افتتحت بغداد مطلع العام 2026 فصلاً جديدًا بإعلانها انسحاب آخر جنود التحالف الدولي من قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار غربي البلاد وتسلّم الجيش العراقي السيطرة الكاملة عليها.
شكّلت هذه القاعدة لسنوات رمزًا للحضور العسكري الأمريكي في العراق ومقرًا لعمليات التحالف ضد تنظيم الدولة، كما كانت مسرحًا لهجمات متكررة شنتها فصائل مسلحة موالية لإيران خلال فترات التوتر الإقليمي خصوصًا عقب اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني مطلع عام 2020.
والآن تصوّر الحكومةُ العراقية هذا الانسحاب على أنه نهاية لمرحلة “التحالف الدولي” وبداية لعلاقة أمنية ثنائية مع واشنطن، بما يعزز رسالتها الداخلية حول حصرية السلاح بيد الدولة ونزع أي ذرائع لبقاء جماعات مسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية.
ما أهميتها؟
تُعد قاعدة عين الأسد إحدى أكبر القواعد العسكرية في العراق وأهم عقدة لوجستية وتدريبية في منطقة الغرب العراقي الصحراوية.
استضافت القاعدة قوات أمريكية وقوات دولية طوال حرب القضاء على تنظيم الدولة وبعدها، وكانت مركزًا للتنسيق بين التحالف والقوات العراقية في محافظة الأنبار المحاذية لسوريا.
اكتسبت عين الأسد رمزية خاصة في الصراع بين واشنطن وطهران؛ إذ تعرّضت لسلسلة هجمات من فصائل مدعومة إيرانيًا ردًا على وجود القوات الأمريكية.
أبرز تلك الحوادث كان القصف الصاروخي الباليستي الإيراني في يناير/كانون الثاني 2020، الذي جاء انتقامًا لمقتل سليماني وأسفر عن إصابة عشرات الجنود الأمريكيين بارتجاجات دماغية رغم عدم وقوع قتلى.
كذلك، شهدت القاعدة هجمات صاروخية متفرقة تبنّتها جماعات عراقية موالية لإيران في عامي 2020 و2021، ضمن محاولاتها للضغط باتجاه انسحاب أمريكي كامل.
وإلى جانب ذلك، حظيت القاعدة باهتمام سياسي وشعبي كونه زارها مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى خلال تواجدهم في العراق – مثل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أواخر عام 2018 – ما رسّخ مكانتها كرمز للحضور الأمريكي.
من هنا فإن تسليم عين الأسد للعراقيين يعد مؤشرًا بارزًا على تحول ميزان النفوذ العسكري في البلاد، ونقطة فاصلة تُغلق فصلًا امتد منذ عودة القوات الأمريكية إلى العراق عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة.
وعلى الرغم من الزخم الذي صاحب مشهد انسحاب آخر جنود أمريكيين من عين الأسد، فقد جاءت العملية تتويجًا لمسار طويل من تقليص الوجود العسكري الأجنبي في العراق بدأ قبل سنوات. فيما يلي خط زمني لأبرز المحطات على طريق الانسحاب الأمريكي.
ما تأثير الخطوة داخليا؟
يُبرز انسحاب الأمريكيين من عين الأسد تداعيات داخلية فورية على معادلة الأمن والسياسة في العراق. فقد دأبت الفصائل المسلحة الموالية لإيران طيلة الأعوام الماضية على تبرير احتفاظها بسلاحها خارج نطاق الدولة بحجة مقاومة الاحتلال الأمريكي.
ومع زوال هذا الوجود العسكري الأجنبي من القواعد العراقية، تجد تلك الفصائل نفسها أمام استحقاق إلقاء السلاح أو دمج مقاتليها ضمن المؤسسات الرسمية.
رئيس الوزراء محمد شياع السوداني نفسه صرّح أكثر من مرة بأن الحكومة ملتزمة بحصر السلاح بيد الدولة، لكنه أشار بوضوح إلى أن تحقيق هذا الهدف مرهون بانسحاب قوات التحالف بالكامل.
وفي أواخر عام 2025، أكد السوداني أن خطة انسحاب التحالف ماضية حتى سبتمبر 2026 بسبب انحسار تهديد داعش، مضيفًا: “لا توجد حجة لبقاء قوات أجنبية بعد تحقيق الأمن والاستقرار، وحينها سيكون هناك برنامج واضح لإنهاء أي سلاح خارج مؤسسات الدولة، فهذا مطلب الجميع”.
