تتجه الأوضاع في الشارع الإيراني، على ما يبدو، نحو قدرٍ من التهدئة بعد أكثر من عشرين يومًا من الاحتجاجات التي وُصفت بأنها الأوسع والأعنف منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، إذ بدت الحركة الاحتجاجية خلال الساعات الأخيرة أقل زخمًا مقارنة بما شهدته البلاد منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وشهدت البلاد تراجعًا نسبيًا في حدّة التحركات التي انطلقت بدايةً تحت عناوين اقتصادية ومعيشية، قبل أن تتطور سريعًا إلى شعارات سياسية تطالب برحيل النظام، وامتدت رقعتها إلى ما لا يقل عن 26 محافظة من أصل 31، إضافة إلى أكثر من 20 جامعة.
وقد واجهت السلطات هذه الاحتجاجات بمزيج من القمع الميداني والتخوين السياسي، عبر اتهام المحتجين بالارتباط بأجندات خارجية، في محاولة لنزع الشرعية عن مطالبهم، في نهج يعكس عمق الأزمة البنيوية التي تضرب بنية النظام الإيراني، في ظل عجز واضح عن تقديم حلول اقتصادية فاعلة تحت وطأة العقوبات وتراكم إخفاقات الإدارة.
ومع تآكل الخيارات، بدا أن السلطة لم تجد أمامها سوى الاعتماد على المقاربة الأمنية كخيار أخير لضبط الشارع، في مواجهة غضب شعبي تجاوز حدود المطالب المعيشية ليطال جوهر السياسات العامة ومسار الحكم.
وفي مؤشر على تحوّل نسبي في استراتيجية التعاطي مع الاحتجاجات التي من الواضح أنها أحدثت زلزالا مدويًا تحت أقدام نظام الملالي، أصدرت الرئاسات الثلاث في إيران—التنفيذية والتشريعية والقضائية—بيانًا مشتركًا تعهّدت فيه بإجراء إصلاحات واسعة لتحسين الأوضاع المعيشية، مؤكدة ضرورة “إنصاف المتظاهرين” الذين خرجوا للتعبير السلمي عن استيائهم من التدهور الاقتصادي، في مقابل التشديد على معاقبة من وُصفوا بـ”المخربين”.
اعتراف ورسالة مزدوجة
لا يمكن النظر إلى صدور هذا التعهّد عن الرئاسات الثلاث في إيران بوصفه خطوة معزولة أو منفصلة عن توجّهات المكتب الإرشادي، بقدر ما يعكس قرارًا مركزيًا يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها أن السلطة الإيرانية، بشقيها الديني والسياسي، باتت تُدرك رسميًا حساسية اللحظة وخطورتها.
وهو ما يشي باضطرارها إلى الإقرار بوجود اختلالات بنيوية عميقة في الأداءين الاقتصادي والإداري، وبأن تجاهل المطالب الشعبية لم يعد خيارًا ممكنًا أو قابلًا للاستدامة، في اعتراف صريح بسوء إدارة المشهد وبتأثير الاحتجاجات المتصاعدة.
ويُقرأ هذا التعهّد، في هذا السياق، على أنه محاولة سياسية لاحتواء موجة الغضب الشعبي والحيلولة دون تمددها إلى دوائر أوسع قد تهدد تماسك الداخل، ولا سيما في ظل تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع فعالية المقاربة الأمنية وحدها في ضبط الشارع وإدارة التوتر.
ومن هنا، يمكن فهم تعهّد الرئاسات الثلاث باعتباره رسالة مزدوجة الاتجاه، رسالة إلى الداخل تهدف إلى تهدئة الشارع وامتصاص زخم الاحتجاجات، ورسالة إلى الخارج تسعى إلى تأكيد أن النظام لا يزال يمتلك القدرة على التحكم بإيقاع الأزمات وإدارتها ضمن أطر سياسية محسوبة.
حصيلة غير مسبوقة من القمع الدموي
بات جليًا أن هذا التماهي النسبي، وإن بدا شكليًا، مع مطالب المحتجين لم يأتِ استجابة لقناعة إصلاحية بقدر ما فرضه إخفاق المقاربة الأمنية في احتواء الاحتجاجات، فقد تبيّن لصنّاع القرار أن الاعتماد على القبضة الأمنية وحدها لم يعد كافيًا لوقف موجات الغضب، حتى وإن شهد الشارع فترات هدوء مؤقت، وهو ما تعكسه أعداد الضحايا واتساع رقعة الإصرار الشعبي على مواصلة الاحتجاج بأشكال مختلفة.
