها بساعات إعلان وقف لإطلاق النار واتفاق يقضي بدمج تلك القوات بشكل كامل في مؤسسات الدولة السورية.
هذه التطورات تنهي سنوات من سيطرة قسد على الثروة النفطية السورية، وتعد بتحول كبير في إدارة الموارد الطبيعية لسوريا، خصوصًا وأن قطاع النفط كان ركيزة الاقتصاد قبل الحرب (مثّل نحو 20% من الناتج المحلي في 2010).
خريطة الطاقة في سوريا
على مدار سنوات الحرب، تركزت معظم حقول النفط والغاز السورية في شمال شرق البلاد وشرقها، وهي مناطق خرجت عن سيطرة دمشق لسنوات منذ عهد النظام البائد برئاسة بشار الأسد.
ربع مساحة سوريا الواقع شرق الفرات – بما فيه محافظة دير الزور الغنية بالموارد – كان يخضع لسيطرة قسد بدعم أمريكي، متضمّنًا أهم الحقول النفطية السورية.
وقد أشارت تقديرات البنك الدولي إلى أن هذه القوات كانت تسيطر على نحو 80% إلى 90% من إنتاج النفط في سوريا خلال الفترة الماضية. في المقابل، لم يكن تحت يد الدولة سوى حقول صغيرة متناثرة توفر جزءًا ضئيلًا من الإنتاج.
أما اليوم، فمع تقدم الجيش السوري شرقي البلاد واتفاق الدمج مع قسد، عادت معظم تلك المناطق النفطية والاستراتيجية إلى كنف الدولة.
تؤكد مصادر رسمية أن القوات الحكومية وحلفاءها من العشائر العربية بسطوا سيطرتهم على معظم محافظة دير الزور – وهي أهم مناطق إنتاج النفط والقمح في سوريا – على امتداد أكثر من 150 كم من ضفاف الفرات الشرقية حتى الحدود مع العراق.
وباستعادة هذه الرقعة الواسعة، خسرت “قسد” أبرز مصادر تمويلها المحلي التي كانت تستخدمها لتسيير مناطقها، وعادت الثروة النفطية التي احتجزتها تلك القوات مجددًا لخدمة خزينة الدولة التي عانت طويلًا من نقص الموارد.
كذلك أحكمت دمشق سيطرتها على مدينة الطبقة وسد الفرات غرب الرقة، ومواقع حيوية أخرى، وباتت المحافظات الشرقية (دير الزور والحسكة والرقة) بكامل منشآتها النفطية والغازية تحت إدارة الحكومة المركزية.
وهو ما يعني أن سوريا أصبحت فعليًا تسيطر الآن على جميع ثرواتها النفطية والغازية للمرة الأولى منذ سنوات الحرب.

أهم الحقول النفطية والغازية شرق الفرات
تمتاز المناطق المستعادة بوجود غالبية الحقول الكبيرة التي يعتمد عليها إنتاج النفط والغاز السوري حاليًا. فيما يلي أبرز الحقول في تلك المناطق والقدرات التقريبية لإنتاجها:
- حقل العمر النفطي: أكبر حقول سوريا (شرق دير الزور)، ينتج حاليًا نحو 20 ألف برميل يوميًا (مقارنةً بحوالي 80 ألف برميل يوميًا في التسعينيات).
- حقل التنك النفطي: ثاني أكبر حقول دير الزور، وكان ضمن أهم الحقول التي سيطرت عليها قسد قبل استعادته (لم تتوفر أرقام حديثة دقيقة لإنتاجه، لكنه يعد من أعمدة الإنتاج النفطي هناك).
- حقل الجفرة النفطي: يقع شرق دير الزور، انخفض إنتاجه من حوالي 2000 برميل يوميًا قبل الحرب إلى نحو 1000 برميل يوميًا تحت سيطرة قسد.
- حقل كونوكو للغاز: يقع شرق دير الزور، وكان أكبر معمل لمعالجة الغاز في سوريا قبل الحرب بطاقة إنتاج حوالي 13 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، إلا أنه متوقف عن العمل منذ سنوات تحت سيطرة قسد نتيجة الأضرار وانقطاع الاستثمار.
- حقول رميلان والسويدية (محافظة الحسكة): تضم أكثر من 1300 بئر نفط و25 بئر غاز، وبلغ إنتاجها في ذروة ما قبل الحرب نحو 90 ألف برميل يوميًا، لكنه تراجع حاليًا إلى حوالي 9 آلاف برميل يوميًا فقط بسبب نضوب المخزون وتقادم الآبار.
