في سابقة خطيرة وتحدٍ مباشر للقانون الدولي، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في حي الشيخ جراح شرق القدس، وعملت على إخلائه قبل أن تبدأ جرافات إسرائيلية بهدم منشآته.
ورفع جنود الاحتلال علم “إسرائيل” فوق المبنى الأممي بعد إنزال راية الأمم المتحدة عنه، بينما احتفل وزراء إسرائيليون متطرفون بالمشهد واعتبروه “يومًا تاريخيًّا”.
يأتي هذا التطور تتويجًا لحملة تصعيدية ضد الوكالة شملت استصدار قوانين لحظرها في القدس وملاحقة موظفيها، مما يثير تساؤلات حول حصانة مواقع الأمم المتحدة ويفتح فصلًا جديدًا يهدد مستقبل خدمات أونروا للاجئين الفلسطينيين.
ما الذي هُدم بالضبط؟
مقر أونروا المستهدف يقع في منطقة تلة الذخيرة شمال القدس. وقد سوّت الآليات عدة مبانٍ كبيرة فيه ومنشآت صغيرة بالأرض داخل حرم المقر الذي كانت تستخدمه الوكالة لتخزين المساعدات وإدارة عملياتها.
وأظهرت مقاطع فيديو حجم الدمار الذي لحق بالمجمع الأممي بعد تسوية مرافقه، حيث تناثرت أكوام الركام وبقايا المباني التي كانت تضم مكاتب لعشرات الموظفين.
على رأسهم بن غفير.. قوات الاحتلال تقتحم مقر الأونروا في الشيخ جراح بالقدس وتهدم منشآته وترفع علمه بعد قانون حظر الوكالة. pic.twitter.com/LCEnNy5Wnd
— نون بوست (@NoonPost) January 20, 2026
ويؤكد مسؤولون في أونروا أن هذه المنشآت المدمرة شملت مخازن تستخدم لتجهيز المساعدات الموجهة للضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب مباني إدارية كانت قلب عمليات الوكالة بالقدس.
لم يكن المقر يستخدم فعليًّا منذ نحو عام، إذ اضطرت الوكالة لإخلائه في يناير/كانون الثاني 2025 إثر تلقيها أوامر إسرائيلية بوقف كافة أنشطتها في القدس.

لكن ذلك لم يمنع سلطات الاحتلال من ادعاء ملكية الموقع والزعم أن المجمع “لا يتمتع بأي حصانة”. وهو ادعاء دحضته أونروا مؤكدةً أن الموقع مستأجر من أصحابه الفلسطينيين بموجب اتفاقيات رسمية.
وقد رافق وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير شخصيًّا الجرافات أثناء الهدم، ونشر مقطع فيديو من أمام ركام المبنى محتفياً بقوله: “هذا يوم عيد… تم طرد داعمي الإرهاب” على حد تعبيره.
ويعد هذا الاقتحام هو الثاني للمقر في أقل من شهر، إذ جرى الأول في 23 ديسمبر/ كانون الأول 2025 وتخلله رفع قوات الاحتلال للعلم الإسرائيلي أيضا، ما أثار غضب الوكالة الأممية آنذاك.
حصانة تحت المجهر
أثار هدم مقر أونروا المحصَّن نظريًا باعتباره موقعًا أمميًا موجة تنديد دولية وتساؤلات قانونية حول الحصانة الدبلوماسية لمقار الأمم المتحدة.
وفق اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، تلتزم الدول الأعضاء باحترام حرمة مباني المنظمة وحمايتها.
ويرى خبراء القانون الدولي أن اقتحام قوات الاحتلال لمقر أونروا وهدمه انتهاك صارخ لهذه الالتزامات، إذ يؤكد نص الاتفاقية على عدم جواز دخول أي طرف إلى مقرات الأمم المتحدة أو التعرض لها دون إذن.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن الخطوة الإسرائيلية “غير مقبولة على الإطلاق” وتتنافى مع التزامات “إسرائيل” الواضحة بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مطالبا سلطات الاحتلال بوقف الهدم فورًا وإعادة الممتلكات المصادرة إلى المنظمة دون تأخير.
