ترجمة وتحرير: نون بوست
منذ أواخر عام 2023، كثّفت جماعات مؤيدة لإسرائيل حملاتها القانونية المعادية للفلسطينيين داخل الجامعات الأمريكية، في مسعى واضح لإعادة رسم حدود الخطاب المقبول بشأن فلسطين.
في أعقاب هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وبالتزامن مع إطلاق إسرائيل حرب الإبادة على قطاع غزة، نشر “مركز لويس برانديز” ورابطة مكافحة التشهير رسالة مفتوحة دعا فيه نحو 200 رئيس جامعة إلى التحقيق مع منظمة “طلاب من أجل العدالة في فلسطين”، بتهمة انتهاك القوانين الفيدرالية المتعلقة بـ”تقديم دعم مادي للإرهاب”.
وجاءت هذه الرسالة في إطار حملة أوسع تهدف إلى تجريم الحراك السلمي المناهض للإبادة الجماعية، وممارسة ضغوط مباشرة على الجامعات لاتخاذ إجراءات تأديبية بحق منظمي الأنشطة الطلابية داخل الجامعات.
وفي السياق نفسه، لجأت منظمات مثل “قف معنا“، ومنظمات طلابية كـ “هيلل” و”أولامي” التي يُنظر إليها غالبًا بوصفها واجهات للوبيات مؤيدة لإسرائيل، إلى توجيه اتهامات زائفة بـ”معاداة السامية“، عبر شكاوى ذات دوافع سياسية بموجب الباب السادس، ودعاوى مدنية، ومناورات إدارية، بهدف إسكات الأصوات المدافعة عن حقوق الفلسطينيين.
وقد وجدتُ نفسي ضمن قائمة المستهدفين بهذه الأدوات القمعية، إلى جانب طلاب وزملاء مؤيدين لفلسطين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث أعمل أستاذًا.
بوصفي عالم لغويات من أصول هايتية، انصبّ عملي على مدى أكثر من ثلاثة عقود على دراسة قوة اللغة في سياقات إنهاء الاستعمار وحركات التحرر. إلا أنني أجد نفسي اليوم في موقف المدّعى عليه، إلى جانب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في دعوى فيدرالية رفعتها مجموعة محدودة من الأشخاص، من بينهم طرف مجهول الهوية، بدعم من منظمة تنشط في رفع “الدعاوى القانونية” المؤيدة لإسرائيل. ويزعم المدّعون أن تدريسي ونشاطي العام انزلقا إلى معاداة السامية، والمضايقة، والتشهير، والانتقام.
وفي مواجهة هذه الافتراءات، تقدمتُ مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بطلبٍ لإسقاط الدعوى، مدعومين بمذكرة قانونية رفعتها منظمة “بالستين ليغل”، ومُتسلحين بحكمٍ قضائي تاريخي صدر عن محكمة الاستئناف بالدائرة الأولى في بوسطن في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وهو الحكم الذي قطع بأن انتقاد إسرائيل يندرج ضمن حرية التعبير المكفولة بموجب التعديل الأول للدستور الأمريكي، ودحض بشكل مباشر الأسس التي تستند إليها مثل هذه الاتهامات بـ”معاداة السامية.
اللغة في قفص الاتهام
في 5 يناير/ كانون الثاني 2026، أصدر القاضي ريتشارد ستيرنز، من محكمة المقاطعة في ماساتشوستس، قرارًا بالموافقة على طلبات إسقاط الدعاوى الفيدرالية التي قدمها المدّعون.
استند القرار إلى كفاية الأدلة القانونية فقط: فقد افترضت المحكمة صحة الادعاءات لغرض محدود هو اختبار الحجج القانونية، دون إجراء أي تحقيق في الوقائع.
والأهم من ذلك، أشارت المحكمة إلى أنه “لا يوجد أساس لرفض استنتاج الدائرة الأولى بأن المشاعر المعادية لإسرائيل ليست خطابا معاديا للسامية، في ظل غياب المزيد من الأدلة”.
وبذلك، يشكّل الحكم رفضًا قضائيًا جديدًا وحاسمًا للمعادلة التي يروّج لها المدّعون وغيرهم، ومن بينهم التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، والتي تسعى إلى الخلط بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية.
لكن الأمر يتجاوز قضيتي الشخصية. فالحرب القانونية من هذا النوع تهدّد الحرية الأكاديمية وحرية التعبير وأُسس التعليم الليبرالي، وتسهم في الوقت ذاته في تضليل الرأي العام إزاء الإبادة الجماعية المستمرة التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين، وهي حسب المؤرخ اليهودي الإسرائيلي إيلان بابيه، “إبادة تدريجية” ممتدة منذ 75 عامًا.
وبحكم اختصاصي، أدرك كيف يوظف هذا المشروع السياسي الواسع إستراتيجيات خطابية متكاملة إلى جانب “الحرب القانونية”، بما يقوّض مبادئ التعليم العالي ومنهجيات البحث والاستقصاء الديمقراطي.
وتوفّر مفاهيم مثل “الفيروسات الذهنية”، و”عدوى العقل”، و”التنافر المعرفي”، و”سرديات الكراهية”، و”الاتهامات العكسية” بهدف “تغيير الواقع”، إلى جانب “الإنكار التفسيري” و”الإنكار الضمني”، إطارًا تحليليًا لفهم الآليات اللغوية للدعاية – أو “الهسبارا” في السياق الإسرائيلي – التي تقلب الأدوار بين الضحية والجاني، وتُرسّخ الخلط المتعمد بين الصهيونية واليهودية.
وتُسهم الاتهامات الموجهة في قضيتي، بوصفها جزءًا من نمط عالمي متصاعد من الرقابة المناهضة للفلسطينيين، في كشف طريقة توظيف هذه الأدوات. فتمحيص الادعاءات الزائفة لا يوضح سجل الوقائع فحسب، بل يفضح أيضًا نمط التشويه المنهجي الذي وصفته أستاذة دراسات العدالة سانغ هي كيل بـ”آلة الكذب الصهيونية“.
