أعلن خلوق بيرقدار، المدير العام لشركة بايكار التركية، أن خط إنتاج المسيرات الانتحارية “سكاي داغر” بلغ طاقة سنوية تصل إلى 120 ألف طائرة، في مؤشر على انتقال الصناعة المسيرة في تركيا من مرحلة المنظومات المحدودة إلى الإنتاج الكمي واسع النطاق.
وفي تدوينة نشرها عبر منصة “إن سوسيال” التركية، قال بيرقدار إن الشركة المطورة استطاعت خلال وقت وجيز بناء عائلة من هذه المسيرات بمقاسات وحلول تشغيلية مختلفة، مدعومة باستثمارات مكثفة رفعت القدرة التصنيعية إلى مستوى غير مسبوق، وأكد أن المنظومة تنتج بمكونات محلية ووطنية وأصلية بالكامل، من المحرك الكهربائي إلى حاسوب التحكم بالطيران وصولا إلى الرأس الحربي.
وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الرقم ذاته، أي ماذا يعني عسكريا امتلاك قدرة إنتاجية بهذا الحجم، وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على تصورات الجيش التركي للقتال من حيث الكثافة والاستنزاف وإدارة المخاطر، وهل يضمن التوطين وحده استقلالا دفاعيا راسخا إذا لم يترجم إلى تفوق نوعي، وماهي الوجهة التصديرية لهذه المسيرات؟
“سكاي داغر” والحروب طويلة النفس
لا يقتصر بلوغ القدرة الإنتاجية للمسيّرات التركية نحو 120 ألف طائرة سنويًا على كونه رقمًا لافتًا في سجلات الصناعة الدفاعية، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في طريقة التفكير بالقوة العسكرية ذاته، فإنتاج ما يقارب 10 آلاف مسيّرة شهريًا يعني أن “الدرون” لم يعد سلاحًا مساعدًا يُستخدم عند الحاجة، بل أداة قتالية متاحة بكثافة، تُدار بمنطق الاستمرارية لا الندرة، وتمنح أنقرة هامش مناورة أوسع في أي سيناريو صدام محتمل.
في الحروب الحديثة، لم يعد التفوق العسكري يُقاس بحجم الترسانة أو كلفة المنصات القتالية وحدها، بل بقدرة الجيوش على تحقيق أكبر أثر بأقل كلفة ممكنة، فامتلاك مسيّرة صغيرة منخفضة الكلفة نسبيًا، قادرة على تعطيل أو تدمير منظومة عسكرية باهظة الثمن، يفسّر لماذا تحوّل الإنتاج الكثيف بحد ذاته إلى عنصر ردع، إذ يتيح الحجم التصنيعي للجيش التركي تشغيل أسراب من المسيّرات في مهام الاستطلاع والهجوم والتشويش، بما يقلّص الخسائر البشرية ويخفّف العبء المالي للعملية العسكرية.
الأهم أن هذه الأرقام تعكس استمرارية في الإمداد داخل ساحة المعركة؛ إذ لم تعد المسيّرات تُعامل كسلاح خاص أو استثنائي، بل كذخيرة يمكن تعويضها بسرعة واستخدامها بجرأة في الخطوط الأمامية، وقد أظهرت تجارب السنوات الأخيرة، لا سيما منذ عام 2022، كيف تحوّلت المسيّرات الصغيرة إلى أداة استنزاف فعّالة، تربك الخصم وتُنهك قدراته على المدى المتوسط والطويل.
من هذا المنطلق، فإن إنتاج 120 ألف مسيّرة سنويًا يعزّز قدرة تركيا على خوض صراعات طويلة النفس، حيث يتحوّل الكم إلى عامل تفوق عملي، قادر في كثير من الحالات على سد فجوات نوعية عبر الإغراق والتشتيت وكسر توازن الدفاعات المعادية.
الانعكاسات على عقيدة الجيش التركي
لا يمكن قراءة القفزة الكبيرة في إنتاج المسيّرات بمعزل عن أثرها المباشر على طريقة تفكير الجيش التركي في القتال، فأنقرة، التي راكمت خلال السنوات الماضية خبرة ميدانية واسعة في تشغيل “الدرونز”، تقف اليوم أمام مرحلة مختلفة؛ لم تعد فيها المسيّرة أداة مساندة تُستخدم في مهام محددة، بل عنصرًا ثابتًا في التخطيط العسكري اليومي. ومع توافر أعداد كبيرة من المسيّرات الانتحارية منخفضة الكلفة وعالية الفاعلية، يتجه الجيش إلى إعادة ترتيب تكتيكاته على أساس حضور دائم لهذا السلاح في مختلف المستويات الميدانية.
