يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعلان تشكيل “مجلس سلام” دولي برئاسته، مهمته الإشراف على تنفيذ خطة اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
لكن ميثاق هذا المجلس، الذي وُزع على الدول المدعوة، يرسم له أدوارًا عالمية تتجاوز ملف غزة، بزعم “ضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها”.
وقد أثارت هذه المبادرة تباينًا واسعًا في مواقف الدول: بعضها رحب أو انضم بالفعل بحذر، وأخرى رفضت صراحةً خشية أن يؤدي ذلك إلى إنشاء كيان موازٍ أو بديل عن الأمم المتحدة. فيما لا تزال دول كثيرة تدرس الدعوة قبل إعطاء رد نهائي.
في هذا التقرير نستعرض ميثاق المجلس وشروط الانضمام إليه، ونرصد مواقف أبرز الدول المدعوة والتطورات المحيطة بالمبادرة خلال يناير/كانون الثاني 2026.
الميثاق والأهداف
جاء “مجلس السلام” ضمن خطة ترامب لإنهاء العدوان الإسرائيلي على غزة، وقد حصل في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 على تفويض محدود من مجلس الأمن لمدة عامين لإدارة القطاع بعد الحرب.
لكن الميثاق التأسيسي للمجلس تخطّى نطاق غزة، فقد نصّ في مقدمته على الحاجة إلى هيئة سلام دولية أكثر مرونة وفعالية، وحتى أنه انتقد ضمنيًا المؤسسات الدولية القائمة بقوله إنه يتطلب “شجاعة للابتعاد عن المقاربات والمؤسسات التي كثيرًا ما أخفقت”.
الميثاق يُعرّف مجلس السلام كمنظمة دولية لتعزيز الاستقرار وإعادة الحكم القانوني وتأمين سلام مستدام في المناطق المتأثرة بالنزاعات حول العالم.
وبشكل لافت، خلت المسودة من أي ذكر مباشر لغزة، مما عزز مخاوف دبلوماسيين من أن واشنطن تخطط لاستخدام القطاع كنقطة انطلاق لنظام دولي جديد لحل النزاعات يتجاوز صلاحيات الأمم المتحدة.
شروط الانضمام وهيكلية العضوية
تشترط الولايات المتحدة أن تكون عضوية المجلس بالدعوة الحصرية من رئيسه (ترامب)، الذي سيتولى المنصب مدى الحياة وفق وثائق المجلس.
يمثل كل دولة عضو رئيسها أو رئيس حكومتها شخصيًا في المجلس. وتُحدد مدة العضوية بثلاث سنوات فقط قابلة للتجديد.
لكن الميثاق قدم عرضًا مثيرًا للجدل: أي دولة تساهم بمبلغ لا يقل عن مليار دولار نقدًا لصندوق المجلس خلال العام الأول يحق لها الحصول على مقعد دائم (أي إعفاء من حدود فترة الثلاث سنوات). هذا الشرط يعني عمليًا بيع “مقاعد دائمة” في المجلس مقابل تمويل ضخم.
وحتى الآن لم يُعرف ما إذا كانت أي دولة وافقت على دفع هذا المبلغ، وأكدت مصادر أن بعض الدول قد تساهم بمبالغ أقل بكثير (نحو 20 مليون دولار فقط). وبرر البيت الأبيض هذه الخطوة بأنها لضمان انضمام شركاء ملتزمين بجدية بالسلام والأمن.
كما أن اللوائح الداخلية التي صيغت في البيت الأبيض، منحت ترامب حق النقض (الفيتو) على أي قرار يصدر عن المجلس، مما يرسخ هيمنة واشنطن على آلياته.

المواقف الدولية – قبول ورفض ودراسة
رغم الشكوك، انضمت بالفعل دول من قارات مختلفة لتكون من أوائل المؤسسين في”مجلس السلام”.
- الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – “إسرائيل” والإمارات والبحرين والمغرب
- أوروبا – المجر وبيلاروسيا
- جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق – كازاخستان وأرمينيا
- أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا – الأرجنتين وفيتنام
في المقابل، تتريث دول عديدة حيال الانضمام، إما بانتظار اتضاح معالم المجلس أو لوجود مخاوف سياسية ومن بينها:
- تركيا: أكدت تلقي الدعوة وأن الرئيس رجب طيب أردوغان سيقرر قريبًا بشأنها.
- روسيا: أكد الكرملين تلقي دعوة مع دراسة المقترح بالتفصيل قبل إعطاء رد.
- الصين: كشفت أنها تلقّت دعوة لكنها امتنعت عن إعلان موقف واضح.
- أوكرانيا: صرح رئيسها أنه لا يمكنه تصوّر جلوس بلاده وروسيا معًا في مجلس واحد.
- ماليزيا: اشترطت توقف الهجمات على غزة وضمان تدفق المساعدات قبل بحث الانضمام.
- المفوضية الأوروبية تلقّت دعوة لتمثيل الاتحاد الأوروبي لكنها فضّلت الاحتفاظ بردها حالياً.
- ألمانيا: شددت علنًا على تمسكها بإطار الأمم المتحدة كركيزة أساسية للعمل متعدد الأطراف.
- إيطاليا: قالت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إن بلادها “مستعدة للقيام بدورها” دون تفاصيل.