عدوى العقل
في قلب العنف الجماعي، بما في ذلك الإبادة الجماعية، تكمن آليات لغوية ونفسية قادرة على تحويل أفراد عاديين إلى مشاركين في ارتكاب الفظائع أو ميسّرين لها، ومن أبرز هذه الآليات ما تناوله باحثون تحت مفهوم “عدوى العقل”.
في مقالته المنشورة عام 1991 بعنوان “فيروسات العقل“، يشرح عالم الأحياء التطوري ريتشارد دوكينز كيف تنتشر الأفكار — من أساطير ودعاية وسرديات كراهية، لا سيما المرتبطة بالدين — بطريقة تشبه الفيروسات، متجاوزةً آليات التفكير النقدي، ومُنتِجةً سلوكيات مدمّرة، ومُدمِّرة للذات خاصة.
وفي السياق ذاته، حلّلت الباحثة الإسرائيلية اليهودية نوريت بيليد- إلحنان، الحائزة على جائزة ساخاروف لحرية الفكر من البرلمان الأوروبي عام 2001، المناهج التعليمية الإسرائيلية، كاشفةً كيف يجرى تسليح ذاكرة الهولوكوست في سياق “تغريب” الفلسطينيين، وكيف تُروَّج أساطير نازعة للإنسانية تُصوّرهم في صورة “نازية”. وترى بيليد- إلحنان أن هذه المواد تُلقّن الأطفال رؤيةً للعالم تُشرعن مذابح الفلسطينيين “بوصفها أداة فعّالة للحفاظ على دولة يهودية آمنة ذات أغلبية يهودية”، كما “تُهيّئ الشباب الإسرائيليين ليكونوا جنودًا مطيعين ويواصلوا ممارسات الاحتلال”.
وتربط بيليد- إلحنان هذا النمط من “عدوى العقل” بشكل مباشر بالعنف الإبادي الجاري اليوم في غزة، مؤكدةً أن “القادة الصهاينة يستخدمون خطابًا عنصريًا لتشويه السكان الأصليين، ولشرعنة التمييز ضدهم وإبادتهم”. كما تُظهر أن العنصرية البنيوية في الصهيونية الاستيطانية – الاستعمارية لا تقتصر على الفلسطينيين، بل تمتد إلى اليهود غير الأوروبيين، الذين يتحولون إلى “ضحايا الضحايا” داخل منظومة استعمار داخلي، أو “باطني”، في إسرائيل.
وفي هذا السياق، كان من اللافت مشاركة بيليد- إلحنان كإحدى المتحدثات الضيفات البارزات في “ندوة الشعوب” التي نظّمتُها، وهي سلسلة محاضرات أُقيمت في خريف 2024 وتناولت اللغة واللسانيات في سياقات إنهاء الاستعمار ونضالات التحرر في هاييتي وفلسطين وإسرائيل.
غير أن هذه الندوة استُبعدت من مقررات قسم اللسانيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كما أُدرجت أجزاء من محتواها — بما في ذلك مواد بيليد- إلحنان والمحتوى الذي شاركتُه عبر وسائل التواصل الاجتماعي — ضمن الشكوى القانونية المقدّمة ضدي.
وشددت بيليد- إلحنان في كتبها ومقالاتها ومحاضراتها، فإن “عدوى العقل” ليست ظاهرة خاصة بمجموعة بعينها، بل هي نتاج الاستغلال السياسي لعناصر دينية أو ثقافية من قبل المربين والسياسيين والمؤسسات، بما يؤدي إلى تطبيع سرديات الكراهية وإدماجها في الخطاب العام. وينطبق ذلك على إسرائيل كما ينطبق على موطني هايتي، حيث استخدمتُ أنا بدوري مصطلح “الاستعمار الذهني” بوصفه مقابلًا مفاهيميًا لـ”عدوى العقل”.
التنافر المعرفي
وتُقدّم نظرية “التنافر المعرفي” لعالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر إطارًا تفسيريًّا لكيفية تمسّك الأفراد بسرديات الكراهية حتى عند مواجهتهم بوقائع تناقضها بشكل صريح.
ويُجسِّد عمل المؤرخ بنجامين ليبرمان حول التطهير العرقي في أوروبا الحديثة هذه الآلية النفسية، التي تتكرر في حملات “التطهير” والإبادة القائمة على العِرق أو العشيرة أو الدين. ويوضح كيف تؤدي تواريخ أسطورية عن الاضطهاد إلى تحويل جيران مسالمين إلى أعداء وجوديين، ويُستخدم العنف لاحقًا كوسيلة لسدّ الفجوات النفسية الناجمة عن هذا التحوّل.
وفي حين يشرح مفهوم “عدوى العقل” كيفية زرع الأساطير العنصرية في مراحلها الأولى، يفسّر “التنافر المعرفي” قدرتها على الاستمرار على المدى الطويل، حتى مع ما تخلّفه من أعباء نفسية. ويُسهم ذلك في فهم تساؤل بيليد- إلحنان بشأن الانتشار الواسع للعنصرية المعادية للفلسطينيين داخل المجتمع الإسرائيلي، كما يتجلّى في مقاطع فيديو متداولة تُظهر مستويات صادمة من القسوة والانحطاط: “كيف يمكن تحويل فتيان وفتيات يهود لطفاء إلى وحوش، إلى قتلة أطفال، عند بلوغهم الثامنة عشرة؟”.
وفي مقال نُشر عام 2006 في مجلة أبحاث الإبادة الجماعية، يبيّن ليبرمان كيف تستمر سرديات “الضحية الأسطورية” في أداء دور مركزي في شرعنة العنف الجماعي.
وغالبًا ما يُقدَّم شعار “لن يتكرر أبدًا” بوصفه التزامًا أخلاقيًا إنسانيًا شاملًا، غير أن الخطاب الصهيوني أعاد توظيفه منذ وقت مبكر ليعني حصرًا: “يجب ألا يحدث هذا لنا مرة أخرى”.
وكما جادل يهودا إلكانا في مقالته عام 1988 بعنوان “الحاجة إلى النسيان”، فإن هذه الصياغة المنغلقة على الذات تمثل تسليحًا رمزيًا لمعاناة اليهود التاريخية، ولتهمة “معاداة السامية”، بهدف تأمين الإفلات من المحاسبة على عنف الدولة الإسرائيلية، وهي إستراتيجية دعائية (هسبارا) وصفها الفيلسوف الإسرائيلي عدي أوفير بأنها “القبة الحديدية الخطابية” لإسرائيل.
