تصاعدت المواجهة بين الحكومة السورية و”قسد” بعد انتهاء مهلة تطبيق اتفاق العاشر من آذار مع نهايات العام الماضي، لتحمل بداية العام الجديد اجتماعًا بين ممثلين عن قسد ومسؤولين في الحكومة، انعقد في دمشق، ولم يحقق أي دفع عملي على طريق تطبيق الاتفاق، وهو ما أتبعته “قسد” بتصعيد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وهما حيان كانا تحت سيطرتها واستهدفت منهما الأحياء السكنية المجاورة قبل أن يبدأ الجيش عملية عسكرية محددة انتهت خلال أيام، بالسيطرة على الحيين.
أمام هذه التطورات الميدانية التي لم تقف عند هذا الحد، ممهدة الطريق لعمل عسكري أوسع باتجاه كل مناطق سيطرة “قسد”، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، السبت الماضي، مرسومًا رئاسيًا منح الكرد السوريين الحقوق التي كانوا محرومين منها على مدار عقود من حكم نظام البعث، وتضمن المرسوم مجموعة من النقاط تجلت في أن المواطنين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن الهوية الثقافية واللغوية الكردية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.
أكد المرسوم على أن حماية حماية التنوع الثقافي واللغوي مسؤولية الدولة، بالإضافة إلى ضمان حق السوريين الكرد في إحياء تراثهم وتطوير لغتهم الأم وذلك عبر السيادة الوطنية ووحدة البلاد، كما جاء في المرسوم أيضًا أن اللغة الكردية لغة وطنية والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة، مع إتاحة تدريس اللغة الكردية في المناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة وذلك ضمن مناهج اختيارية أو نشاط ثقافي تعليمي.
بالإضافة إلى إلغاء جميع القوانين والتدابير الاستثنائية الناتجة عن إحصاء عام 1962 في الحسكة، ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، ولمكتومي القيد مع مساواة تامة في الحقوق والواجبات، إلى جانب اعتماد “عيد النوروز” في 21 من آذار في كل عام، عطلة رسمية مدفوعة الأجر في كل سوريا، تعبيرًا عن التآخي.
كما تلتزم المؤسسات الإعلامية والتربوية بخطاب وطني جامع، ويحظر قانونًا أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي مع معاقبة كل من يحرض على الفتنة القومية وفق القوانين النافذة.
وثيقة ذات طابع دستوري
المرسوم الذي بدا خطوة إيجابية لتصحيح أخطاء الماضي بحق المواطنين الكرد، قوبل بانتقادات طالت صلاحيات رئيس الجمهورية في إصدار مرسوم كان يفترض أن يكون من بنود الدستور المقبل أو الإعلان الدستوري الذي صدر في آذار 2025.
وفي هذا السياق يوضح المحامي عارف الشعال أنه لا يجوز التعامل مع المرسوم كأداة تشريعية صادرة عن رئيس السلطة التنفيذية وتخضع للتراتبية القانونية التقليدية التي تتقدم فيها القوانين والدستور على المراسيم، على اعتبار أن طبيعة المرسوم من حيث المصدر والمضمون وظرف صدوره الوطني، تخرجه من نطاق الصكوك القانونية العادية وتضعه في مرتبة أعلى بكثير.
وبحسب الشعال، فإن النظر للمرسوم كوثيقة ذات طابع دستوري صادرة عن “قائد الثورة” بصفته المرجعية العليا في المرحلة الانتقالية، شأنه شأن الوثائق الدستورية الأخرى التي تعمل على تشكيل الأساس السياسي والقانوني للنظام الجديد، كبيان النصر، واتفاق 10 آذار، وغيرها من الوثائق التي ترسي المبادئ الأولى للعقد الاجتماعي الجديد الجاري العمل على إعادة صياغته وتطويره، ما يعني أن القيمة القانونية للمرسوم لا تأتي من موقعة في الهرم التشريعي التقليدي، بل من مكانته في منظومة الوثائق التأسيسية التي تُعد مرجعية عليا في مرحلة إعادة بناء الشرعية الدستورية وصياغة الإطار القانوني الجديد للدولة.
كما أن الإعلان الدستوري بصيغته الراهنة غدا عاجزًا عن مواكبة استحقاقات المرحلة الانتقالية ومتطلبات بناء العقد الاجتماعي المنشود، ما يستدعي الشروع في تطويره وتحديث محتواه بما ينسجم مع التحولات السياسية والحقوقية الجارية، ويؤمّن الإطار الناظم لعملية الانتقال نحو منظومة حكم أكثر رسوخًا وشرعية، وفق الشعال.
من جانبه، اعتبر الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور عبد الرحمن الحاج، أن معظم مواد المرسوم يمكن اعتبارها من منظور قانوني أمر تنفيذي لمواد الإعلان الدستوري التي تشمل الفقرة الأخيرة من المادة 7، والمادة 9، والمادة 10، والمادة 12، أما بعض المواد فهي ذات طابع دستوري مثل الأعياد، ولا يمثل المرسوم خرقًا للإعلان الدستوري وإنما تطبيقا له.
