لم يكن رفعت الأسد مجرد شقيق لرئيس أو عمّ لرئيس آخر، بل كان أحد أكثر رجال السلطة السورية إجرامًا في القرن العشرين، فقد ارتبط اسمه بمجازر جماعية، ودمار مدن، ودفن آلاف السوريين في مقابر جماعية، ثم بحياة مترفة في منافي أوروبا بأموال منهوبة من بلدٍ أنهكه القمع.
من سجن تدمر إلى حماة، ومن سرايا الدفاع إلى قصور باريس ومدريد، شكّل رفعت الأسد، نموذجًا فجًّا لجلادٍ أفلت من العقاب لعقود، ولقي حتفه أخيرًا في 21 يناير/كانون الثاني 2026 وفق ما نقلت وكالة رويترز عن مصدرين.
النشأة والصعود
وُلد رفعت علي سليمان الأسد في قرية القرداحة بمحافظة اللاذقية، معقل عائلة الأسد وجوهر منطقة نفوذ الطائفة العلوية التي ينتمي إليها.
صعد نجمه في الجيش السوري ووصل إلى رتبة ضابط بارز. وكان من المشاركين في انقلاب عام 1970 الذي أوصل شقيقه حافظ الأسد إلى سدة الحكم، لتبدأ مسيرته في دوائر السلطة.
تولّى رفعت قيادة وحدات عسكرية خاصة عُرفت باسم “سرايا الدفاع”، شكّلت ما يشبه الحرس الخاص للنظام.
عزز نفوذه داخل الجيش والأجهزة الأمنية، وأصبح أحد أكثر رجال النظام بطشًا وقربًا من مركز صنع القرار في حقبة السبعينيات.
مجزرة سجن تدمر (1980)
في 27 يونيو/حزيران 1980، ارتكب رفعت الأسد واحدة من أبشع المجازر في تاريخ سوريا الحديث داخل سجن تدمر الصحراوي.
جاءت المجزرة انتقامًا من محاولة فاشلة لاغتيال حافظ الأسد، حيث أصدر رفعت أوامره لقوات سرايا الدفاع باقتحام السجن وقتل السجناء السياسيين.

قُتل في غضون أقل من ساعة نحو 1000 معتقل بإطلاق النار والقنابل اليدوية داخل الزنازين، ثمّ دُفنت الجثث في مقابر جماعية، ونُفّذت المجزرة بتكتّم شديد ولم يُعرف عنها شيئًا إلا بعد شهور عندما اعترف بعض المشاركين فيها أثناء وقوعهم بيد العدالة في دولة مجاورة.
ظلّت مجزرة تدمر رمزًا لبشاعة حقبة الثمانينيات في سوريا، ولم يخضع أيّ من منفذيها للمحاسبة حتى اليوم.
مجزرة حماة (1982)
بلغ إجرام رفعت الأسد ذروته في فبراير/شباط 1982 عندما قاد حملة عسكرية ساحقة لسحق انتفاضة في مدينة حماة وسط سوريا.
فبعد تمرد نفّذه أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين ومعارضون آخرون، أطبق الجيش السوري وقوات سرايا الدفاع بقيادة رفعت على المدينة وفرضوا حصارًا شاملًا استمر قرابة الشهر.
تعرّضت أحياء بكاملها للتدمير بالقصف المدفعي والجوي، ونُفّذت عمليات تصفية جماعية بحق السكان بحجة ملاحقة المسلحين.
قدّرت المصادر أن أكثر من 10 آلاف مدني قُتلوا خلال تلك الحملة الوحشية، بينما أشارت تقارير لاحقة لمنظمات حقوقية مستقلة إلى أن العدد قد يصل إلى 40 ألف ضحية من المدنيين.
جسدت مجزرة حماة نهج النظام في الترهيب الجماعي، وصارت مثالًا صارخًا على سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها نظام الأسد الأب، والتي استلهم منها لاحقًا بشار الأسد الأساليب نفسها في قمع انتفاضة عام 2011.
ورغم فداحة المجزرة، لم يُقدم أي من المسؤولين عنها للعدالة في ذلك الوقت، بل استمر رفعت الأسد في مناصبه معززًا بمكانة أقوى داخل النظام بفضل “إنجازه” الدموي هذا.
الصدام مع حافظ الأسد ومغادرة سوريا (1984)
أدى تغوّل نفوذ رفعت بعد مجزرة حماة إلى تصاعد التوتر بينه وبين شقيقه الرئيس حافظ الأسد، فبعد أن تعرض حافظ لمشكلات صحية عام 1983، طمع رفعت في السلطة وبدأ يحشد قواته ويطرح نفسه خليفةً محتملًا.
عُيّن نائبًا لرئيس الجمهورية في 1984 خلال فترة غياب حافظ للعلاج، لكن ما إن تعافى الأخير حتى اندلع الخلاف بصورة دراماتيكية.
حاول رفعت تنفيذ انقلاب عسكري مستغلًا ولاء وحدات سرايا الدفاع له، فأمر قواته بالانتشار واحتلال مواقع حيوية في دمشق في مارس/آذار 1984.