صناعة الأساطير والانقلاب الأخلاقي
تُوظَّف سردية “الضحية التي تحوّلت إلى جلاد”، الممتدة من الحروب القديمة وصولًا إلى خطاب التهديدات الوجودية الحديثة، بوصفها أداةً لتبرير إبادة “الآخر”.
ويبرز من بين الأمثلة على ذلك توظيف التاريخ التوراتي لدعم الادعاءات الإسرائيلية بـ”الأصالة” أو الانتماء إلى “السكان الأصليين“. كما أسهمت أبحاث نوريت بيليد- إلحنان حول “تنزيل الفلسطينيين منزلة النازيين” في الكتب المدرسية الإسرائيلية في تفسير آليات “شرعنة المذابح” ضمن النكبة الفلسطينية المستمرة، مبيّنةً كيف تحوّل هذا النمط إلى ركيزة مركزية في سرديات الكراهية الصهيونية، وهو ما وثّقه أيضًا المؤرخ إيلان بابيه في أعماله الأكاديمية.
وفي السياق نفسه؛ تتناول الدراسة اللافتة لعالم التلمود دانيال بويارين حول “المحاكاة الاستعمارية” للصهيونية السياسية الأسسَ النفسية لهذه الحركة في أوساط يهود أوروبا الغربية. ويوضح بويارين كيف سعى تيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية الاستيطانية- الاستعمارية، إلى إعادة تشكيل الهوية اليهودية عبر نموذج “اليهودي العضلي الجديد”، في مقابل صورة “اليهودي المنحلّ” السائدة في أوروبا المعادية للسامية.
وفي كتابه “دولة اليهود“، دعا هرتزل اليهود إلى “أداء واجبنا المسيحي” والانخراط في القومية الأوروبية والعنصرية والتمييز الجنسي ومعاداة السامية، من خلال استعادة مملكة أسطورية لـ”أيام المجد التوراتية” بوصفها علاجًا لما كان يُنظر إليه بازدراء بوصفه “يهودية”، وهي نظرة لم تسلم منها حتى أوساط صهيونية نافذة، بما في ذلك هرتزل نفسه.
وتشير قراءة المؤرخ بنجامين ليبرمان إلى أن هذا النوع من صناعة الأساطير يُذيب العلاقات اليومية في سرديات تاريخية كبرى، يتحوّل فيها العنف إلى حرب “عادلة” ضد “أمم عدوة شريرة بطبيعتها”.
ويُجسِّد استحضار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمفهوم “عماليق” في خطاباته الإبادية هذا النمط من سرديات الكراهية.
وبالمثل، وكما أشار بابيه، استند مثقفون إسرائيليون إلى أطروحة صمويل هنتنغتون حول “صدام الحضارات” لتصنيف الفلسطينيين بوصفهم غير عقلانيين، في تماهٍ واضح مع خطاب نتنياهو عن “هاوية ثقافية وأخلاقية”.
وينشأ عن هذا التناقض تنافرٌ معرفي عميق بين الاعتراف بالجيران بوصفهم متساوين في الكرامة الإنسانية، وبين تصويرهم ككائنات دون بشرية وتهديدات وجودية، أو “فلسطينيين مُنَزَّلين منزلة النازيين”.
ولا بد لهذا الانزعاج النفسي من أن يُحَلّ.
فعندما تصطدم حقيقة الإنسانية المشتركة بسرديات الكراهية المهيمنة، يُعاد تأطير العنف الجماعي بوصفه ضرورةً أخلاقية، بل وقد يُقدَّم على أنه فعل بطولي.
وكما يوضح ليبرمان، يتحوّل الجار الذي صار عدوًا إلى جزء من “جماعة شريرة بطبيعتها تستحق التدمير”، فتُقدَّم أفعال مثل النهب أو القتل باعتبارها “قتالًا عادلًا”.
وتُجسِّد دراسة الحالة التي قدّمتها المؤرخة ليدوين كابتيجنز حول التطهير العشائري في الصومال هذه السرديات الأسطورية-التاريخية للكراهية، أو ما وصفه ريتشارد دوكينز ونوريت بيليد- إلحنان، بـ”الفيروسات الذهنية”.
وعبر التاريخ والجغرافيا، أسهم خطاب نزع الإنسانية الصادر عن مؤسسات سياسية وتعليمية وصحفية، بل وحتى دينية وحقوقية، مرارًا في تحويل جيران عاديين إلى كتلة متجانسة يُفترض أنها شريرة (أو “قمامة” وفق مصطلحات تيار “ماغا” المعاصر)، ويُنظر إليها على أنها مستحقة للإبادة.
ويتكرر هذا النمط من ألمانيا ويوغوسلافيا إلى أرمينيا وسوريا ورواندا، ويعود اليوم في كيفية التعامل مع المجتمعات الهايتية والصومالية وغيرها من المجتمعات السوداء والسمراء في الولايات المتحدة.
ويُنتج هذا التحوّل الخطابي ما يمكن وصفه بـ”بنية الإذن”، التي تُمكّن مواطنين عاديين من تجاوز عتبة التعايش إلى ممارسة العنف الجماعي، وهو ما صاغته حنة آرندت في مفهومها الشهير “تفاهة الشر“.
تحريف الواقع والاتهامات المتبادلة
وفي دراستهما المشتركة “التحليل النفسي تحت الاحتلال“، يسلّط كل من لارا وستيفن شيحي الضوء على مفهوم “تحريف الواقع” بوصفه تكتيكًا استعماريًا استيطانيًا يقلب العلاقة بين الضحية والجاني عبر ما يُعرف بـ”الاتهامات المتبادلة”، حيث يصبح “كل اتهام اعترافًا“.
إن إسقاط العنف الذي يمارسه الجاني على الضحية لتبرير القمع يُعد سمةً أساسية من سمات الفظائع الجماعية، وقد شكّل منذ زمن طويل ركيزةً دعائيةً للحركة الصهيونية.
