يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدفع باتجاه استحواذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم والتابعة لمملكة الدنمارك، رغم ما تسببه الخطوة من توتر مع الحلفاء الأوروبيين.
وفي تصريحات حديثة، شدد ترامب على أن واشنطن “ستتحرك للاستيلاء على غرينلاند سواء أعجبهم ذلك أم لا”، مفضلًا “الطريقة السهلة” عبر صفقة ودية إن أمكن، بالتوازي مع فرض رسوم جمركية على دول أوروبية عارضت توجهه.
فما الذي يقف خلف هذا الإصرار؟ ولماذا تُعدّ غرينلاند ورقةً استراتيجية تدفع رئيسًا أمريكيًا إلى التلويح بالرسوم والعقوبات، وربما حتى بالقوة، من أجلها؟
1- جزيرة مأهولة بسكان قليلين
غرينلاند جزيرة شاسعة المساحة تقع في شمال المحيط الأطلسي قرب القطب الشمالي.
- يبلغ إجمالي مساحتها أكثر من 2.16 مليون كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر جزيرة على وجه الأرض (أكبر بـ3 مرات من مساحة ولاية تكساس).
- لا يتجاوز عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة فقط، معظمهم من السكان الأصليين (شعب الإنويت) ويتمركزون في بضعة بلدات ساحلية.
- تتمتع الجزيرة بحكم ذاتي واسع ضمن الدنمارك، حيث تتولى غرينلاند شؤونها الداخلية، بينما تتكفل كوبنهاغن بسياسات الدفاع والخارجية.
- تقدم الدنمارك دعمًا ماليًا سنويًا يقارب 520 مليون يورو (حوالي 3.9 مليار كرونة دنماركية) لخزينة الجزيرة.
- يعتمد اقتصاد غرينلاند حاليًا على صيد الأسماك بنسبة تفوق 90% من صادراتها.
- يُقدر إجمالي ناتجها المحلي بحوالي 3.5 – 4 مليارات دولار فقط، وهي أرقام تعكس اقتصادًا متواضعًا مقارنة بثرواتها المحتملة تحت الجليد.

الاهتمام الأمريكي بغرينلاند ليس جديدًا تمامًا، ففي عام 1946 – في أوج حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية – قدمت إدارة الرئيس الأمريكي وقتها هاري ترومان عرضًا سريًا لشراء غرينلاند من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار (ذهبًا)، لكن كوبنهاغن رفضت العرض آنذاك.
ويبدو أن ترامب يقتفي أثر هذا الحلم القديم. فقد لوح بفكرة شراء غرينلاند لأول مرة خلال ولايته الأولى عام 2019، مما أثار استهجان الدنمارك حينها ودفعه لإلغاء زيارة كانت مقررة لكوبنهاغن بعد أن وصف قادة الدنمارك الفكرة بأنها “سخيفة”.
واليوم، في ولايته الثانية، عاد ترامب بجدية أكبر لتحقيق هذا الطموح التاريخي، معتبرًا أن توسيع الأراضي الأمريكية سيكون إرثًا سياسيًا هائلًا يُذكر لأجيال.
2- موقع استراتيجي في قلب المنافسة القطبية
تقع غرينلاند في موقع استراتيجي فريد، بين قارتي أمريكا الشمالية وأوروبا وبمحاذاة المحيط المتجمد الشمالي، ما يجعلها بمثابة بوابة إلى القطب الشمالي ونقطة ارتكاز للسيطرة على خطوط الملاحة المستقبلية عبر المحيط المتجمد، التي يُتوقع أن تنفتح أكثر بفعل تغير المناخ وذوبان الجليد.
كما أن أقصر المسارات الجوية والصاروخية بين أمريكا الشمالية وأوروبا تمر فوق غرينلاند، مما منحها دورًا محوريًا بالدفاع الصاروخي منذ الحرب الباردة. وبالفعل، تستضيف الجزيرة قاعدة بيتوفِّيك الفضائية (ثول سابقًا) شمال غربي غرينلاند، وهي أقصى قاعدة عسكرية أمريكية شمالًا.