ينسجم هذا التحول مع ما تشهده ساحات القتال الحديثة عمومًا، حيث باتت المسيّرات تحتل موقعًا متقدمًا في العقائد العسكرية، لما تمنحه من قدرة على اختراق الدفاعات، وتنفيذ ضربات دقيقة، وإدارة الاشتباك من مسافات آمنة. ويجمع خبراء عسكريون على أن الانتشار الواسع والمتزامن للأنظمة غير المأهولة أعاد تشكيل قواعد الاشتباك، عبر الانتقال من المواجهة المباشرة إلى تكتيكات تقوم على الإغراق والتشويش وإرباك الخصم، بدل استنزاف القدرات البشرية والمعدات الثقيلة.

وفي هذا السياق، يتعزز داخل المؤسسة العسكرية التركية اتجاه واضح نحو الاعتماد المتزايد على القوة المسيّرة بوصفها أداة مركزية في الاستطلاع والهجوم والدفاع، سواء في الحروب التقليدية أو في النزاعات غير المتكافئة.
إذ تحوّلت تجربة أنقرة إلى مرجع لدول حليفة تسعى إلى تحديث جيوشها. وقد لخّص رئيس وزراء كوسوفو هذا التوجه عقب تسلّم بلاده دفعة من مسيّرات “سكاي داغر”، حين تحدث عن بناء القوات المسلحة وفق تقنيات حديثة وتكتيكات قتالية معاصرة، في إشارة واضحة إلى إدماج المسيّرات في صلب العقيدة العسكرية. ويعكس هذا المسار كيف انتقلت التجربة التركية من خيار وطني إلى نموذج قابل للاقتداء، يعيد رسم مكانة المسيّرات في قلب العقائد القتالية الجديدة، داخل تركيا وخارجها.
التوطين والاستقلال العسكري
راهنت تركيا في مشروع “سكاي داغر” على خيار التوطين الكامل كخيار استراتيجي يهدف إلى تحصين قدراتها الدفاعية من قيود التصدير والضغوط السياسية والعقوبات المحتملة.
ووفق المعطيات المعلنة، نجحت الشركة في تصنيع أو توفير أكثر من 80% من مكوّنات المنظومة محليًا، من المحركات والبطاريات إلى أنظمة الاتصال والرؤوس الحربية، مع خطط للوصول إلى اكتفاء ذاتي كامل خلال العام الجاري، وهي مقاربة باتت سمة مشتركة لعدد متزايد من شركات الصناعات الدفاعية التركية، تقلّص مخاطر انقطاع سلاسل الإمداد في أوقات الأزمات، وتمنح القوات المسلحة هامش عمل مستقلًا بعيدًا عن الارتهان الخارجي.
كما تؤكد “بايكار” أن التكامل الرأسي في الإنتاج أسهم في خفض الكلفة ورفع الكفاءة، بعد نقل تصنيع المكوّنات الحساسة من الخارج إلى الداخل، بما يجعل التوطين عامل قوة عسكرية واقتصادية في آن واحد، لا مجرد شعار سياسي.
غير أن هذا التقدم يفتح نقاشًا مشروعًا حول حدود التعويل على الكم وحده، فهل يكفي الإنتاج الوفير وضمان المنشأ المحلي لتحقيق التفوق العسكري إذا لم يُدعَم بتفوّق نوعي؟ صحيح أن التوطين يمنح حرية حركة استراتيجية، لكنه لا يعفي من سباق التكنولوجيا، فالإنتاج الكثيف لمسيّرات انتحارية صغيرة، مهما بلغ حجمه، لا يمكنه وحده سد فجوة غياب منصات أكثر تطورًا، قادرة على اختراق أجواء شديدة التحصين أو منافسة قوى كبرى تمتلك تفوقًا تقنيًا متقدمًا.
في المقابل، تحاول أنقرة الموازنة بين المسارين؛ فإلى جانب الرهان على الكم، تستثمر في مشاريع نوعية لافتة، مثل المقاتلة المسيّرة الشبحية “كيزيليما”، وتطوير صواريخ جو–جو ورادارات محلية متقدمة.
وحتى في نطاق المسيّرات التكتيكية، لم يُهمَل البعد النوعي؛ إذ جُهّزت طائرات “سكاي داغر” بأنظمة اتصال مقاومة للتشويش تعتمد تقنيات القفز الترددي، إلى جانب منظومات أمان متعددة المراحل تقلّص مخاطر التفجير العرضي وتحسّن الجاهزية للاستخدام الميداني، وتكشف هذه المقاربة عن رؤية تسعى للجمع بين وفرة العدد وتحسين النوع، حيث لا يُنظر إلى الكم بوصفه بديلًا عن الجودة، بل كرافعة لها.
