في أعقاب تطورات دراماتيكية شهدتها خريطة النفوذ بالجنوب اليمني، أعلنت السعودية عن حزمة مشاريع تنموية واسعة في تلك المنطقة بقيمة تقترب من 500 مليون دولار، تشمل بناء مستشفيات ومدارس وشقّ طرق وتقديم وقود لتشغيل محطات الكهرباء في عشر محافظات.
يأتي هذا الإعلان بعد أسابيع قليلة من طرد الإمارات من اليمن وشن قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا – بدعم سعودي – هجومًا مضادًا استعاد مناطق واسعة كانت خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم إماراتيًا.
أثار توقيت هذه التعهدات السعودية السخيّة تساؤلات حول أهدافها الحقيقية: هل هي استجابة لحاجة تنموية ملحّة في بلد مزقته الحرب، أم أداة جديدة تستخدمها الرياض لإعادة رسم خارطة النفوذ وترسيخ حضورها على حساب شركاء الأمس؟
أين تتركز المشاريع السعودية؟
تركزت المشاريع السعودية المعلنة في محافظات جنوبية وشرقية ذات أهمية استراتيجية، كثير منها كان حتى فترة قريبة معاقل نفوذ للمجلس الانتقالي الجنوبي الموالي للإمارات. فعلى سبيل المثال، تضمنت الحزمة:
- إنشاء مستشفيات جديدة في عدة محافظات واستكمال توسعة طرق حيوية مثل طريق العبر الذي يربط مأرب بحدود السعودية عبر حضرموت.
- شملت دعمًا لقطاع الكهرباء بوقود ومحطات توليد جديدة (بقدرة 30 ميجاواط في تعز) لضمان استمرار التيار وتحسين الخدمات الأساسية.
- بناء مسجد كبير في سقطرى يحمل اسم الملك سلمان، وهي جزيرة استراتيجية كانت لسنوات خاضعة لنفوذ إماراتي مباشر.
- ستشهد محافظة المهرة على الحدود العمانية تشغيل مدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية بعد استكمال بنائها، مما يعزّز قطاع الصحة.

اختيار هذه المواقع لم يكن اعتباطيًا؛ فجميعها إما مناطق غنية بموارد أو ذات موقع مفتاحي (كسواحل ومنافذ بحرية أو حدودية) أو كانت مسرحًا لتنافس حاد بين أطراف النزاع.
وبالتالي تسعى الرياض عبر هذه المشاريع إلى تثبيت الاستقرار في مناطق عادت لسلطة الحكومة الموالية لها، وإعادة إعمارها لكسب ثقة السكان بعد سنوات من الإهمال والصراع.
كما أن توجيه التنمية لهذه المحافظات يبعث برسالة ضمنية بأن المملكة حاضرة كراعٍ أساسي لإعادة الإعمار فيما تراجع دور منافسين إقليميين هناك.
بين دعم الحكومة وترويض الانتقالي
تكشف هذه المشاريع الكثير عن شكل العلاقة بين الرياض والقوى اليمنية المحلية في الجنوب بعد أحداث الأسابيع الأخيرة ضد الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي توسع عسكريا أواخر 2025 كمقدمة للانفصال.
فالرد السعودي جاء حاسمًا؛ إذ وجهت إنذارًا لقوات الانتقالي بالانسحاب الفوري، وعند تجاهله شنت غارات جوية محدودة أعقبها تحرك سريع لقوات الحكومة اليمنية بدعم لوجستي وسياسي سعودي لاستعادة تلك المناطق خلال أيام.
والنتيجة كانت إنهاء سيطرة المجلس الانتقالي تمامًا في الجنوب الشرقي، بل وإعلان حلّه فعليًا ككيان سياسي وعسكري، كما غادر رئيسه عيدروس الزبيدي إلى أبوظبي متهمًا من قبل المجلس الرئاسي اليمني بالخيانة.
بعد تحجيم الانتقالي، حرصت الرياض على احتواء بقية قياداته وضمان إشراك الجنوبيين في حوار سياسي بدل الاقتتال. ففي 18 يناير/كانون الثاني 2026 استضافت اجتماعًا علنيًا هو الأول من نوعه لقيادات جنوبية – بينهم أعضاء سابقون في الانتقالي – لمناقشة مستقبل الجنوب اليمني.
وأكد بيان مشترك صدر عن المجتمعين على “وحدة الإرادة الجنوبية” والسعي لحل عادل وآمن للقضية الجنوبية ضمن إطار شامل، في مؤشر على نجاح الرياض في جمع طيف واسع من المكونات الجنوبية تحت مظلتها بعد تفكيك بنية الانتقالي المنفردة.
في الوقت نفسه، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تشكيل لجنة عسكرية عليا لتوحيد القوات وإخضاعها لسلطة الدولة استعدادًا لأي مواجهة قادمة مع الحوثيين.
وأشاد العليمي بـ”الشراكة الاستراتيجية” مع السعودية ودعمها “الواعد” لبناء المؤسسات واستعادة الأمن والاستقرار في اليمن، معتبرًا أن المشاريع التنموية الجديدة ستكون حجر الزاوية لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
تعكس هذه التطورات مسعى سعوديًا واضحًا لإعادة هيكلة معسكر الشرعية في الجنوب بحيث يكون خاليًا من مراكز قوى منافسة، وتكوين ولاءات جديدة مبنية على رعاية سعودية مباشرة سواء سياسيًا عبر الحوار والمؤتمرات أو اقتصاديًا عبر الدعم التنموي.
