ترجمة وتحرير: نون بوست
جلست أسيل حمادة تنتظر موعدًا للعلاج الطبيعي في عيادة طبية بمدينة غزة. كانت قد فقدت ساقها اليمنى من فوق الركبة وأصيبت بجروح في ذراعها ووجهها في التاسع من سبتمبر/ أيلول، عندما استُهدفت الشقة التي كانت تستعد لإخلائها مع عائلتها بنيران الدبابات الإسرائيلية.
ما زالت تنتظر إجراء جراحة تجميلية لجروح وجهها التي تخفيها خلف كمامة طبية، لكن العيادة التي تديرها منظمة أطباء بلا حدود قد تُضطر إلى الإغلاق.
قالت أسيل، 24 عامًا، بصوت خافت مستخدمة الاختصار الفرنسي لاسم المنظمة: “إذا توقفت أطباء بلا حدود عن العمل، سيفقد الناس حياتهم”.
وأضافت: “لا توجد بدائل. منظمة أطباء بلا حدود موجودة في كل مكان في غزة لأن هناك حاجة إليها في كل مكان”.
منحت الحكومة الإسرائيلية منظمة أطباء بلا حدود مهلة حتى نهاية فبراير/ شباط للخروج من قطاع غزة، وقد عطّلت بالفعل قدرتها على إدخال الإمدادات. وبموجب اللوائح الجديدة، تطالب إسرائيل المنظمات الدولية بتقديم قوائم بأسماء الفلسطينيين العاملين لديها في غزة، وهو إجراء تقول إنه يهدف إلى ضمان عدم تسلل مقاتلين إلى هذه المنظمات.


قدمت إسرائيل أدلّة تثبت أن أحد موظفي منظمة أطباء بلا حدود، والذي قُتل في غارة جوية عام 2024، كان عضوًا في حركة الجهاد الإسلامي ومتورطا في صنع الصواريخ.
تقول منظمة أطباء بلا حدود إنها تدقق في جميع الموظفين الجدد، لكنها لم تكن على علم بأن ذلك الموظف له علاقة بحركة الجهاد الإسلامي، مؤكدة أنها لم تتعمد أبدًا توظيف مقاتل في إحدى الفصائل. وأشارت المنظمة إلى مقتل ما لا يقل عن 15 من موظفيها في الحرب الأخيرة.
تُعد منظمة أطباء بلا حدود من بين عشرات المنظمات التي رفضت الامتثال للوائح الجديدة، وقالت إن القيام بذلك ينتهك قوانين وقواعد الخصوصية الأوروبية.
تمنح اللوائح الإسرائيلية الجديدة أيضًا المسؤولين الحق في حظر المنظمات الإنسانية بسبب بعض أشكال التعبير السياسي.
وقال مسؤولون إسرائيليون إن إدانة المنظمة المُتكررة لحرب غزة ووصفها بأنها “إبادة جماعية”، واتهام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، تُشكل جهودًا محظورة “لنزع الشرعية” عن الدولة.
وفي محاولة لتبرير قرارها بحظر المنظمة، زعمت السلطات الإسرائيلية أيضًا أن منظمة أطباء بلا حدود تبالغ في تقديرأهمية دورها في غزة. لكن زيارات لعدد من عيادات ومستشفيات منظمة أطباء بلا حدود أظهرت دورها الحيوي في النظام الصحي داخل القطاع.