هذه القاعدة جزء أساسي من منظومة الإنذار المبكر الأمريكية لرصد إطلاق الصواريخ الباليستية، إضافةً إلى أنها محطة مهمة لمراقبة الأقمار الصناعية والفضاء لصالح الولايات المتحدة وحلف الناتو.
يرى ترامب وإدارته أن السيطرة الكاملة على غرينلاند ستتيح لأمريكا توسيع نفوذها العسكري والجوي والبحري في منطقة القطب الشمالي، فمع تزايد النشاط الروسي والصيني في الدائرة القطبية الشمالية، ترى واشنطن أن وجودها الحالي بالجزيرة عبر الاتفاقيات مع الدنمارك ليس كافيًا.
ترامب صرّح بوضوح: “نحن بحاجة إلى غرينلاند من منطلق الأمن القومي، ولن نسمح لروسيا أو الصين أن تكون جارة لنا هناك”، ما يعكس المخاوف الأمريكية من احتمال أن تسعى قوى كبرى منافسة لإيجاد موطئ قدم لها في غرينلاند أو حولها إذا بقيت تحت سيطرة دنماركية محدودة الدفاع.
على سبيل المثال، حاولت شركات صينية في السنوات الأخيرة الاستثمار في مطارات ومناجم بغرينلاند، ما أثار قلق واشنطن ودفع الدنمارك إلى عرقلة تلك المشاريع تحسبًا من النفوذ الصيني.
ومن منظور ترامب، “إذا لم نفعل ذلك نحن، فسيلجأ الآخرون (روسيا أو الصين) للقيام به” – وهو سيناريو يعتبره تهديدًا مباشرًا يجب منعه بأي ثمن.
3- كنز للموارد الطبيعية والمعادن النادرة
وراء الاهتمام الأمريكي بغرينلاند أيضًا دافع اقتصادي واستراتيجي يتعلق بالثروات المعدنية الهائلة الكامنة في أرض الجزيرة وتحت جليدها.
- الدراسات الجيولوجية تشير إلى أنها تحوي إحدى أكبر احتياطيات المعادن الأرضية النادرة في العالم خارج الصين.
- تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تشير إلى وجود حوالي 1.5 مليون طن من المعادن الأرضية النادرة القابلة للتعدين في غرينلاند.
- هيئة المسح الجيولوجي الدنماركية-الغرينلاندية تقدّر إجمالي الموارد المحتملة من هذه المعادن بحوالي 36 مليون طن – وهو فرق شاسع بين ما هو مؤكد جيولوجيًا وما يمكن استخراجه حاليًا.
- يوجد في غرينلاند تواجد لـ25 عنصرًا من أصل 34 يصنفها الاتحاد الأوروبي كمعادن خام “حرجة” للصناعات الحديثة. هذه الموارد تشمل معادن أساسية لتقنيات الطاقة المتجددة (مثل الليثيوم للبطاريات) وصناعة الإلكترونيات والتسليح (كالنيوديميوم وغيره للمحركات والمقاتلات).
- تعتمد الولايات المتحدة اليوم بشكل كبير على الواردات الأجنبية للمعادن النادرة – ومعظمها يأتي عبر الصين التي تهيمن على نحو 70% من الإنتاج العالمي لتلك المعادن. بل إن الاتحاد الأوروبي يعتمد بنسبة 100% على الصين في إمدادات العناصر الأرضية النادرة الثقيلة.
- الدراسات الجيولوجية القديمة (قبل حظر التنقيب النفطي في 2021) قدّرت أن المياه الإقليمية لغرينلاند قد تحتوي على ما يصل إلى 17.5 مليار برميل من النفط إضافةً إلى 148 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
- بعض الدراسات الأمريكية قدّرت القيمة الإجمالية النظرية لموارد غرينلاند الطبيعية بأكثر من 4 تريليونات دولار، وإن كان ما يمكن استخراجه فعليًا في ظل الظروف الحالية لا يتجاوز 186 مليار دولار.