أسواق المسيرات التركية
خلال عام واحد، صدّرت شركة “سكاي داغر” وحدها قرابة 30 ألف مسيّرة انتحارية إلى 14 دولة، بالتوازي مع إدخال هذه المنظومات إلى الخدمة داخل الجيش التركي، ويمكن قراءة هذا الانتشار السريع بوصفه ترجمة مباشرة لطلب دولي متزايد على المسيّرات التركية، تغذّيه سمعة بُنيت على استخدام ميداني كثيف في أكثر من ساحة صراع، من سوريا وليبيا إلى قره باغ وأوكرانيا، حيث تحوّلت مسيّرات “بيرقدار تي بي 2” إلى علامة فارقة في مسار التحول نحو الحرب غير المأهولة.
تنبع جاذبية المسيّرات التركية من مزيج عملي يجمع بين الفاعلية الميدانية، والكلفة المقبولة، وسهولة التشغيل، وقد جعل هذا التوازن منها خيارًا مفضلًا لدول تسعى إلى تحديث قدراتها العسكرية دون الانخراط في سباق تسلح مكلف، أو الارتهان لمنظومات غربية معقدة وباهظة الثمن.

لهذا، اتسعت خريطة الزبائن لتشمل دولًا في أوروبا الشرقية والبلقان، مثل كوسوفو التي تسلّمت بالفعل آلاف المسيّرات من طراز “سكاي داغر” خلال عام 2025، إلى جانب دول في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى تجمعها بتركيا شراكات أمنية أو تواجه تحديات مشابهة، كما شمل التوسع دولًا إفريقية تخوض مواجهات مستمرة مع جماعات مسلحة، وتبحث عن حلول سريعة وفعّالة بكلفة محدودة.
وفي هذا السياق، كان الظهور الأول لمنتجات “سكاي داغر” في معرض “بامكس 2025” في مالي رسالة واضحة حول الوجهة المقبلة للتصدير التركي، فالسوق الإفريقية، التي تشهد طلبًا متناميًا على السلاح منخفض الكلفة وعالي التأثير، باتت إحدى ساحات التنافس الرئيسة، وتسعى أنقرة إلى ترسيخ موطئ قدم مبكر فيها.
“سكاي داغر”.. استثناء أم جزء من توجه عام؟
يصعب النظر إلى صعود “سكاي داغر” بوصفه حالة معزولة عن المسار الأوسع الذي تسلكه الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة، فتركيا أنهت عام 2025 على وقع سلسلة من الإنجازات اللافتة، سواء على مستوى تطوير المنظومات أو اقتحام أسواق دولية جديدة، مع تسجيل صادرات قياسية للقطاعين الدفاعي والجوي قاربت 7.5 مليارات دولار خلال أحد عشر شهرًا، وسط توقعات بتجاوز 8 مليارات دولار مع نهاية العام.
وفي العام نفسه، وُقّعت صفقات وُصفت بالكُبرى، من بينها عقد لتوريد طائرات التدريب القتالي المتقدم “حرجيت” إلى إسبانيا بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، إلى جانب عقد آخر لتزويد بولندا بأنظمة حرب إلكترونية من إنتاج “أسيلسان”.
ضمن هذا السياق، يبدو نموذج “سكاي داغر” امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار، فالشركة، التي تأسست عام 2024 بدعم مباشر من “بايكار”، استطاعت خلال فترة وجيزة بناء مجموعة متكاملة من المسيّرات بأحجام واستخدامات مختلفة، ورفع نسبة التكامل المحلي إلى أكثر من 80%، فضلًا عن الوصول إلى طاقة إنتاجية غير مسبوقة في هذا القطاع.
وتعكس هذه الوتيرة السريعة في التطوير والتصنيع ديناميكية أوسع داخل الصناعة الدفاعية التركية، حيث بات تسريع دورات الابتكار والإنتاج سمة أساسية، كما تندرج هذه التطورات ضمن سياسة تركية متواصلة منذ سنوات تقوم على مبدأ الاكتفاء الذاتي الدفاعي، دفعت باتجاه توطين متزايد للتقنيات الحساسة وتقليص الاعتماد على الخارج.
وإذا كان ما يميز “سكاي داغر” تحديدًا هو الرقم المرتبط بطاقتها الإنتاجية السنوية، الذي يتجاوز المألوف في قطاع المسيّرات، فإن هذا التميّز ينسجم في الوقت نفسه مع الاتجاه التركي العام نحو الإنتاج الكمي، والتصدير الواسع، والدخول بثقل في سباق التكنولوجيا العسكرية.
وعليه، تبدو قصة “سكاي داغر” أقل ارتباطًا بفكرة الاستثناء، وأكثر تعبيرًا عن مرحلة جديدة في الصناعات الدفاعية التركية؛ مرحلة تسعى فيها أنقرة إلى ترسيخ نفسها لاعبًا صناعيًا وعسكريًا لا يكتفي بالاكتفاء الذاتي، بل ينافس على موقع متقدم في السوق العالمية.