كادت تتحول الخلافات إلى مواجهة مسلحة شاملة بين قوات رفعت وقطعات الجيش الموالية لحافظ، إلا أن الأخير تدخّل واحتوى الموقف في اللحظات الأخيرة.
أسفر ذلك عن فشل محاولة الانقلاب وفرار رفعت الأسد إلى خارج البلاد، وجُرد من مناصبه ونُفي عمليًا، لينتهي بذلك نفوذه المباشر في سوريا ويبدأ فصل المنفى الطويل.
سنوات المنفى والثروة المشبوهة
استقر رفعت الأسد في منفاه الأوروبي متنقلًا بين فرنسا وإسبانيا وسويسرا، حيث عاش حياة فارهة عكسها امتلاكه عقارات فخمة وحاشية أمنية خاصة ترافقه.
أسس لنفسه صورة رجل أعمال ثري مستفيدًا من أموال طائلة خرجت من سوريا خلال حقبة نفوذه. وقد شوهد في منتجعات راقية مثل منتجع ماربيا الإسباني برفقة حرسه، فيما امتلك قصورًا وشققًا فاخرة في أنحاء أوروبا.
ظل مصدر هذه الثروة محل شكوك كبيرة، إذ تشير المنظمات الحقوقية إلى أنها أموال منهوبة من خزينة الدولة السورية خلال فترة وجوده في السلطة.
ورغم حياته الباذخة في المنفى، لم يتخلَّ رفعت عن طموحاته السياسية كليًا؛ فقد عارض تنصيب ابن أخيه بشار الأسد رئيسًا عقب وفاة حافظ عام 2000، معتبرًا نفسه الأجدر بالخلافة، لكن محاولته إعلان نفسه خليفةً شرعيًا باءت بالفشل ولم تجد أي صدى.
كما حاول تلميع صورته مع انطلاقة الثورة السورية عام 2011، فدعا من منفاه إلى تنحي بشار حقنًا للدماء، لكنه في الوقت ذاته سعى لتبرئة ساحة النظام بادعاء أن ما يحدث كان نتيجة أخطاء تراكمت عبر السنين وليس مسؤولية مباشرة من الأسد الابن.
لم يكن لتلك المواقف أي تأثير يُذكر، إذ كان رصيده الدموي كفيلًا بجعل المعارضة السورية تنبذه وترفض أي دور له.
الملاحقات القضائية في أوروبا
أمضى رفعت الأسد عقودًا في أوروبا بمنأى عن المحاسبة على جرائمه في سوريا، لكن تورطه في قضايا فساد أثار اهتمام السلطات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.
في عام 2013 تقدمت منظمات مكافحة الفساد بدعاوى قضائية تتهمه بتبييض أموال عامة سورية عبر شركات وهمية، ما أدى إلى تحقيقات موسعة في فرنسا وإسبانيا.
وفعلًا، أدان القضاء الفرنسي رفعت الأسد عام 2020 بتهمة اختلاس أموال عامة سورية وتبييضها لشراء ممتلكات عقارية ضخمة في فرنسا.
صدر بحقه حكم بالسجن أربع سنوات ومصادرة جميع ممتلكاته في فرنسا، التي قدّرت قيمتها بنحو 100 مليون يورو، بالإضافة إلى مصادرة عقار فخم له في لندن بقيمة 29 مليون يورو.

وعلى الرغم من سنّه المتقدم وحالته الصحية التي حالت دون دخوله السجن فعليًا، شكلت تلك الإدانة سابقة مهمة سلطت الضوء على ثروته غير المشروعة.
كذلك واجه رفعت ملاحقة قضائية في سويسرا تتعلق بجرائمه القديمة في سوريا؛ إذ أعلنت النيابة العامة الفيدرالية السويسرية في مارس/آذار 2024 عزمها على محاكمته بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لدوره في مجزرة حماة 1982.
جاء ذلك بعد تحقيق استمر سنوات وجمع أدلة وشهادات تدينه بمسؤوليته المباشرة عن الفظائع المرتكبة. وبالرغم من هذه الملاحقات، ظلّ يُنكر أي مسؤولية عن الانتهاكات، مصورًا نفسه كشخص مضطهد سياسيًا لا كمجرم حرب، في محاولة منه للتملص من تبعات سجله الدموي.
العودة الأخيرة إلى سوريا ونهاية المطاف
بعد أكثر من 36 عامًا في المنفى، سمح بشار الأسد بعودة عمّه رفعت إلى سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2021 في صفقة غير معلنة لتجنيبه تنفيذ حكم السجن في فرنسا.
عاد رفعت بالفعل إلى دمشق بعد تسوية ضمنية أبعدته عن أي دور سياسي أو اجتماعي، وفق ما نشرته حينها صحيفة مقربة من النظام.
ظهرت صور تجمعه ببشار الأسد في عام 2023، ما عكس حصول مصالحة عائلية شكلية. لكن هذه العودة لم تدم طويلًا؛ فمع انهيار حكم بشار وخروجه من السلطة في سياق تطورات درامية عام 2024، وجد رفعت نفسه مجددًا في مهبّ المصير.
حاول الفرار من سوريا عبر قاعدة عسكرية روسية، إلا أن القوات الروسية منعته من المغادرة، ووفق روايات مقربين، اضطر رفعت للهرب برًا إلى لبنان حيث نُقل بشكل مهين – إذ حُمل على ظهر أحد مرافقيه أثناء اجتيازه نهرًا حدوديًا – في مشهد يلخّص سقوط نفوذ آل الأسد.
انتقل رفعت لاحقًا إلى الإمارات حيث أقام في أيامه الأخيرة بعيدًا عن الأضواء، هناك أسدل الستار على حياته في 2026، ليلفظ أنفاسه الأخيرة عن 88 عامًا وهو بعيد عن سوريا التي أراق فيها دماء شعبها.
وهكذا توفي “سفاح حماة” دون أن يواجه عقابًا حقيقيًا على جرائمه التاريخية، تاركًا إرثًا داميًا سيظل وصمة عار في تاريخ عائلة الأسد وفي ذاكرة السوريين.