وتتهم إسرائيل المقاتلين الفلسطينيين باستخدام المدنيين كدروع بشرية، رغم تزايد الأدلة على استخدامها المنهجي للفلسطينيين أنفسهم كدروع بشرية في غزة. وتزعم أن الأمهات الفلسطينيات يُجوّعن أبناءهن، بينما تستخدم المجاعة الجماعية كسلاح إبادة جماعية. بل وتصف المخيم الجماعي المخطط له في رفح بأنه “مدينة إنسانية“، رغم أن خبراء وصفوه بأنه “مخطط لجرائم ضد الإنسانية”.
ويلخّص هذا المنطق بدقة المثل العربي: “ضربني وبكى، ثم سبقني واشتكى”.
وتتكرر مثل هذه التشويهات في الخطاب السياسي الأمريكي؛ حيث تصف عضوة الكونغرس إليس ستيفانيك المقاومة الفلسطينية باعتبارها “إرهابًا”، وتُحرّف معنى كلمة “انتفاضة” العربية – التي تعني “التحرر” أو “الانتفاض” – لتزعم أنها “دعوة لإبادة اليهود”. ومع ذلك، خلصت جهات مرجعية كبرى، من بينها منظمة العفو الدولية، والجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية، والأمم المتحدة، إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين؛ أو بكلمات أخرى إبادة جماعية “تبث مباشرة”.
لقد تم استخدام هذا التلاعب اللغوي منذ زمن طويل ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضًا لتشويه سمعة مؤيديهم في الغرب. ويتم تشويه سمعة المتظاهرين السلميين، بمن فيهم الطلاب اليهود المناهضون للصهيونية، بوصفهم “معادين للسامية” أو “إرهابيين محليين”، وتُساوَى هتافات “الانتفاضة” مع “دعوات لأعمال إرهابية”. وحتى مجرد توثيق حدث عام يُحرّف إلى اتهامات بـ”المضايقة” أو “الكشف عن المعلومات الشخصية”.
وهذه الهجمات المغرضة ليست عشوائية، بل تعكس إستراتيجية أوسع من التضليل اللغوي تُستخدم لتبرير القمع وإسكات الأصوات المعارضة.
ويوازي هذا الاستخدام المُسَيّس للغة الخطاب الذي وجّهه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس ضد الناشطين المناهضين للإبادة، ومبادرات التنوع والإنصاف والشمول، والفئات المهمشة بما في ذلك المهاجرين.
إن تراكم هذه التأثيرات وتاريخ هذه التلاعبات التاريخية يشكّلان مصدر قلق بالغ لهذا اللغوي المولود في هايتي.

ما يظهر هنا هو استخدام منهجي للغة “أورويلية”: إذ يُعيد الجناة تصوير أنفسهم كضحايا يتصرفون بدافع “الدفاع عن النفس”، بينما يتهمون من يقمعونهم بممارسة العنف ذاته الذي يرتكبونه. ويصف الكاتب اليهودي ساشا أبرامسكي ذلك بأنه انقلاب مشوّه على التقاليد الأخلاقية اليهودية. أما آرييل آنجل، رئيسة تحرير مجلة “جويش كارنتس”، فتذهب أبعد من ذلك مؤكدة: “اليهودية يجب أن تعني العدالة للشعب الفلسطيني أو لا شيء على الإطلاق”.
وقد لقيَ هذا المبدأ صدىً قويًا لدى الطلاب الناشطين اليهود المناهضين للصهيونية، وهي فئة غالبًا ما تُمحى من السرديات الرسمية حول الاحتجاجات الجامعية.
وفي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، شكّل هؤلاء الطلاب – الذين استُبعدوا من قبل حاخام مركز هيلل ورئيسة الجامعة سالي كورنبلوث، التي تخلط بين اليهودية والصهيونية في تصريحاتها بقولها “طلابنا الإسرائيليون واليهود” – مجموعة “يهود معهد ماساتشوستس من أجل وقف إطلاق النار” (التي أصبحت لاحقًا “يهود ماساتشوستس من أجل التحرر الجماعي“)، وساهموا في إطلاق مخيم “علماء ماساتشوستس ضد الإبادة الجماعية“.
الإنكار التفسيري
وفي كتابه حالات الإنكار، يتناول عالم الاجتماع الراحل ستانلي كوهين كيفية استجابة المجتمعات للفظائع مثل الإبادة الجماعية.
ويُميز بين ثلاثة أشكال من الإنكار: الإنكار الحرفي: الادعاء بأن الحدث لم يقع، والإنكار التفسيري: الاعتراف بوقوعه، لكن مع التقليل من أهميته أو إعادة تأويله، والإنكار الضمني: الإقرار بحدوثه، لكن مع نفي المسؤولية عنه.
وقد طبّق كوهين هذا الإطار على سياقات مثل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية، حيث أعاد الخطاب الرسمي تفسير الفظائع إمّا باعتبارها ضرورات أو حوادث معزولة.
ويعمل الإنكار التفسيري من خلال التلطيف اللغوي وتحويل اللوم: فالتعذيب يُسمّى “ضغطًا جسديًا معتدلًا”، والتهجير يُعاد توصيفه بـ”نقل سكاني”، والاختفاء القسري يُسمّى “إعادة توطين”، ومقتل المدنيين يُخفّف إلى “أضرار جانبية”.
وتظهر مثل هذه المراوغات في النقاشات حول إسرائيل وفلسطين، حتى بين بعض اللغويين، حيث يتم تخفيف وصف المجازر الجماعية إلى “تطهير عرقي”، أو يتم وصف المشروع الاستعماري الاستيطاني بشكل مذهل بأنه “غير استعماري” أو حتى “مناهض للاستعمار”، رغم الدعوات الصهيونية المبكرة إلى “استعمار فلسطين”.
وحذّر كوهين من خطورة الإنكار التفسيري، إذ يسمح للمجتمعات بـ”المعرفة” أو “عدم المعرفة” في الوقت نفسه. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك محاضرة أُألقتها الأكاديمية الإسرائيلية أوته ديخمان من جامعة بن غوريون في معهد ماساتشوستس في سبتمبر أيلول الماضي.