- تتجه أنظار الإدارة الأمريكية أيضًا إلى الثروة السمكية والفرص السياحية والموقع الجغرافي الذي قد يجعل غرينلاند محورًا ملاحيًا مهمًا مع تزايد فتح ممرات القطب الشمالي البحرية.
- أكد مسؤولون في إدارة ترامب أن الجزيرة غنية بـ“معادن ضرورية للتقنيات المتقدمة والتطبيقات العسكرية” لكنها لا تزال غير مستغلة بسبب نقص العمالة والبنية التحتية.
كل هذه العوامل تجعل غرينلاند في نظر ترامب “صفقة متكاملة” تجمع بين المكاسب الاستراتيجية (عسكرية وجيوسياسية) والمكاسب الاقتصادية المحتملة.
4- عقلية الصفقة وإرث التاريخ
يعرف عن ترامب خلفيته كرجل أعمال يهتم بإبرام الصفقات الكبرى، وقد انعكس ذلك في رؤيته لغرينلاند، فهو ينظر للجزيرة كفرصة تاريخية نادرة لتوسيع أراضي الولايات المتحدة وتحقيق إنجاز جيوسياسي لم يسبق له مثيل منذ عقود.
ذكر أحد المقربين من ترامب أنه يعتبر إضافة غرينلاند إلى الخريطة الأمريكية بمثابة “إضافة قطعة عقار ثمينة إلى المحفظة الوطنية”، لافتًا إلى أنه “منذ 70 عامًا لم نضف شبرًا واحدًا جديدًا إلى الولايات المتحدة” في إشارة إلى آخر توسّعين كبيرين بضم ألاسكا وهاواي عام 1959.
ويبدو أن ترامب يستلهم نماذج تاريخية مثل الرئيس الأسبق ويليام ماكينلي (1897-1901) الذي ضمّ أراضي خارجية كهاواي وبورتوريكو أثناء ولايته، بل إن ترامب أشاد بماكينلي مرارًا، وأعلن عزمه إعادة تسمية جبل دينالي في ألاسكا باسمه تقديرًا له.
من زاوية أخرى، تُظهر تحركات إدارة ترامب أنه لا يعتبر موضوع غرينلاند مجرد مزحة سياسية. ففور فوزه في الانتخابات الأخيرة وبدء فترة رئاسته الثانية، أدرج فريقه مسألة “شراء غرينلاند” ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.
وعين ترامب مبعوثا خاصا لشؤون غرينلاند أواخر 2025، في إشارة واضحة إلى جدية المسعى. كما لجأ إلى ورقة الضغوط الاقتصادية بإعلان رسوم جمركية عقابية بنسبة 10% على واردات ثماني دول أوروبية – بينها الدنمارك – شاركت في دعم وجود دفاعي في غرينلاند، مهددًا برفع الرسوم إلى 25% بحلول الصيف إذا لم توافق تلك الدول على “البيع الكامل والشامل لغرينلاند” للولايات المتحدة.
هذا التكتيك الترامبي في “فن الضغط” يعكس إيمان ترامب بأنه يمكن أن يُجبر الدنمارك وحلفاءها على التفاوض “بالطريقة السهلة” عبر صفقة مالية مغرية، بدلًا من الوصول إلى “الطريقة الصعبة” المتمثلة في إجراءات عدائية أو حتى عسكرية.
لكن في المقابل، تواجه مخططات ترامب وطموحاته عقبات ضخمة. فشعب غرينلاند وحكومتها أكدوا رفضهم القاطع “لأي ظرف” يُنهي انتماءهم للدنمارك، وأظهرت استطلاعات الرأي أن حوالي 85% من الغرينلانديين يعارضون الانضمام للولايات المتحدة.
كما حذرت القيادة الدنماركية وحلفاؤها في أوروبا صراحةً من أن أي محاولة استحواذ بالقوة على غرينلاند ستشكل تعديًا على دولة حليفة ونهاية فعلية لحلف شمالي الأطلسي “الناتو” الذي يقوم على الدفاع المشترك.