تُضفي الأجنحة العلاجية والعيادات المزدحمة، والممرضون والأطباء المنهكون، وغرف الانتظار المكتظة بالمرضى الممتنين، طابعًا إنسانيًا على إحصاءات المنظمة. توضح جميع هذه العوامل أن إغلاق عمليات المنظمة في غزة سيكون ضربة مدمرة للنظام الصحي المنهك أصلا في القطاع.
رغم وقف إطلاق النار الهش، لا يزال معظم الغزيين يعيشون في خيام أو مبانٍ متضررة، ويواجهون صراعا يوميا للحصول على ما يكفي من الطعام أو مياه الشرب النظيفة. ترفض إسرائيل الاتهامات بأنها جوّعت الفلسطينيين في غزة، وتقول إنها تسمح بتدفق المساعدات الدولية والوقود وإمدادات أخرى إلى المستشفيات. وقد ألقت باللوم على الأمم المتحدة لفشلها في توزيع الإمدادات الموجودة في غزة.
تقول منظمات الإغاثة إن القيود التي يفرضها الجيش الإسرائيلي تجعل إيصال الطعام داخل غزة أمرًا صعبًا، وترى أن اللوائح الإسرائيلية الجديدة هي إجراء إضافي يحرم الفلسطينيين من الحصول على ما يجاوز الحد الأدنى من مقومات الحياة.
في الوقت نفسه، حظر المشرعون الإسرائيليون عمل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي لطالما كانت أكبر مزود للمساعدات في غزة، في إطار صراع مستمر منذ سنوات مع المنظمة.
وفقًا للأمم المتحدة، لا يعمل سوى نحو نصف مستشفيات غزة، وهناك أكثر من 18,500 مريض بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل إلى الخارج.


يتلقى عبد الله البلبيسي، 20 عامًا، العلاج من حروق شديدة في يديه ووجهه في جناح تديره منظمة أطباء بلا حدود في مستشفى ناصر بخان يونس، وهو أكبر مستشفى عامل في غزة.
انفجرت أسطوانة غاز عندما كان جيرانه في الخيمة المجاورة يشعلون نارًا باستخدام الحطب، وهو حادث شائع بين العائلات النازحة التي تُجبر على العيش في ظروف صعبة. كان نحو 15 مريضًا ينتظرون تلقي العلاج من الجروح أو الخضوع لجلسات علاج طبيعي.
قال البلبيسي: “هذا مكان نظيف وصحي. لم يكن الكثير منا لينجو لولا منظمة أطباء بلا حدود”.
جلست أمل أبو وردة، 63 عامًا، تنتظر ويدها اليمنى ملفوفة بالضمادات، وأصابعها متورمة ومتصلبة. كانت قد أصيبت بشظايا في سبتمبر/ أيلول الماضي وخضعت لعشر عمليات جراحية في مرافق المنظمة، بينها عملية ترقيع جلدي. وبعد 12 جلسة علاج طبيعي، قالت إنها بدأت تستعيد السيطرة على أصابعها.


بالقرب من مدخل الجناح، كان محمد بركة، 26 عامًا، يؤدي تمارين للساقين بعد عمليات جراحية سابقة خلّفت صفائح معدنية في ساقه. قال إنه يأتي كل يومين، ويقطع أحيانًا مسافة 6 كيلومترات على عكازين حتى لا يفقد القدرة على المشي.
لم يقلل وقف إطلاق النار من الحاجة إلى العمليات الجراحية. قال جراح العظام، الدكتور محمد الدبس، 29 عامًا، إن الأطباء يجرون نحو 20 عملية يوميًا.
وقال الدكتور الدبس الذي يتقاضى راتبًا حكوميًا من وزارة الصحة يُستكمل بدعم من منظمة أطباء بلا حدود، إن أي انقطاع في عمل المنظمة سيكون “ظلمًا كبيرًا”.
وأضاف: “سنفقد الأدوية الأساسية ومواد التضميد وحتى الأجهزة الطبية. في كثير من الحالات، كانت أطباء بلا حدود المنظمة الوحيدة التي توفر الإمدادات لهذا المستشفى”.
تقول مريم ديلوفر، الخبيرة في مجال المساعدات الإنسانية بجامعة جورج واشنطن، إن القانون الدولي يلزم جميع أطراف النزاع بتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية إلى المدنيين من دون قيود تعسفية، لكن الدول القمعية كثيرًا ما تضع عقبات تجعل منظمات الإغاثة مضطرة لتقديم تنازلات لأداء عملها.
وتضيف: “يواجه العاملون في المجال الإنساني باستمرار هذا النوع من المعضلات الأخلاقية”. فإذا وافقت منظمات الإغاثة على الامتثال لهذه القيود، يُمكن اعتبارها متواطئة، لكنها تبقى قادرة على مساعدة الناس. أما إذا رفضت الامتثال وانسحبت، فإنها بذلك تُدافع عن مبادئها، لكنها تُقصّر في مساعدة المحتاجين، على حدّ قولها.
وتتابع: “ما ينبغي أن نفكر فيه هنا هو: مع أي نوع من الدول تريد إسرائيل أن تُصنّف؟ غالباً ما تكون الدول الاستبدادية العدوانية هي التي تفعل ذلك”.