ففي محاضرتها ومراسلاتها اللاحقة معي عبر البريد الإلكتروني، استشهدت ديخمان بالترسانة الضخمة لإسرائيل كدليل على أنها لا ترتكب إبادة جماعية، بحجة أنه رغم امتلاكها القدرة على قتل جميع الفلسطينيين في غزة، فإنها اختارت عدم القيام بذلك. كما كررت مزاعم “هاسبارا” المألوفة والمفندة بأن الجيش الإسرائيلي يبذل قصارى جهده لتحذير المدنيين قبل شن الهجمات، بينما تستخدم حماس الفلسطينيين كدروع بشرية.
وتُظهر تدخلات ديخمان كيف يُعاد تدوير الإنكار التفسيري و”الاتهامات المضادة” من خلال السلطة الأكاديمية لتجريد النشاط المناهض للإبادة الجماعية من شرعيته.
ومن خلال تشويه صورة الاحتجاجات الطلابية الأخلاقية بوصفها منظَّمة من قبل حماس وممولة من قطر، أعادت تأطير المعارضة باعتبارها “إرهابًا” بالارتباط، بينما حجبت في الوقت نفسه التمويل الإسرائيلي الواسع للمنظمات الصهيونية داخل الجامعات لقمع الدعوات المؤيدة لفلسطين. ومع ذلك، استقبلها مضيفها في معهد ماساتشوستس بوصفها “واحدة من مؤرخينا”، وهي مؤرخة تضع إدعاءاتها الخطيرة الطلاب المناهضين للإبادة الجماعية في خطر، كما ظهر في قضيتي محمود خليل وروميساء أوزتورك مؤخرًا.
الإنكار الضمني
الإنكار الضمني، الذي وصفه كوهين بأنه “الخيار المفضل للجناة”، أكثر خطورة؛ إذ يقوم على التمسك بالتبرير الذاتي الأخلاقي مع إلقاء اللوم على الضحية.
وكما يلاحظ عالم الاجتماع السياسي مارتن شو، فإن الأدلة الدامغة على الفظائع في غزة قد قوّضت الإنكار الحرفي والتفسيري، إلا أن الإنكار الضمني ما زال قائمًا.
فوسائل الإعلام الغربية الكبرى باتت تعترف بوقوع الإبادة الجماعية، لكنها تتجنب الدعوة إلى اتخاذ إجراءات حكومية وتعيد صياغة الحقائق، وتصف القصف العشوائي الإسرائيلي بأنه “ضربات دقيقة”، وتردد أسطورة “أكثر الجيوش أخلاقية”، وذلك في مزيج من الإنكار الضمني والتفسيري.
هذا الخطاب الأورويلي، وسوء التفسير القانوني، والسرديات الاستعمارية تتقاطع لتشكّل ما يسميه الباحث في حقوق الإنسان نيف غوردون “الوصفة الإسرائيلية للانتقام الإبادي“، التي تعتبر الفلسطينيين “حيوانات بشرية” تستحق عنف الدولة.
وفي كتابه “مشكلات الإبادة الجماعية“، يذهب عالم السياسة ديرك موسيس خطوة أبعد، موضحًا كيف أن التعريف القانوني الضيق للإبادة الجماعية – باعتبارها قتلًا غير سياسي مدفوعًا بالكراهية القائمة على الهوية – يتيح استمرار هذا الإنكار الضمني.
ويمكن للسياسيين الإسرائيليين وغيرهم “من أدنى إلى أعلى مستويات الجيش الإسرائيلي” أن يدعوا علنًا إلى قتل المدنيين، بمن فيهم الأطفال، ومع ذلك يزعمون أن مثل هذه الأفعال تندرج تحت مسمى “مكافحة التمرد” أو “الأمن الدائم” ضد “الإرهابيين”، وليست نابعة من كراهية السكان الأصليين.
ويصور هذا البناء الإنكاري الفلسطينيين كتهديد دائم، ويضع إسرائيل في موقع الضحية الأبدية، مما يُطبع القتل الجماعي لشعب جائع باعتباره دفاعًا عن النفس. وكما يقول المؤرخ دانيال بلاتمان: “لقد بنت إسرائيل هوية الضحية على مدى ثلاثة أجيال، وبذلك تنكر الإبادة الجماعية في غزة”.
وبالمثل، فإن الصهاينة سيئي النية الذين يصفون حتى المقاومة الفلسطينية السلمية بأنها “إرهاب”، وأولئك الأقرب إلى بيئتي الأكاديمية الذين ينددون بالاحتجاجات السلمية المناهضة للإبادة باعتبارها “معاداة للسامية”، بينما يقلّلون من معاناة الفلسطينيين، يسعون في النهاية إلى نزع الشرعية عن المعارضة، وحجب حقيقة الاحتلال الإسرائيلي، وتبرير المزيد من العنف ضد الفلسطينيين.
لقد اعتمدت الدعاية الصهيونية منذ زمن طويل على هذه الآليات النفسية واللغوية كأدوات مترابطة في ترسانتها: عدوى العقل التي تُنشّئ الأطفال على سرديات الكراهية. والتنافر المعرفي الذي ينشأ حين تتناقض الحقيقة مع تلك السرديات، وتحريف الواقع والاتهامات المضادة التي تحل هذا التوتر عبر إسقاط الذنب على الضحايا، والإنكار التفسيري الذي يعترف بالعنف لكنه ينزع عنه تبعاته الأخلاقية. والإنكار الضمني الذي يصرّ على البراءة رغم وضوح المسؤولية.
ويكشف الكوميدي باسم يوسف هذه الإستراتيجية في مونولوج قصير، ساخر ومظلم، يفضح “كتيّب الهاسبارا” باعتباره عبثيًا بقدر ما هو خبيث.
الآليات المستخدمة
وفي ادعاءاتها المختلفة، تكرر الدعوى القضائية المرفوعة ضدي وضد معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إنتاج الأنماط ذاتها من التشويه، وتحريف الواقع، والاتهامات المضادة، والتنافر المعرفي، والإنكار التي تم تناولها أعلاه. وهي بذلك تقدّم دراسة حالة كاشفة عن كيفية عمل هذه الآليات النفسية واللغوية داخل مؤسسة مثل معهد ماساتشوستس لإسكات النقد الموجّه لإسرائيل ونزع الشرعية عن الدعوات المناهضة للإبادة الجماعية.