وقبل أيام من الهدم، وجّه غوتيريش رسالة رسمية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هدد فيها باتخاذ إجراءات قانونية دولية عبر اللجوء إلى محكمة العدل الدولية ما لم تتراجع “إسرائيل” عن قوانينها وإجراءاتها التي تستهدف أونروا وتُعيد للأمم المتحدة مقراتها المصادَرة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا أكد عدم شرعية عرقلة عمل مؤسسات الأمم المتحدة في الأراضي المحتلة.
وعلى الجانب الآخر، حاولت حكومة الاحتلال تبرير سلوكها بالاستناد إلى تشريع محلي سنّه البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) أواخر 2024 لحظر أنشطة أونروا في نطاق ما تعتبره “سيادتها”.
وأمام هذا التصعيد، حذرت أونروا من أن تقويض حصانة الأمم المتحدة في القدس يمثّل سابقة خطيرة قد تتكرر ضد بعثات دبلوماسية ومنظمات دولية أخرى إذا لم يلقَ ردعًا.
تداعيات مباشرة على الخدمات
تُدير أونروا منذ عقود شبكات مدارس وعيادات في شرق القدس ومخيمي شعفاط وقلنديا للاجئين، ما يجعل هدم مقرها وإخراجها القسري خطوة ذات أثر حقيقي على حياة آلاف الفلسطينيين.
1- على الصعيد التعليمي
كانت الوكالة تُشرف على سبع مدارس في القدس بمناهج مستقلة يستفيد منها نحو 1800 طالب من أبناء اللاجئين.
لكن في مايو/أيار 2025، وتحت ضغط القانون الإسرائيلي الجديد، داهمت شرطة الاحتلال مدارس أونروا وأغلقت ست مدارس دفعة واحدة في مخيم شعفاط وأحياء أخرى بالقدس، تاركةً حوالي 550 طالبًا بلا مقاعد دراسية.
سلمت الشرطة حينها إخطارات تحظر أي نشاط تعليمي برعاية الوكالة في القدس، واعتقلت موظفًا واحدًا على الأقل من الطواقم التعليمية.
أدى هذا الإغلاق إلى حرمان مئات الأطفال من حقهم في التعليم، واضطر الأهالي للبحث عن بدائل محدودة.
فمعظم المدارس الحكومية الفلسطينية (الأوقاف) بالقدس مكتظة أصلًا، ولم يكن أمام الكثيرين إلا الخيار الصعب بإلحاق أبنائهم بمدارس بلدية الاحتلال التي تدرّس المنهاج الإسرائيلي.
ويخشَى الأهالي من ضياع الهوية الوطنية في المناهج الإسرائيلية ومن تعرض أبنائهم للتمييز، فضلًا عن بعد تلك المدارس عن تجمعاتهم داخل المخيمات.
2- الجانب الصحي والاجتماعي
يدير مكتب الوكالة عيادات صحية أساسية يعتمد عليها اللاجئون، من بينها عيادة مركزية في قلب البلدة القديمة وأخرى داخل مخيم شعفاط، تقدم خدمات الطب العام ورعاية الأمومة والتطعيم لأعداد كبيرة.
ووفق معطيات أونروا يخدم برنامج الصحة التابع لها آلاف اللاجئين المقدسيين سنويًا، ممن لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج في المراكز الخاصة أو لا تشملهم التأمينات الصحية الإسرائيلية.
كما تشرف الوكالة على مركز تدريب مهني في قلنديا يوفر سنويًا تأهيلًا في الحرف والتقنيات لأكثر من 300 شاب وشابة بهدف تمكينهم من دخول سوق العمل.
المركز تعرض بدوره لاستهداف إسرائيلي متزامن مع هدم المقر الرئيسي؛ حيث اقتحمته قوات الاحتلال وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق الطلبة بذريعة البحث عن موظفين تابعين لأونروا، ما أسفر عن إصابة عدة طلاب بحالات اختناق وإصابة فتى (15 عامًا) بعيار مطاطي في عينه.
تقول أونروا إن استمرار هذه الإجراءات يهدد بإغلاق مركز قلنديا وتعطيل برامج التدريب فيه، مما يحرم مئات الشباب من فرصة اكتساب مهارات أساسية لكسب العيش.
وإجمالًا، يبلغ عدد اللاجئين المسجلين لدى أونروا في القدس ومحيطها قرابة 110 آلاف لاجئ موزعين بين المخيمات ومناطق المدينة المختلفة.
