ترجمة وتحرير: نون بوست
سمِع سامي الساعي حراس السجن الإسرائيليين الذين اعتدوا عليه جنسيًا يضحكون أثناء الاعتداء، قبل أن يتركوه مقيّد اليدين ومعصوب العينين يتألم على الأرض بينما خرجوا ليأخذوا استراحة لتدخين السجائر. وقد أشار إلى أن أحد أفراد المجموعة كان يعلم أن هناك جريمة تُرتكب، فتدخل لكن ليس لإيقاف التعذيب بل لمنع توثيقه، إذ سمعه يحذر الآخرين قائلاً: “لا تلتقطوا الصور، لا تلتقطوا الصور” أثناء الاعتداء.
تسبب الاعتداء للساعي في نزيف على مستوى المستقيم استمر لأكثر من ثلاثة أسابيع، علما بأنه تعرض له بعد فترة وجيزة من اعتقاله في فبراير/شباط 2024. حسب ما رواه عن التعذيب الجنسي الذي استمر أكثر من 20 دقيقة، فقد تخلله ضرب على مؤخرته، وضغط شديد من أحد الحراس على أعضائه التناسلية، إضافة إلى الإيلاج الشرجي القسري باستخدام جسمين مختلفين.
وقال في مقابلة عن معاناته: “حاولت منعهم بشدّ عضلاتي لكنني لم أستطع. لقد أدخلوها بعمق شديد، وكان الأمر مؤلمًا للغاية. لا أعرف كم كان صراخي عاليًا من شدة الألم”. وأضاف أن الألم كان شديدًا لدرجة أنه انهار مرتين عندما طُلب منه الوقوف والمشي بعد ذلك. وبعد نقله إلى زنزانة مكتظة، قال إنه لم يتلقَ أي علاج طبي واضطر لاستخدام أوراق المرحاض لوقف النزيف.
كان الساعي (47 عامًا)، وهو أب لستة أبناء، محتجزًا من دون توجيه تهمة أو محاكمة حتى يونيو/ حزيران 2025. وبعد نحو 40 يومًا من إطلاق سراحه، نشر مقطع فيديو على منصة تيك توك يروي فيه تفاصيل الاعتداء، متحديًا الوصمة الاجتماعية والتحذيرات الإسرائيلية من الكشف عن الانتهاكات التي تحدث في السجون. وحيال ذلك قال: “لم أستطع التزام الصمت. لدي مسؤولية أخلاقية للإفصاح عما حدث لي ولغيري من الأسرى”.
“شبكة من معسكرات التعذيب للفلسطينيين”
وثّق مراقبون محليون ودوليون، بما في ذلك أطباء والمدعي العام العسكري الإسرائيلي ولجنة الأمم المتحدة المعنية بالتعذيب، حالات عنف جنسي واسعة النطاق ومتطرفة في السجون المدنية والعسكرية الإسرائيلية. وصفت منظمة حقوق الإنسان “بتسيلم” في تقرير صدر يوم الثلاثاء “نمطًا خطيرًا من العنف الجنسي في مراكز الاحتجاز والسجون”، مسلطة الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية.
حسب التقرير، تتراوح هذه الانتهاكات بين “التهديدات بالاعتداء الجنسي، مرورًا بالتعرية القسرية، وصولاً إلى اعتداءات جنسية فعلية. وتشمل هذه الانتهاكات ضربات على الأعضاء التناسلية تسببت في إصابات خطيرة، وإطلاق الكلاب على الأسرى، والإيلاج الشرجي القسري باستخدام أدوات مختلفة”.
في المقابل، نفى متحدث باسم مصلحة السجون الإسرائيلية هذه المزاعم قائلا إن المؤسسة “ترفض بشكل قاطع الادعاءات الكاذبة الواردة في تقرير بتسيلم”، مؤكدًا أنها “ليست على علم بالمزاعم التي وصفها الساعي وغيره من الناجين من العنف الجنسي”. وأضاف المتحدث: “يُحتجز جميع السجناء وفق القانون، مع مراعاة حقوقهم، بما في ذلك الحصول على الرعاية الطبية عند الحاجة وتوفير ظروف احتجاز وفقًا للقانون”.