الادعاء الأول: “عدوى العقل” معاداة للسامية
أحد المزاعم المركزية التي قدّمها أحد المدّعين، الرئيس السابق لمنظمة غراد هيلل في معهد ماساتشوستس، هو أنني استخدمت عبارة “عدوى العقل اليهودي”، التي وصفها المدّعون بأنها معاداة للسامية. غير أنني لم أستخدم هذه الصياغة قط؛ فأبحاثي تشير تحديدًا إلى “عدوى العقل الصهيوني”، مستندةً إلى تحليلات بيليد-إلحانان حول التربية اللاإنسانية التي ترعاها الدولة في المناهج المدرسية الإسرائيلية. إن استبدال كلمة “يهودي” بـ”صهيوني”، أو التعامل مع الكلمتين باعتبارهما مترادفتين، يُحرّف عملي الأكاديمي، ويمحو إسهامات بيليد-إلحنان العلمية، ويشوّه نقدًا أكاديميًا موجّهًا ضد تلقين الدولة العنصري ليُقدَّم على أنه كراهية لليهود.
وهذا مثال واضح على الإنكار التفسيري والاتهامات المضادة، حيث يُسقط خطاب “بالغ الخطورة” على من ينتقدون العنصرية ضد الفلسطينيين وعواقبها المميتة. فقد استخدم المدّعي هذا الوصف ضدي في منشور علني على منصة “إكس”، بينما كان هو نفسه يحرّض في سلسلة تعليقات مليئة بالإهانات العنصرية والتهديدات، من بينها:
“…اجعلهم يتحملون المخاطر التي يلحقونها بالآخرين، سيصابون بالرعب حتى تنفجر معدوتهم…”
“…هذا هو النوع من التخلف الذي جعل هايتي تصبح هايتي…”
“لقد استخدمت مصطلح عدوى العقل دون أن تنسبه إلى مصدره. والقول إنه جاء من دوكينز لا يخدم حجتك. أنت قادم من بلد جزيرة يعاني من أزمات مأساوية. ربما عليك استخدام منصتك في معهد ماساتشوستس لمساعدة هايتي بدلًا من مهاجمة اليهود.”
“لو أردت أن أكون حقًا لئيمًا، لأشرت إلى أن ديغراف وصديقته التي تعيش معه يمكن العثور عليهما علنًا في… (تم حذفها حفاظًا على الخصوصية)”
“…سأشير إلى أن الأمر استغرق أقل من خمس دقائق للعثور عليه، وأن شخصًا يسهل العثور عليه مثل “الدكتور” ديغراف لا ينبغي أن يشجع العنف”.
قارنوا بين السمّ الذي وُجّه إليّ في ذلك النقاش وبين نبرة ردودي المتزنة، بل والأكاديمية، على أكاذيبهم وتشويهاتهم وإهاناتهم وافتراءاتهم. تصاعدت هذه الهجمات، التي كانت نتيجة متوقعة لـ”الخطاب شديد الخطورة” الذي تبناه المدّعي نفسه، إلى درجة أن شرطة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا طلبت من شرطة كامبريدج تكثيف الدوريات حول منزلي. ومع ذلك، اتهمني بقيادة حشد ضده على الإنترنت – وهو مثال نموذجي للمثل العربي “ضربني وبكى، سبقني واشتكى”.
الادعاء الثاني: الخلط بين الصهيونية واليهودية أو الفصل بينهما
وتزعم الدعوى أنني أخلط بين الصهيونية واليهودية في الوقت نفسه وأنكر أي صلة بينهما. في الواقع، لقد فرّقت دائمًا بين الاثنين، بينما كان المدّعون هم من خلطوا بين الأيديولوجية السياسية والهوية الدينية (أو أفسدوها لو أردنا التعبير بدقة أكبر). وتعكس رؤيتهم تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست لمعاداة السامية، الذي تعرّض لانتقادات واسعة، والذي – بخلاف إعلان القدس – يمحو تنوع وجهات النظر اليهودية، بما في ذلك المجموعات الطلابية المناهضة للصهيونية في جامعتي. ويحجب هذا الانزلاق الدلالي أيضًا بروز الصهيونية المسيحية، الذي يحمل لاهوتها المرتبط بنهاية الزمان دلالات معادية لليهودية بحد ذاته. إن التعامل مع كلمة “صهيوني” ككلمة بديلة عن “يهودي” يحوّل النقد الموجّه لمشروع سياسي إلى تهديد وجودي، حتى عندما يصدر عن المفكرين اليهود أنفسهم.
الادعاء الثالث: التصوير “العدواني”
وهناك ادعاء آخر هو أنني “صوّرت أحد المدّعين بشكل عدواني” و”دفعت هاتفي في وجهه”، لكن الأدلة المصوّرة من زوايا مختلفة (عند الدقيقة 20:00 هنا) تُظهر العكس تمامًا: المدّعي هو من لوّح لي من بعيد أولًا، وعندما رفضت الانضمام إلى مجموعته، اقترب مني هو ودفع وجهه باتجاه هاتفي بطريقة كان الهدف منها ترهيبي بوضوح. هذا التحريف هو مثال نموذجي على الاتهام العكسي، حيث يُسقط المعتدي أفعاله على الهدف ليبني سرديته عن المضايقة.
الادعاء الرابع: الكشف عن المعلومات الشخصية وتعريضها للخطر
ويزعم المدّعون أيضًا أنني “كشفت” معلومات شخصية عن أحدهم (مدرّس رياضيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) عبر مشاركة معلومات عن خدمته العسكرية في إسرائيل. لكن هذه المعلومات كانت متاحة للعامة مسبقًا: فقد كشف المدّعي بنفسه عن خدمته في البحرية الإسرائيلية على موقعه الشخصي وصفحات تابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وفي مقابلات مع قناة فوكس نيوز أعلن فيها جنسيته الإسرائيلية (الخدمة العسكرية إلزامية لمعظم المواطنين اليهود في إسرائيل) بينما كان يصف الطلاب المؤيدين لفلسطين بأنهم “إرهابيون”، وهي مقابلات انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إن وصف مشاركة معلومات متاحة على نطاق واسع بأنها “مضايقة” أو “والتشهير عبر الإنترنت” هو شكل كلاسيكي من أشكال تحريف الواقع والإنكار التفسيري الذي يُستخدم لترويج صورة زائفة عني كتهديد.