في تحديث أخير لحصيلة الاحتجاجات الدموية، أعلن رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، خلال مؤتمر صحفي عُقد يوم الاثنين 19 يناير/كانون الثاني الجاري، إصابة أكثر من 3700 شرطي جراء الاضطرابات.
كما أشار إلى تضرر ما يزيد على 2200 مركبة أمنية، و250 مدرسة، و300 مسجد، من دون أن يقدّم أرقامًا نهائية بشأن أعداد القتلى من المدنيين أو عناصر الأمن.
وفي المقابل، أفادت وكالة «تسنيم» الإيرانية بمقتل 111 عنصرًا من قوات الأمن خلال الاحتجاجات، بينما ذكرت وكالة «هرانا» الحقوقية المعارضة (مقرها الولايات المتحدة) أن عدد ضحايا الاحتجاجات بلغ 3919 قتيلًا، إضافة إلى اعتقال أكثر من 24 ألفًا و600 شخص، في أرقام تعكس التباين الحاد بين الروايات الرسمية وتقديرات الجهات الحقوقية.
وفي هذا السياق، حذّرت منظمات حقوقية دولية، في مقدمتها منظمة العفو الدولية، من أن تعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات اتسم باستخدام مفرط وغير قانوني للقوة، مشيرة إلى أدلة موثوقة توثق عمليات قتل واسعة النطاق بحق متظاهرين غالبيتهم سلميون.
كما لفتت إلى أن قطع الإنترنت تزامن مع ذروة القمع، في مسعى للحد من تسريب المعلومات والتقليل من حجم الانتهاكات، مؤكدة أن الإفلات المستمر من العقاب شجّع السلطات على المضي في نهج العنف المنهجي، ما عمّق الأزمة ووسّع دائرة الغضب الداخلي.
وعلى مسارٍ موازٍ، أطلقت الأمم المتحدة تحذيرًا شديد اللهجة من لجوء إيران إلى الإعدامات بوصفها «أداة لترهيب الدولة»، في وقت أدانت فيه الارتفاع اللافت في عدد أحكام الإعدام المنفذة عالميًا خلال عام 2025.
وفي هذا السياق، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إن إيران نفذت، وفق تقارير موثوقة، نحو 1500 حكم إعدام خلال العام الماضي، وهو ما أسهم بشكل مباشر في تسجيل زيادة مقلقة على المستوى العالمي، بحسب تعبيره.
هرولة لامتصاص الغضب
تسابق السلطات الإيرانية الزمن لاحتواء موجة الغضب الشعبي قبل أن تصل إلى حد اقتلاع النظام من جذوره، في اعتراف ضمني بتراجع قدرتها على ضبط المشهد عبر مقاربتها الأمنية التقليدية، وفي هذا الإطار، لجأت إلى مجموعة من الإجراءات التي تحمل رسائل متعددة الاتجاهات، تمثّلت في محاولة إعادة رسم المشهد السياسي والاقتصادي وامتصاص التوتر عبر أدوات سعت من خلالها إلى إحداث توازن بين القوة والتهدئة.
بدأت الخطوات العملية بإعادة فتح المدارس بعد إغلاق استمر لأيام، في محاولة واضحة لتهدئة الشارع واستعادة السيطرة على الحياة اليومية، بالتزامن مع وجود سيطرة أمنية نسبية على مختلف المناطق.
وقد ساهم هذا المزيج من التهديد والاحتواء في خفض حدة الاحتجاجات ومنعها من الانزلاق إلى تصعيد أكبر، في ظل تراجع الاستجابة لدعوات التظاهر المتكررة، خصوصًا بعد أن باتت بعض الرموز المعارضة محل شك داخل الشارع الإيراني، على رأسهم رضا بهلوي، الذي أثارت تصريحاته الأخيرة حول التطبيع مع إسرائيل ووقف البرنامج النووي صدمة واسعة بين كثير من الإيرانيين.
في الوقت نفسه، حاول النظام إرسال رسائل تطمين للداخل عبر الحديث عن جهود لتحسين الأوضاع المعيشية، كما جاء في بيان الرئاسات الثلاثة، والعمل على إعادة الحياة إلى طبيعتها واستعادة الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الاتصالات وشبكات الإنترنت.