اعتقل الجنود الإسرائيليون تامر قرموط (41 عامًا) في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 أثناء مداهمتهم مستشفى كمال عدوان في شمال غزة، حيث لجأت أسرته. وقال إنه خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى وُجّهت إليه تهمة الانتماء لمسلحين – رغم أنه أصيب بإعاقة في ساقه منذ سنوات مراهقته – وتعرض لضرب مبرح أدى إلى ضرر دائم في سمعه، كما هاجمه كلب ثم تعرض لاعتداء جنسي من أحد الجنود.
وأضاف في شهادته التي أدلى بها لمنظمة “بتسيلم”: “أدخل عصا خشبية وتركها هناك لنحو دقيقة ثم أخرجها. ثم أعاد إدخالها بقوة أكبر، فصرخت بأعلى صوتي من شدة الألم. وبعد دقيقة أخرج العصا مجددًا، ثم أمرني بفتح فمي، ثم دفع العصا داخله وأجبرني على لعقها”. احتُجز قرموط لما يقارب عامين من دون توجيه أي تهمة أو مثوله أمام محكمة، قبل أن يتم الإفراج عنه في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بموجب اتفاق توسط فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ومن جهتها، لم ترد قوات الدفاع الإسرائيلية على طلبات التعليق على الفور.
يُعد تقرير “بتسيلم” هذا الثاني من نوعه حول الأوضاع في السجون المدنية والعسكرية الإسرائيلية. وأوضح أنه بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحولت مراكز الاحتجاز إلى شبكة “مكرّسة لتنفيذ سياسة إساءة معاملة السجناء”، حيث أصبح التعذيب “أمرًا مقبولًا”، مضيفًا: “إن مكانًا من هذا النوع، حيث يُحكم على كل من يدخله بألم ومعاناة متعمدة وشديدة ومتواصلة، يعمل فعليًا كمعسكر للتعذيب”.
وأشار التقرير إلى أن إساءة معاملة الفلسطينيين ليست سرًا، إذ تتباهى سلطات السجون بسوء المعاملة، وتحظى بدعم علني من سياسيين إسرائيليين ومن النظام القضائي، وتُنشر أخبارها بموافقةٍ في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وأصبحت أمرًا طبيعيًا في الرأي العام الإسرائيلي.
وفي عام 2024، وجهت النيابة العسكرية الإسرائيلية اتهامات لعدد من الجنود على خلفية اغتصاب عنيف في مركز الاحتجاز العسكري بسدي تيمان، وهي المحاولة الوحيدة لمقاضاة حراس إسرائيليين بتهم عنف جنسي في مراكز الاحتجاز بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقد دعم أعضاء من الحكومة والكنيست المشتبه بهم، وعندما تسرّب فيديو للهجوم المزعوم، لم يُثر ذلك سوى رد فعل محدود في إسرائيل تجاه الانتهاك نفسه، بل أدى إلى استقالة ثم اعتقال كبير المستشارين القانونيين العسكريين. وخلال تلك الفترة، أُدين جندي واحد فقط بارتكاب انتهاكات بحق أسرى فلسطينيين.

قالت يولي نوفاك، المديرة التنفيذية لمنظمة بتسيلم، إن تعذيب الأسرى الفلسطينيين يجب أن يُفهم في سياق تجريدهم من إنسانيتهم وحملة أوسع من العنف المفرط. وأضافت نوفاك: “لقد حوّل النظام الإسرائيلي سجونه إلى شبكة من معسكرات التعذيب للفلسطينيين، في إطار هجوم منسّق على المجتمع الفلسطيني يهدف إلى تدمير وجودهم كجماعة”. خارج إسرائيل صدرت إدانات للتعذيب، لكن لم يحدث أي تدخل فعّال، وعلى حد تعبيرها “لا يزال المجتمع الدولي يمنح هذا النظام حصانة كاملة”.