ويشكّل مخيما شعفاط وقلنديا وحدهما موطنًا لأكثر من 32 ألف فلسطيني (نحو 16,500 بكل منهما) يعيشون في ظروف صعبة وتعتمد شريحة واسعة منهم على خدمات الوكالة في التعليم والصحة والإغاثة.
وبالتالي فإن إضعاف وجود أونروا أو إنهاءه في القدس ستكون له انعكاسات إنسانية عميقة على هذه الفئة الضعيفة.
ماذا بعد؟
يرى مراقبون أن هدم مقر أونروا وإخراجها من القدس قد يكون بداية النهاية لدور الوكالة في فلسطين، إن لم يكن جرس إنذار أخير للمجتمع الدولي.
فعلى امتداد الضفة الغربية وقطاع غزة، تعمل أونروا منذ عقود في إدارة المخيمات وتقديم الخدمات الأساسية لملايين اللاجئين، لكن إجراءات الاحتلال الأخيرة تطرح تساؤلات حول مستقبل هذه العمليات.
في الضفة الغربية، لا ينطبق قانون الحظر الإسرائيلي مباشرة، إذ أن مناطق السلطة الفلسطينية ما زالت نظريًا خارج نطاق “السيادة الإسرائيلية القانونية”. ومع ذلك، شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدًا في عوائق الاحتلال أمام عمل الوكالة هناك أيضًا، من خلال الاقتحامات المتكررة للمخيمات ومضايقة الموظفين وحتى سحب تصاريح بعضهم.
وفي غزة، ورغم أن سلطات الاحتلال لا تتواجد ميدانيًا في منطقة عمل أونروا، فهي تستخدم أساليب أخرى للتضييق على الوكالة كخفض كميات الإمدادات المسموح دخولها واستهداف منشآت الوكالة خلال الحرب المستمرة.
وقد أدى العدوان الإسرائيلي على غزة منذ 2023 إلى استشهاد 382 موظفًا من أونروا أثناء تأدية واجبهم، في خسارة هي الأكبر في تاريخ الوكالة. كما تعرضت عشرات المدارس والمرافق في القطاع للقصف والدمار، ما أربك قدرتها على تقديم الخدمات هناك وفاقم أزمة النزوح واللجوء.
أمام هذا الواقع، تدرس أونروا بدائل وخطط طوارئ لضمان استمرار خدماتها الأساسية. ففي القدس، تحاول نقل بعض عملياتها إلى مواقع بديلة في الضفة القريبة، كأن تتم متابعة ملفات اللاجئين المقدسيين من مكاتبها برام الله أو أريحا مؤقتًا.
لكن هذا الحل يصطدم بعقبات لوجستية وسياسية، منها صعوبة وصول اللاجئين المقدسيين إلى تلك المكاتب عبر الحواجز الإسرائيلية.
وتخشى الجهات الفلسطينية وأونروا أن يكون الهدف هو شطب قضية اللاجئين عبر تفكيك المؤسسة الوحيدة التي ترعاهم وتوثّق وضعهم القانوني. وقال المفوض العام للوكالة، فيليب لازاريني إن الهدم الأخير يأتي في أعقاب خطوات اتخذتها سلطات الاحتلال “لطمس هوية لاجئي فلسطين”.
على الصعيد الدولي، تبدو الصورة قاتمة لكن لم تُحسم بعد. فما زال تفويض أونروا قائمًا بقرار من الأمم المتحدة يجدد دورياً، وتحظى الوكالة بدعم مالي كبير من الاتحاد الأوروبي ودول عربية وآسيوية لتعويض النقص الذي أحدثه وقف التمويل الأمريكي عام 2018 ثم 2024.
وقد أكدت الأمم المتحدة أنها لن تتخلى عن مسؤوليتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين في القدس رغم العراقيل، ودعت إلى استكشاف وسائل قانونية لفرض احترام وضع أونروا.
ويمثل هدم مقر أونروا بالقدس اختبارا عمليا لحصانة الأمم المتحدة على الأرض الفلسطينية المحتلة، قد يرسم معالم المرحلة المقبلة: إما تراجع إسرائيلي تحت ضغط دولي يعيد الأمور إلى نصابها، أو تمادي الاحتلال في مخططه لإنهاء عمل الوكالة مما ينذر بتبعات إنسانية وسياسية خطيرة.