تلتزم العديد من المنظمات غير الربحية بالقيود الإسرائيلية الجديدة، ومن بينها منظمات أكثر تحفظًا من الناحية الأيديولوجية، وأخرى أقل جرأة من أطباء بلا حدود. من بين هذه المنظمات “المطبخ المركزي العالمي”، وهي منظمة إغاثة أسسها الطاهي الشهير خوسي أندريس، وقد لعبت دورًا رئيسيًا في تقديم المساعدات في غزة.
وأكدت روبرتا ألفيس، المتحدثة باسم “المطبخ المركزي العالمي”، أن المنظمة التزمت باللوائح الجديدة، لكنها رفضت تقديم مزيد من المعلومات.
ومن بين المنظمات الأخرى التي التزمت باللوائح الجديدة “سماريتان بيرس”، وهي منظمة إغاثة إنجيلية، و”خدمات الإغاثة الكاثوليكية”، و”الهيئة الطبية الدولية” التي أدارت مستشفيات ميدانية في غزة طوال فترة الحرب. رفضت منظمة “سماريتان بيرس” التعليق، ولم ترد المنظمتان الأخريان على طلبات التعليق.
أعربت وفاء زملط، 39 عامًا، وهي أخصائية علاج طبيعي في عيادة أطباء بلا حدود بمدينة غزة، عن استغرابها من مطالب إسرائيل بالحصول على أسماء العاملين الفلسطينيين في المنظمة.
قالت: “ليس هناك شيء نخفيه”. وأضافت أن الموظفين يخضعون منذ فترة لفحوصات أمنية للحصول على إذن بالسفر، مؤكدة أن “السلطات الإسرائيلية تعرف كل شخص في غزة”.
يسود شعور من اليأس بين العاملين والمرضى قبل أسابيع قليلة على الموعد النهائي للإغلاق.


يتذكر هانتر ماكغفرن، مدير المشاريع في العيادة المتخصصة في علاج جروح الإصابات الرضية، ما حدث عندما أُغلقت العيادة مؤقتا بسبب العمليات العسكرية في سبتمبر/ أيلول الماضي.
يقول: “كان الأمر مفجعًا. كان هناك حوالي 270 إلى 280 مريضًا يعتمدون على خدماتنا يوميًا. إذا لم يتم تغيير الضمادات على بعض هذه الجروح المروعة، فإن المرضى معرضون لخطر الإصابة بعدوى خطيرة وحتى الموت”.
وقال لؤي حرب، 41 عامًا، المشرف على التمريض في العيادة، إنه عندما أعيد فتحها بعد أكثر من أسبوع، عاد المرضى على الفور. وقال: “هذا يدل على شيء مهم. الخدمة التي نقدمها ضرورية”.
أحضرت إسلام أبو جبل، 33 عامًا، ابنتها إيلاف البالغة من العمر عامين إلى أحد المستشفيات الميدانية التابعة للمنظمة داخل إحدى الخيام في دير البلح. وقد أصيبت إيلاف بحروق عندما انزلق قدر من الماء المغلي وانسكب عليها.
أشارت إسلام إلى أنها جربت عيادات أخرى لكنها كانت تعود في الأخير إلى هذه العيادة، وقالت: “أشعر بالأمان هنا، وابنتي كذلك. لقد عاملها الأطباء بلطف وصبر. لم يكتفوا بتضميد جراحها، بل اهتموا بها حقا”.
بالقرب منها، جلس أحمد شلدان، 22 عامًا، على كرسي متحرك بانتظار جلسته الخامسة للعلاج الطبيعي بسبب إصابة في ساقه جراء شظايا صاروخ.
قال إنه صُدم عندما علم أن منظمة أطباء بلا حدود ستُجبر على المغادرة. وأضاف: “هذا العلاج ليس تكميليا، إنه أساسي”. ثم نظر إلى ساقه وتابع قائلا: “حتى أمشي مرة أخرى، أنا بحاجة إلى هذا المكان”.

المصدر: نيويورك تايمز