بالإضافة إلى العنف الجنسي، يورد التقرير أشكالاً أخرى من التعذيب تشمل الصعق الكهربائي، واستخدام الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، وحرق الأسرى بالسوائل المغلية والسجائر، وإطلاق الكلاب عليهم. كما يُحرَم الأسرى بشكل منهجي من الرعاية الطبية، ما يؤدي إلى أضرار غير قابلة للعلاج، منها بتر الأطراف وفقدان البصر والسمع، وفي عشرات الحالات فقدان الحياة. وقد توفي ما لا يقل عن 98 فلسطينيًا في السجون الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما يُرجَّح أن يكون العدد الحقيقي أعلى بكثير.
“أخي، تعال ساعدني، إنهم يعذبونني”
كان العديد من الضحايا شبابًا ولم يعانوا من مشاكل صحية سابقة. توفي عبد الرحمن ميري (34 عامًا) في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تاركًا وراءه ثلاثة أبناء صغارًا وابنة. وقد اعتُقل أثناء عودته من عمله كنجار في فبراير/شباط 2023 واحتُجز من دون توجيه تهمة أو محاكمة. ويُرجَّح أنه ضُرب حتى الموت، وذلك وفقاً لتفاصيل من تشريح الجثة في السجن وشهادات أسرى آخرين. وقال رجال كانوا محتجزين في زنازين قريبة منه خلال ساعاته الأخيرة لوالدته عزيزة إنهم سمعوه يصرخ متألمًا: “أخي، تعال ساعدني، إنهم يعذبونني”. ولا تستطيع أسرته تأكيد سبب الوفاة أو المضي قدمًا بدفنه، لأن إسرائيل تحتجز جثمانه.
وقبيل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي توسط فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي، تلقت عزيزة ميري اتصالاً من السلطات تسألها إن كانت ترغب في استلام رفات ابنها. وقالت، في حديثها لصحيفة الغارديان من منزل العائلة: “أجبنا بالتأكيد نعم، لكننا لم نتلقَ أي رد بعدها”.

قالت عزيزة إن والد عبد الرحمن، المكلوم بفقدان ابنه، توفي بعد وقت قصير من رحيله، فيما تكافح بقية الأسرة لتجاوز المحنة. وأضافت: “في الليل أظل أتخيل كيف عذّبوا عبد الرحمن، وفي أي حالة كان قبل وفاته. أحيانًا أجد ابنته تبكي وحدها وتسألني: لماذا ليس لدي أب؟”.
كانت إسرائيل قد أعلنت آخر حصيلة للأسرى الفلسطينيين قبل اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسط فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتشير الأرقام إلى أنه بحلول يناير/ كانون الثاني كانت تحتجز نحو تسعة آلاف فلسطيني من غزة والضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، نصفهم تقريبًا محتجزون إلى أجل غير مسمى من دون تهمة أو محاكمة.
وتجدر الإشارة إلى أن ظروف الاحتجاز اللاإنسانية، بما في ذلك حصص غذائية أشبه بالتجويع والاكتظاظ والحرمان من أبسط احتياجات النظافة مثل الاستحمام والملابس النظيفة، تفاقم آثار الاعتداءات العنيفة. ولا يوجد رقابة مستقلة، حيث توقفت زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ويُحرم الأسرى من التواصل مع عائلاتهم أو الحصول على أي أخبار من العالم الخارجي.
وقد دفع سامي الساعي ثمنًا باهظًا لجرأته في الكلام، إذ اضطر للابتعاد عن جيرانه الذين يثرثرون عنه، وعانى في العثور على عمل، وتطارده كوابيس صعبة عن مستقبل أبنائه. ومع ذلك، لا يندم على قراره أن يكون صوتًا لأولئك الذين لا يستطيعون مواجهة إضافة ألم جديد إلى صدماتهم العميقة. وقال: “لقد كان هذا خياري”، مضيفًا أنه خلال 16 شهرًا في السجن رأى أدلة واضحة في الزنازين المكتظة على أن العديد من الأسرى الآخرين تعرضوا للاعتداء. “حتى إن لم يتحدث الآخرون عن ذلك، كان واضحًا أنهم مرّوا بالتجربة نفسها”.
المصدر: الغارديان