- كندا: وافقت مبدئيًا على الفكرة لكنها أكدت انتظارها إيضاحات أكثر رافضة فكرة دفع مليار دولار.
- سويسرا وأستراليا: أعلنتا أنهما ستجريان تحليلاً دقيقًا للمقترح قبل اتخاذ قرار.
- دول أخرى مثل الأردن ومصر وباكستان واليابان واليونان وغيرها أكدت تلقي دعوات، لكنها لم تعلن موقفها بعد.
على الجانب الآخر، برزت دول ألمحت رفضها للمبادرة منذ البداية، متخوفةً من تبعاتها على النظام الدولي القائم.
- فرنسا: نقلت مصادر قريبة من الإليزيه أنها لا تعتزم تلبية دعوة الانضمام في هذه المرحلة. وشددت باريس على ضرورة معالجة قضايا النزاعات الدولية ضمن الأطر متعددة الأطراف القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
- إيرلندا: حذرت من أن الإطار الأمريكي المطروح يحمل تفويضًا أوسع من مجرد تنفيذ خطة غزة، مؤكدةً أن الأمم المتحدة تملك تفويضًا فريدًا في حفظ السلام الدولي ولا غنى عنه رغم أوجه القصور.
- النرويج: أعلن نائب وزير الخارجية أندرياس كرافيك رفض بلاده المشاركة “بالطريقة التي تُعرض بها الخطة حاليًا”.
- بريطانيا: أعربت عن قلقها من دعوة ترامب للرئيس الروسي ورئيس بيلاروسيا لأنهما “غير جادين بالسلام”.
مخاوف من تجاوز الأمم المتحدة
تنظر دول عدة إلى “مجلس السلام” بريبة على أنه محاولة أمريكية لإعادة هندسة النظام الدولي خارج مظلة الأمم المتحدة.
فقد أثار إعلان ترامب عن المجلس تساؤلات عما إذا كان يسعى لكيان موازٍ لمجلس الأمن الدولي أو منافس له في إدارة الأزمات.
وواقع الأمر أن الميثاق الأمريكي، يؤسس إطارًا دوليًا بديلًا لحفظ السلام، بزعامة أمريكية مطلقة، ما دفع صحيفة فايننشال تايمز لوصفه كبديل محتمل للأمم المتحدة يتعامل مع نزاعات العالم تحت نفوذ واشنطن.
ومما عمّق هذه الشكوك تصريح ترامب نفسه، إذ قال في أحدث مواقفه “يجب السماح للأمم المتحدة بالاستمرار لأنها تملك إمكانات هائلة”. ولكن عند سؤاله مباشرةً إن كان يريد لمجلس السلام أن يحل محلها، أجاب بكلمة: “ربما”.
ونقل تقرير للقناة 12 الإسرائيلية عن مسؤول أمريكي رفيع أن ترامب قد يستغل حضوره منتدى دافوس الاقتصادي العالمي (المتوقع في 21 يناير/كانون الثاني 2026) للتلميح بأن مجلس السلام سيكون بديلاً للأمم المتحدة في المستقبل.
وتتقاطع التحفظات الأوروبية جميعها عند خشية تقويض عمل الأمم المتحدة، وهو ما عبّر عنه دبلوماسي غربي وصف مجلس السلام المقترح بأنه بمثابة “أمم متحدة بقيادة ترامب” تتجاهل أسس ميثاق المنظمة الدولية.
وقد حذرت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا في بيان لموقع بوليتيكو أن ميثاق المجلس “يتجاوز نطاق غزة وحدها ويثير قضايا جوهرية بشأن احترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة”.
كذلك اعتبرت عدة حكومات أوروبية أن خطة ترامب قد تضر بعمل المنظمة الدولية وتقوض شرعية القانون الدولي.
وتزامن توقيت مساعي ترامب مع تصاعد أزمة دبلوماسية حول غرينلاند: فقد هدد ترامب بفرض رسوم جمركية على الدنمارك وسبع دول حليفة في حلف شمال الأطلس “الناتو” لإرسالهم قوات إلى الجزيرة، مجددًا رغبته القديمة في الاستيلاء عليها.
هذا التصعيد فاقم التوتر بين واشنطن وعواصم أوروبا، التي بدأت تحضر حزمة ردود تجارية مضادة بينما أرسلت الدنمارك تعزيزات عسكرية إلى غرينلاند. ويرى مراقبون أن هذه الأجواء العدائية زادت من صعوبة قبول الأوروبيين لمبادرة مجلس السلام، إذ بدت وكأنها خطوة أحادية أخرى تهدد بتفكيك التحالفات الدولية.
وفي المجمل، يرسم “مجلس السلام” الذي يقوده ترامب ملامح مشهد جديد في إدارة الصراعات الدولية، فبينما تراه واشنطن أداة “جريئة” لتحقيق السلام بأسلوب مختلف، تعتبره قوى عالمية عدة مشروعًا مريبًا قد يقوّض الشرعية الدولية القائمة.
وفي غضون ساعات سيجتمع قادة العالم في دافوس حيث يعتزم ترامب تدشين هذه المنصة الجديدة، وحينها سيتحدد ما إذا كانت فكرته ستحظى بزخم دولي حقيقي أم ستواجه عزلة كتلك التي تهدد علاقة واشنطن بحلفائها على خلفية أزمة غرينلاند وغيرها.