وفي هذا الصدد، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه قرر إعادة الإنترنت الدولي بشكل سريع، فيما قال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إبراهيم عزيزي، إن الأجهزة الأمنية العليا ستبت في مسألة إعادة الخدمة خلال الأيام المقبلة، على أن تُستأنف فور استقرار الأوضاع الأمنية، وذلك بعدما فرضت السلطات قيودًا مشددة على الاتصالات، شملت الإنترنت وخطوط الهاتف الدولية، تزامنًا مع اندلاع الاحتجاجات أواخر ديسمبر/كانون الأول.
تخفيف منسوب الضغط
لم يكن تحرك نظام الملالي بهذه الأريحية في تعاطيه مع الاحتجاجات ممكنًا لولا استشعاره تراجع الضغط الدولي عليه، وفي مقدّمته الضغط الأميركي، إذ شكّل التراجع اللافت في موقف إدارة ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لطهران بمثابة رفع “السكينة” عن رقبة النظام، ومنحه فرصة ثمينة للتنفّس وإعادة ترتيب أوراقه داخليًا وخارجيًا.
وفي سياق ذلك، سعت طهران إلى إرسال رسائل مغازلة وطمأنة في آن واحد إلى واشنطن، وهو ما كشفت عنه صحيفة «واشنطن بوست» قبل يومين، حين نشرت تفاصيل رسالة نصية “سرية” أرسلها وزير الخارجية الإيراني إلى المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف.
تضمنت الرسالة تعهّدًا مفاجئًا بوقف فوري لعمليات قتل المتظاهرين، وإلغاء إعدامات مقررة بحق نحو 800 معتقل من قادة الاحتجاجات، في محاولة لإظهار رغبة إيرانية في تخفيف حدة الأزمة وإظهار استعداد للتنازل الجزئي.
وترى الصحيفة أن هذا الموقف الإيراني كان أحد العوامل التي أفضت إلى تراجع ترامب عن توجيه الضربة المتوقعة، رغم أن الولايات المتحدة كانت قد أكملت الاستعدادات العسكرية بالكامل، من إعادة تموضع السفن الضاربة نحو منطقة العمليات المركزية (CENTCOM) إلى رفع حالة التأهب في قاعدة “العديد” بقطر، مع اطلاع الرئيس ترامب على تقارير ميدانية ومقاطع فيديو توثق تجاوزات بحق المحتجين.
وبغض النظر عن كون ذلك السبب المباشر لتأجيل الضربة، وبعيدًا عن إمكانية تراجع واشنطن عن العملية بشكل كامل، فإن الموقف الأميركي بهذا الشكل وضع نظام الملالي تحت ضغط ربما يكون أشد من الضربة نفسها؛ إذ قد تكون كلفة “الانتظار والترقّب” أعلى من كلفة مواجهة ضربة مباشرة، لما يخلّفه من حالة من عدم اليقين والتوتر المتواصل داخل النظام وخارجه.
هدوء حذر وتراجع خادع
رغم الهدوء النسبي الذي يسود الشارع الإيراني في الوقت الراهن، فإن ذلك لا يعني اختفاء الزخم الاحتجاجي بشكل كامل أو نهائي، خصوصًا مع استمرار معاناة المواطنين وعدم تنفيذ الحد الأدنى من المطالب المرفوعة، ما يجعل من المشهد الاحتجاجي بركانًا قابلاً للاشتعال في أي لحظة، إذا ما عادت العوامل المحركة للغضب إلى الواجهة.
أما بالنسبة للتراجع الأميركي المبدئي عن توجيه ضربة لإيران، فإن ما يهم ليس الدوافع المعلنة أو الخفية لهذا الإرجاء بقدر ما يهم أن إلغاء العملية ليس بالضرورة نهائيًا، بل يمثل في جوهره إرادة للضغط الأقصى على نظام الملالي، وتركه في حالة ترقب دائم، ما يحمل كلفة باهظة على صعيد الاستقرار الداخلي والقرار السياسي.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن ترامب—على عكس تل أبيب مثلاً—قد لا يسعى إلى إسقاط النظام، بقدر ما يرنو إلى تطويعه وتدجينه وفق حساباته الخاصة، لكنه، في لحظة محددة، ووفق تقدير برغماتي محكم، قد يقرر تنفيذ عمليته في أي لحظة، وهو ما يدركه الإيرانيون جيدًا.
لذا تبقى كل الخيارات مفتوحة، ويُقرأ هذا الهدوء الاحتجاجي والتراجع الأميركي كجسر عابر لالتقاط الأنفاس وإعادة تقييم المشهد، يتوقف نجاحه على قدرة النظام الإيراني على تحقيق توازن دقيق بين امتصاص غضب الشارع فعليًا وتجميد التصادم—ولو مؤقتًا—مع الإدارة الأميركية.