الادعاء الخامس: التنمّر على الطلاب اليهود والإسرائيليين
وتزعم الدعوى أن الطلاب اليهود والإسرائيليين تعرضوا للـ”تنمّر” أو الـ”منع” من دخول مخيم غزة، لكن الأدلة المصوّرة وشهادات العديد من الطلاب تكشف العكس تمامًا مرة أخرى: الطلاب المؤيدون لإسرائيل هم من دخلوا المخيم بطريقة وقحة لمضايقة مجموعة متنوعة من المحتجين المناهضين للإبادة، بمن فيهم الطلاب اليهود. انقلبت مجددًا أدوار المعتدي والضحية؛ حيث تعمل مثل هذه الادعاءات كاتهامات معكوسة أخرى.
الادعاء السادس: “الانتفاضة” كدعوة للإرهاب
ويجادل المدّعون، علنًا وفي نص الدعوى، بأن ترديد كلمة “انتفاضة” بالعربية هو دعوة للإرهاب ضد اليهود، رغم أن استخدامها الأساسي المعروف جيدًا هو في سياقات غير عنيفة بمعنى “التحرر” أو “المقاومة”. وكما هو الحال في الاحتجاج، يمكن أن تتخذ المقاومة أشكالًا متعددة، بما في ذلك الأشكال غير العنيفة، كما حدث في المرحلة المبكرة من الانتفاضة الأولى. إن مساواة “الانتفاضة” بـ”الإرهاب” هو شكل آخر من أشكال تحريف الواقع يُستخدم كسلاح لغوي لربط النشاط المناهض للإبادة بالعنف وتجريد الاحتجاج من شرعيته.
الادعاء السابع: التغطية الصحفية باعتبارها “تشهيرًا” و”حملة تشويه”
لقد أخطأ المدعون في وصف تقاريري الدقيقة عن الهجمات العلنية ضد نشطاء مناهضة الإبادة الجماعية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا باعتبارها “حملة تشويه”؛ فاعتراضهم على أن المجموعة الطلابية المشار إليها في مقالي في “لوموند ديبلوماتيك” لم تكن قد سُمّيت رسميًا بعد باسم “سيج” يتجاهل الاستمرارية الواضحة في العضوية والنشاط داخل تحالف معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من أجل فلسطين، وهو نفس التحالف الذي ساعد لاحقًا في تشكيل مخيم غزة خلال التعبئة الطلابية على مستوى البلاد.
وبعد أن فككت الشرطة المخيم، أُعيد استخدام اختصار “سيج” ليعبر عن “طلاب ضد الإبادة الجماعية في كل مكان”، بينما بقيت هوية المجموعة وأهدافها العامة كما هي. وينطبق نفس الأمر على مجموعة “يهود معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من أجل وقف إطلاق النار”، التي أصبحت لاحقًا “يهود معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من أجل التحرر الجماعي”. إن التركيز على تغيّر تسميات المنظمات بدلًا من التركيز على الأهداف الفعلية لاتهامات المدّعين – بما في ذلك تشويه صورة المحتجين المناهضين للإبادة الجماعية باعتبارهم “مؤيدين لحماس” أو الادعاء بأنهم “يدعون إلى أعمال إرهابية” – هو خداع لغوي مصمم لصرف الأنظار عن جوهر القضية.
ويجادل المدّعون في ردّهم على طلبات رفض الدعوى المقدّمة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومني، بأن إشارتي إلى أن أحدهم لديه “روابط قوية” في الحكومة والإعلام تُشكّل “صورة نمطية معادية للسامية”. ومع ذلك، فإن ذلك الشخص يروّج بشكل روتيني لعلاقاته مع شخصيات يمينية مثل كريستوفر روفو، وإيليز ستيفانيك، وهوارد لوتنيك، وتيم والبرغ.
وقد سعى الأخير؛ بصفته رئيس لجنة التعليم والقوى العاملة في مجلس النواب، إلى تجاوز المحاكم عبر مطالبته معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالكشف عن وثائق تتعلق بمعاداة السامية والصهيونية وفلسطين والتعاون البحثي مع إسرائيل، في مناورة ملتوية لحماية شراكات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في مجال العلوم والهندسة مع مؤسسات إسرائيلية متورطة في انتهاكات جسيمة رغم قوانين ليهي وسياسات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الخاصة بـ”الأضواء الحمراء” و”المخاطر المرتفعة“، التي تفرض سحب الاستثمارات في مثل هذه الحالات.
وفي النهاية، فإن جرأة ادعاء “التشهير” تجسّد النمط الأوسع من الاتهامات المعكوسة التي تسري في نص الدعوى. فمن خلال قلب الأدوار بين المشهّر والمشهَّر به، والمتنمّر والمتنمَّر عليه، والجاني والضحية، يُسقط المدّعون افتراءاتهم الخاصة على أولئك الذين فضحوا باستمرار مثل هذا التحريف للواقع لخدمة إفلات الاستعمار الاستيطاني من العقاب.
إخفاقات مؤسسية
ومن المفارقات أنني أتفق مع المدعين في أن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قد فشل في معالجة معاداة السامية، ولكن ليس بالطريقة التي يزعمونها. فقد تجاهلت قيادة المعهد بشكل متكرر مناشدات اليهود المناهضين للصهيونية بوقف تواطؤه في الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، واستبعدتهم من نطاق الاهتمامات الرسمية بشأن شعور الطلاب اليهود “بعدم الترحيب”.
وفشل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أيضًا في معالجة العنصرية ضد الفلسطينيين والإسلاموفوبيا، بما في ذلك تعاون أعضاء هيئة التدريس مع جيش متهم بالإبادة الجماعية، وهو ما وثّقه طلاب باحثون واستشهد به كل من تقرير للأمم المتحدة ورسالة من مقرري الأمم المتحدة إلى رئيس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بشأن انتهاكات الجامعة لحقوق الإنسان الخاصة بالطلاب.