وأوضح الدكتور الحاج لـ”نون بوست”، أن المرسوم يمكن أن يشعر الأقليات القومية الأخرى، كالتركمان والشركس، بالغبن، ما قد يخلق توترًا في قاعدة الحكم ويجبر الرئيس على التعامل معه وإصدار مراسيم أو مرسوم شامل يقر بحقوق هذه المكونات داخل سوريا، مع الإشارة إلى أن المواد الدستورية لا تقدم امتيازات لكنها تقر بالحقوق المحددة في المواثيق الدولية.
كما شدد الحاج على ضرورة تجنيب سوريا المحاصصات السياسية وألا تكون المحاصصة قاعدة في سوريا وألا تشكل نظام الحكم في المرحلة الدائمة، لافتًا إلى وجود آثار إيجابية للمرسوم من شأنها تعزيز تعهدات الحكومة الانتقالية بالعمل على ضمان حقوق الجميع، وإظهار جديتها وبالتالي ستزيد الثقة بها.
كما أن المجتمع الدولي الذي يراقب يرى تطوير الحكومة أدائها وحلها مشاكلاتها بهدوء وبدعم اجتماعي واسع، ما يجعلها شريكًا مرموقًا وموثوقًا في سعيه للسلام والاستقرار، بالإضافة إلى إفقاد “قسد” القدرة على حشد الشارع الكردي خلفها كمطالب بالحقوق القومية للكرد، فالمرسوم أظهرها كتنظيم متطرف له أجندة خاصة لا تتعلق بكرد سوريا وإنما بحزب إرهابي يعيش في جبال قنديل ويدير آلة القتل، وفق رأي الباحث.
بادرة حسن نية تجاه الكرد
أحمد قربي، الدكتور في القانون العام ومدير مركز الحوار السوري، أوضح لـ”نون بوست” أنه يجب التمييز بين البعدين السياسي والقانوني للمرسوم، فرغم كونه خطوة سياسية إيجابية لجأ لها الرئيس لتقديم بادرة حسن نية تجاه مكون أساسي من مكونات الشعب، لكن من الناحية القانونية ربما تكمن الإشكالية في القسم الأول من المرسوم، أي المواد الثلاث الأولى، وهي حقوق وحريات تعتبر ذات طبيعة دستورية وهي خارج صلاحيات الرئيس، بينما تعتبر المواد الأخرى من صلب صلاحيات الرئيس فيما يتعلق بإصدار المراسيم التنظيمية.
قربي بيّن في حديثه أن الرئيس لجأ لخطوة من هذا النوع على اعتبارها أفضل المتاح قانونيًا، وهي مخرج استثنائي وبمثابة وعد رئاسي بإجراء تعديل دستوري بعد انعقاد مجلس الشعب لتضمين هذه المواد في الإعلان الدستوري، مع إمكانية اعتباره تفسيرًا لمبادئ الدولة، لكن تفسير مبادئ الدولة من صلاحيات المحكمة الدستورية وليس من صلاحيات الرئيس، لكن ربما يكون تعهدًا من الرئيس يإصدار حكم لاحق من المحكمة الدستورية عبر تفسير الإعلان الدستوري أو تعديله، وهي خطوة غير قانونية أيضًا، إلا أن المرسوم بنهاية المطاف خطوة تؤدي للحفاظ على كيان الدولة لكن ليس له مخرج دستوري حاليًا مع إمكانية ترميم المسألة بعد تشكيل مجلس الشعب.
من جانبه، أشار الخبير القانوني، المعتصم الكيلاني لوجود تعطيل تشريعي بسبب عدم انعقاد مجلس الشعب، وهي مسألة مرتبطة بعدم رغبة الحكومة بعقد مجلس الشعب قبل حل الملف السياسي الداخلي شمال شرقي البلاد، والسويداء، لتحقيق تمثيل عادل للمحافظات والمكونات المختلفة، والإعلان الدستوري كان واضحًا بشأن منح هذه الصلاحيات لمجلس الشعب، لكن تعديل الدستور المؤقت (الإعلان الدستوري) غير ممكن إلا عبر مجلس الشعب، وهذا يعني حالة استعصاء.
الكيلاني أوضح لـ”نون بوست”، أن المرسوم إن تبعه تعديل دستوري وإجراءات وقوانين وتشريعات من مجلس الشعب لمعالجة الموضوع فهذا أفضل من عدم صدور المرسوم الذي يحقق احتواء واستقطاب وسحب ذريعة وجود “قسد” المتمثلة في حماية الشعب الكردي، ما يعني أن “خطأ إجرائيًا” أفضل من البقاء في خانة الاستعصاء، وفق رأيه.