تنمية وخدمات مقابل الولاء والأمن
تعكس خطوة السعودية ضخ نصف مليار دولار في إقامة مشاريع في بلد آخر، ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد النفوذ”، حيث تُستخدم أدوات التنمية والخدمات كورقة استراتيجية لكسب الولاءات وضمان الأمن.
فالسعودية تربط صراحةً بين الدعم التنموي وبين تحقيق الاستقرار الأمني في اليمن، إذ جاء في إعلانها الرسمي أن هذا الدعم يجسد حرص المملكة على تعزيز الأمن والاستقرار وبناء مستقبل أفضل لليمن وشعبه.
عمليًا، يعني ذلك أن الرياض تتوقع مردودًا سياسيًا وأمنيًا مقابل استثماراتها الضخمة: من جهة تخفيف حدة التململ الشعبي عبر تحسين الخدمات الأساسية (كالكهرباء والمياه والرعاية الصحية والطرق) في محافظات عانت طويلاً من الانقطاع والحرمان.
ومن جهة أخرى ضمان أن السلطات المحلية في هذه المناطق ستدين بالولاء للتحالف الذي تقوده المملكة وتلتزم بأولوياته – سواء في محاربة الحوثيين أو الحفاظ على وحدة اليمن.
هذا الأسلوب ليس جديدًا تمامًا في الساحة اليمنية. فخلال سنوات الحرب، تبنى المجلس الانتقالي وحلفاؤه الإماراتيون سياسة مماثلة لكسب التأييد الشعبي؛ حيث مولت أبوظبي مشاريع إغاثية وتنموية في عدن وسقطرى وغيرها، مقابل بسط نفوذ قوات مدعومة منها على الأرض.
اليوم، وبعد خروج الإماراتيين وحلفائهم من المشهد في الجنوب، تسارع الرياض لسد الفراغ عبر برنامج “إعمار اليمن” التابع لها.
وتشير تحليلات إلى أن المملكة غيّرت نهجها التقليدي في اليمن من الاكتفاء بدور المراقب والداعم من الخلف إلى الانخراط المباشر في بناء المؤسسات وتقديم الخدمات كوسيلة لترسيخ نفوذ مستدام.
فبدلًا من ترك فراغ قد تملؤه قوى مناوئة، تستثمر السعودية في البنية التحتية والتنمية البشرية لضمان تبعية المناطق المحررة لمدار سياستها.
وبذلك تتحول المساعدات السعودية إلى ما يشبه عقودًا اجتماعية جديدة في الجنوب: الطرق والمستشفيات والوقود مقابل الولاء السياسي وتوفير بيئة آمنة خالية من التهديدات – سواء الانفصالية أو المتطرفة – على حدود المملكة الجنوبية.
إلى أين يمضي المشهد؟
يطرح هذا النهج تساؤلات حول استمراريته وفعاليته على المدى الطويل. فهل سيؤدي تحسين الخدمات إلى تخلي القوى الجنوبية تمامًا عن تطلعاتها الانفصالية واندماجها في دولة يمنية موحدة مدعومة سعوديًا؟ أم أن الولاءات المشروطة بالمنافع قد تهتز إذا ما تباطأت عجلة الدعم أو عادت الخلافات السياسية للواجهة؟
الواقع أن قضية الانفصال لا تزال حية في وجدان الكثيرين في عدن وحضرموت، حتى وإن ضعف تمثيلها بعد حل المجلس الانتقالي. وقد حرصت الرياض على طمأنة الجنوبيين بأنها لا تتجاهل طموحاتهم، بوعدها بعقد مؤتمر حوار جنوبي برعايتها للوصول إلى “رؤية شاملة وحلول عادلة” للمسألة الجنوبية.
ومع تصاعد الدور السعودي في الجنوب اليمني اقتصاديًا وسياسيًا، يبدو المشهد متجهًا نحو إعادة هيكلة توازنات الحرب والسلام في اليمن، فعلى المدى القريب، مكّن الدعم السعودي السخي الحكومة اليمنية من توحيد جبهتها الجنوبية وتأمين عمقها الاستراتيجي، الأمر الذي يضعها في موقع أقوى سواء في أي مفاوضات سلام مع الحوثيين أو في احتمال اندلاع مواجهة حاسمة معهم.
ولم يعد خافيًا أن الرياض أعادت ترتيب أولوياتها في اليمن؛ فبعد سنوات من الجمود العسكري، وجدت في التنمية أداة أكثر نجاعة لترسيخ نفوذها مقارنة بالقوة الخشنة وحدها.
كما أن هذه الاستثمارات السعودية الضخمة قد تحمل بعدًا استراتيجيًا إقليميًا يتمثل في قطع الطريق على أي نفوذ منافس في جنوب اليمن، سواء من قبل أبوظبي أو حتى قوى دولية قد تتسلل عبر بوابة إعادة الإعمار، لكن التحديات تبقى جسيمة. فاليمن لا يزال يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، والبنية التحتية المدمرة تتطلب مبالغ أضعاف ما تم التعهد به لإعادة بنائها.