- حقول نفط الرقة: تشمل حقل الثورة جنوب غرب الرقة وعدة حقول صغيرة مجاورة (الوهب والفهد ودبيسان والقصير وأبو القطط وأبو قطاش قرب الرصافة)، وكانت ذات إنتاج متواضع تاريخيًا لا يتجاوز بضعة آلاف برميل يوميًا، وتنتج حاليًا مجتمعة نحو 2,000 برميل يوميًا.
وعانى إنتاج سوريا النفطي من انهيار حاد خلال الحرب. فبعد أن كانت البلاد تنتج نحو 385 ألف برميل نفط يوميًا في 2010 قبل العقوبات والأزمة، هوت المعدلات إلى ما بين 24 و34 ألف برميل يوميًا في ذروة الحرب (2014-2019).
وبتعمق الأزمة والعقوبات، انخفض الإنتاج أكثر ليبلغ حوالي 40 ألف برميل يوميًا بحلول 2023، في تراجع حوّل سوريا من مصدرٍ مهم للنفط إلى مستورد يعتمد على شحنات خارجية، حيث قدرت واردات النفط الإيراني إلى سوريا بنحو 100 ألف برميل يوميًا أحيانًا لسد العجز زمن النظام البائد.
مكاسب وتحديات
مع التغيرات السياسية الأخيرة وبدء التعاون بين الإدارة الجديدة في دمشق وقسد قبل اندلاع القتال الأخير، شهد القطاع النفطي بعض التعافي.
ارتفع الإنتاج الإجمالي إلى نحو 110 آلاف برميل يوميًا حاليًا، يُنتج حوالي 100 ألف منها من الحقول التي كانت تحت سيطرة قسد مقابل نحو 10 آلاف برميل فقط من الحقول التابعة للدولة قبل استعادتها لتلك المناطق. والآن ومع اندماج قسد، يفترض أن كامل هذا الإنتاج أصبح تحت إشراف دمشق.
وتقدر الاحتياطيات النفطية السورية بحوالي 2.5 مليار برميل (غالبيتها من النفوط الثقيلة عالية نسبة الكبريت)، ما يعني أن هناك فرصة لزيادة الإنتاج على المدى الطويل إذا توفرت استثمارات وتقنيات حديثة، رغم الشكوك حول تضرر مكامن النفط بفعل الاستخراج البدائي إبّان الحرب.
على صعيد الغاز الطبيعي، تنتج سوريا حاليًا قرابة 7 ملايين متر مكعب من الغاز يوميًا، فيما تتطلب المنظومة الكهربائية السورية نحو 18 مليون م³ يوميًا لتعمل بكفاءة.
الجزء الأكبر من هذا الإنتاج يأتي من الحقول الواقعة أصلًا ضمن مناطق سيطرة الدولة (خصوصًا وسط البلاد)، بينما لم تسهم حقول الغاز في مناطق قسد سابقا إلا بحوالي 1.1 مليون م³ يوميًا قبل استعادتها. ومع دخول الحقول الجديدة ضمن الخدمة الحكومية مستقبلًا يُتوقع ارتفاع الإنتاج المحلي بشكل ملموس.
بالفعل، وقّعت وزارة الطاقة مذكرة تفاهم مع شركة كونوكو فيليبس الأمريكية وشركة Novaterra لزيادة إنتاج الغاز عبر تطوير الحقول القائمة واكتشاف حقول جديدة، بهدف رفع الإنتاج بمقدار 4–5 ملايين م³ غاز يوميًا خلال عام واحد. هذه الخطوة وغيرها من مشاريع الدعم (بما فيها استمرار استيراد الغاز من حلفاء كأذربيجان وقطر لسد الفجوة مؤقتًا) قد تساعد في حل أزمة الكهرباء المزمنة.
وتمثل استعادة حقول النفط والغاز دفعة اقتصادية هائلة لسوريا، لكنها تأتي أيضًا مع تحديات تتطلب معالجة حذرة بسبب تعرض البنية التحتية النفطية في سوريا لأضرار بالغة نتيجة الحرب والتخريب وسنوات من الاستخراج غير النظامي.
وقدّر تقرير للأمم المتحدة الخسائر المباشرة وغير المباشرة لقطاع النفط والغاز بأكثر من 115 مليار دولار بين عامي 2011 و2023.
وباختصار، يمثل بسط الدولة السورية سيطرتها على حقول النفط والغاز الشرقية تحولًا استراتيجيًا ينقل ثروة البلاد الطبيعية من حالة الشلل والتشتت إلى مرحلة إعادة التوظيف في دعم الاقتصاد الوطني.
ورغم أن الإنتاج الحالي (110 ألف برميل نفط يوميًا) لا يزال بعيدًا عن مستويات ما قبل الحرب، إلا أن توحيد إدارة الموارد تحت سلطة مركزية يمنح دمشق فرصة نادرة لإنعاش قطاع الطاقة وتأمين الإيرادات بالتوازي مع جهود إعادة الإعمار.