تصوير الحكومة لهذا الانسحاب على أنه انتصار سيادي يمنحها دفعة قوية في مواجهة الجماعات المسلحة. وقد بدأت نواة هذا التحول بالظهور، ففي الأسابيع الأخيرة من عام 2025 خرجت تصريحات من قادة فصائل بارزين يبدون استعدادًا ولو نظريًا لـ“تقييد السلاح بيد الدولة”.
- أعلن قيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق تبنّيه مبدأ حصرية السلاح بالمؤسسات الرسمية قائلاً: “نحن الآن جزء من الدولة”.
- أصدرت فصائل أخرى كحركة أنصار الله الأوفياء وكتائب الإمام علي بيانات تؤيد انتقال دورها إلى العمل السياسي ونزع الطابع العسكري.
- حتى الحشد الشعبي (المظلة التي تنضوي تحتها معظم تلك الفصائل) رحّب قادته بتنظيم حمل السلاح تحت إمرة الدولة وفق الدستور.
مع ذلك، لا تزال هناك تحفظات وانقسامات بين تلك الفصائل حيال التنفيذ الفعلي لنزع السلاح. فموقف الفصيل الأقوى بينها، كتائب حزب الله، وغيرها من الجماعات القريبة من إيران، لا يزال يتسم بالحذر.
ويرى مراقبون أن بعض هذه الفصائل قد تبحث عن ذرائع جديدة للإبقاء على سلاحها – كاستمرار التهديدات الأمنية من تنظيم الدولة أو التواجد الأمريكي في الإقليم الكردي – إذا شعرت بأن نفوذها السياسي مهدد أو أن سلاحها لا يزال ورقة ضغط اقليمية.
ماذا بقي من الوجود الأمريكي؟
رغم ضجة الإعلان عن “الانسحاب الكامل” لقوات التحالف، فإن الواقع على الأرض أكثر تعقيدًا. إذ لا تزال قوات أمريكية – وإن كانت محدودة – منتشرة في العراق ولكن خارج نطاق الحكومة الاتحادية، وتحديدًا في إقليم كردستان شمالي البلاد.
فبحسب تأكيدات مسؤولي البنتاغون، سيواصل عدد من المستشارين والمدربين الأمريكيين عملهم من قواعد في أربيل ودهوك ضمن الأراضي الكردية، وذلك بطلب وتنسيق مباشر مع حكومة الإقليم.
أبرز هذه المواقع قاعدة حرير الجوية في محافظة أربيل، حيث يتواجد عناصر أمريكيون لتقديم الدعم لقوات البيشمركة الكردية ومراقبة نشاط فلول تنظيم الدولة عبر الحدود مع سوريا.

قد أشار بيان اللجنة العراقية المشرفة على إنهاء مهمة التحالف إلى أن “التنسيق مع التحالف الدولي سيستمر بخصوص القضاء على بقايا داعش في سوريا، عبر تواجدهم في قاعدة بأربيل”.
ويستمر ارتباط الملف العراقي بالوضع في سوريا المجاورة. إذ تنتشر قوات أمريكية (حوالي ألفي جندي) شرق سوريا، وتعتمد جزئيًا على قواعد في العراق (خاصة في كردستان) للإمداد والدعم اللوجستي.
وكان لهذه التشابكات أثر في تأخير الانسحاب الكامل من عين الأسد؛ فبحسب السوداني، فإن “تطورات الوضع في سوريا” استدعت الإبقاء على وحدة أمريكية صغيرة بالقاعدة حتى مطلع 2026. وما دام التواجد الأمريكي مستمرًا عبر الحدود، يبقى ملف الانسحاب نقطة جدل سياسي داخلي.
فالفصائل الموالية لإيران قد تعتبر أن المهمة لم تنتهِ بعد طالما أن الجنود الأمريكيون موجودون على أرض العراق. من هذا المنطلق، يتوقع مراقبون أن تعاود تلك الجماعات رفع نبرة المطالبة بخروج “كامل”، وهو أمر قد لا يحظى بإجماع عراقي نظرًا لحساسية وضع الإقليم وعلاقته المميزة بواشنطن.
في المحصلة، يمثل تسلّم عين الأسد لحظة تاريخية ومفصلية للعراق: فهي اختتام لحقبة صاخبة بدأت باحتلال عام 2003 مرورًا بحرب داعش، وانتهاءً بسنوات من الكرّ والفرّ بين واشنطن وطهران على الساحة العراقية.
لكن ما بعد هذه اللحظة لا يقل أهمية عنها. إذ ستختبر الشهور المقبلة مدى قدرة بغداد على فرض معادلة جديدة: دولة قوية خالية من قوات أجنبية قتالية، وفي الوقت نفسه قادرة على ضبط جماعاتها المسلحة وحماية أمنها الداخلي بالتعاون المتوازن مع المجتمع الدولي.