وبدلًا من التعامل مع التفاصيل المقلقة لهذه النتائج أو كيفية تأثيرها على إجراءات “الأضواء الحمراء” و”المخاطر المرتفعة” الخاصة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المصممة للوقاية من انتهاكات حقوق الإنسان، رفض رئيس الجامعة تقرير الطلاب ووصفه بأنه استفزاز غير مقبول وتشويه متعمد للحقائق.
ونُشرت أبحاثهم في صحيفة “ذا تيك” الطلابية، ثم جرى سحبها لاحقًا، وهي خطوة وصفها المقرّرون الأمميون بأنها “استثناء فلسطيني” من حرية التعبير في حرم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واجهتُ أيضًا إجراءات انتقامية بسبب جهودي في تعزيز المعرفة حول فلسطين وإسرائيل، وشملت هذه الإجراءات الرقابة، وتقييد حرية التعبير، واستبعادي من وحدتي الأكاديمية التي عملت فيها لمدة 28 عامًا (بما في ذلك صفحتها على فيسبوك)، فضلًا عن تخفيض راتبي.
وتمتد ازدواجية المعايير المؤسسية إلى ما هو أبعد من الإجراءات الإدارية، فقد خضع مقالي الذي قدّمته إلى نشرة أخبار هيئة التدريس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حول الحرية الأكاديمية للرقابة تحت ذرائع غامضة تتعلق بخطر التشهير، في حين تم نشر مقال آخر يحتوي على ادعاءات تشهيرية ضدي.
وتتعارض السجلات العامة – التي ذكرت بعضها بالفعل – مع هذه الادعاءات وتكشف عن نمط طويل الأمد من التشويه والاتهامات المضادة الموجهة إليّ لتوثيقي الهجمات على النشطاء الطلاب.
ويعكس هذا النمط مناخًا أوسع من القمع في الجامعات الأمريكية، حيث يواجه الباحثون دعاوى قضائية وانتقامًا إداريًا ورقابة بسبب دراستهم للتاريخ الصهيوني وأفعال إسرائيل في فلسطين.
وتستخدم مثل هذه الأساليب الاتهامات بمعاداة السامية كسلاح لخنق الخطاب المناهض للصهيونية وتحويل الجامعات إلى بؤر للقمع بدلًا من أن تكون مواقع للبحث الحقيقي.
إن الأحكام القضائية الأخيرة التي رفضت محاولات قمع التعبير المناهض للصهيونية، بما في ذلك الأمر الصادر الأسبوع الماضي، تمثل دفاعًا مهمًا عن الحرية الأكاديمية وحق انتقاد أي مشروع سياسي، بما في ذلك الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية.
البحث النقدي
وإذا سُمح باستمرار الدعاوى القضائية ذات الدوافع السياسية، فإن الجامعات تخاطر بأن تصبح شريكة في ارتكاب الفظائع، مما يقوّض الحرية الأكاديمية والسعي وراء الحقيقة.
أرفض قبول مثل هذا المستقبل.
إن سوء تفسير المدّعين لمصطلحات مثل “الصهيونية”، و”معاداة السامية”، و”الاستعمار”، و”انتفاضة”، و”المقاومة” يؤكد على أن اللغويات والدراسات النقدية أدوات لا غنى عنها للتفاهم المتبادل – #العقل والقلب والعقل من أجل عالم أفضل، كما في شعار معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
غير أن التهديد الموجه للحرية الأكاديمية لا يقتصر على الدعاوى الخارجية، فالمعايير الانتقائية للكلام والنشر داخل الجامعات تُعيد إنتاج البُنى الأوسع للقمع ضد الفلسطينيين، كما أظهرت رسالتي المفتوحة إلى النشرة الإخبارية لهيئة التدريس وإلغاء عدد خاص كامل من مجلة هارفارد التعليمية حول “التعليم وفلسطين”.
إن المحررين الذين يستحضرون ذريعة “احتمال التشهير” لقمع الانتقادات الموجّهة إلى التواطؤ المؤسسي ينشرون بحرية مقالات تشهّر بأعضاء هيئة التدريس المعارضين، وتعكس مثل هذه الرقابة الإدارية استخدام المادة السادسة من القانون الفيدرالي والاتهامات بمعاداة السامية كسلاح لمعاقبة من يتحدثون من أجل حرية الفلسطينيين.
وقد تجلّت هذه المعايير المزدوجة في المحاضرة التي شوّهت واقع إبادة إسرائيل في غزة وشبّهت المحتجين الطلابيين المناهضين للإبادة، بمن فيهم اليهود المناهضون للصهيونية، بجماهير نازية معادية لليهود في ألمانيا ثلاثينيات القرن الماضي. مثل هذا “التلوث الفكري“، الذي يتنكر في شكل بحوث علمية في جامعات مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يضفي على الدعاية طابعًا أكاديميًا بينما يشوه سمعة من يتحدونها.
هل ستدعو كلية التاريخ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أحد منكري الهولوكوست كمتحدث في ندوة من أجل “تنوع وجهات النظر” أو “الحياد”؟
نحن بحاجة عاجلة إلى فضاءات أكاديمية وعامة يمكن فيها السعي وراء الحقيقة والعدالة دون خوف، وكما يذكّرنا تحالف طلاب فلسطين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فإن القصة الحقيقية هنا ليست الناشطين الصهاينة الذين يمتلكون الوسائل المادية والدعم السياسي للانخراط في دعاوى قانونية ضد الفلسطينيين، بل هي الفظائع المستمرة في غزة: مدارس المقصوفة، والعائلات المحروقة، والتعذيب المنهجي، والسكان الذين يعيشون تحت الحصار.
ولمواجهة هذه الاعتداءات على الحقيقة والإنسانية، يجب أن ندافع عن حرية التعليم والتعلّم والمعارضة، بمواجهة ما يسميه محمد علي الخالدي “إنتاج الجهل” حول فلسطين داخل مؤسساتنا نفسها.
إن الخيار المطروح أمام الأوساط الأكاديمية الآن هو اختبار حاسم: إما أن نُطبع الإبادة الجماعية أو أن نستعيد رسالتنا كـ”مثقفين مسؤولين“، ونبني تضامنًا متعدد الجوانب نحو تحررنا الجماعي والمشترك.
المصدر: ميدل إيست آي