تبرز أسئلة حائرة حول الدور الحقيقي الذي تلعبه الإمارات العربية المتحدة ضمن تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، سنوات من التدخل العسكري والسياسي ترجمت في سيطرة الإمارات الفعلية على الموانئ والمناطق الساحلية، على حساب الشرعية، لتترك المجال مفتوحًا أمام تكوين نفوذ خفي يتجاوز حدود الرؤية الرسمية.
ومن جهة أخرى، تحولت جماعة الحوثي، التي كانت في بداياتها تعتمد على مخزون محدود من الأسلحة التقليدية المستولى عليها من الجيش اليمني، إلى قوة تمتلك قدرات عسكرية متقدمة وقادرة على تهديد الملاحة الدولية والممرات البحرية الحيوية.
هذا التوسع يبرهن ثغرات في المواقع التي كان من المفترض أن تحميها القوات الإماراتية، ويضع علامات استفهام حول قدرة التحالف على ضبط مسار الصراع بشكل شامل.
وقائع عدة بما فيها الاستيلاء الحوثي على سفن واستمرار سيطرته على الموانئ، تكشف أن العلاقة بين القوى الإقليمية والصراع اليمني أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه على السطح، إذ يبدو أن هناك شبكات اقتصادية وسياسية تعمل في الظل تسمح بتحريك الموارد واستثمار نقاط الضعف دون أن يتحول الأمر إلى تحالف معلن أو مواجهة مباشرة.
الواقع اليمني اليوم يعكس تداخل المصالح الاقتصادية والسياسية مع المواجهة العسكرية، ما يجعل فهم طبيعة العلاقة بين الإمارات وجماعة الحوثي مفتاحًا لتحليل خريطة النفوذ الاستراتيجي في البلاد وفهم ديناميات الصراع المستمر.
عقوبات أمريكية على كيانات في الإمارات متورطة مع الحوثيين
في موجة جديدة من العقوبات منذ إدراج الحوثيين على قوائم الإرهاب، استهدفت واشنطن 21 فردًا وكيانًا وسفينة واحدة ضمن شبكة النفط والتمويل والتهريب البحري.
هذه الشبكات، بحسب البيان الأميركي، تمتد من إيران مرورًا بالإمارات ودول أخرى، وصولًا إلى موانئ البحر الأحمر، لتشكل خط تمويل خارجي يعزز قدرة الحوثيين على إدارة النزاع داخليًا وخارجيًا.
العقوبات الأميركية لم تركز فقط على قطع الموارد وركزت بشكل أساسي على شبكات الوساطة الاقتصادية التي تربط الجماعة بدول خارجية. شركات إماراتية، مثل الشرفي لخدمات النفط وأديما للنفط وأركان مارس للبترول، كانت تلعب دور القنوات الرئيسية لشحن النفط الإيراني إلى الحوثيين، بما في ذلك شحنات مجانية ساعدت الجماعة على تعزيز خزائنها المالية.
وتكشف العقوبات عن استخدام الحوثيين لشركات صرافة وبورصات مالية في صنعاء ودبي، أبرزها جنات الأنهار للتجارة العامة، التي أعيدت تسميتها بعد إدراجها سابقًا، في محاولة للالتفاف على العقوبات، وهذا يكشف مدى تعقيد الشبكات المالية والإمكانية التي يوفرها النفوذ الإماراتي غير المباشر.
وتوضح بيانات وزارة الخزانة الأميركية أن هذه الشبكات الاقتصادية كانت جزءًا من منظومة سياسية وعسكرية تضمن قدرة الحوثيين على التمويل والتصعيد، داخليًا وخارجيًا، وتحويل الاقتصاد اليمني إلى أداة حرب ضد المدنيين والدولة.

الأرقام تكشف عن حجم النفوذ الخفي فمليارات الدولارات سنويًا من العائدات النفطية غير المشروعة، تحول مباشرة إلى خزائن الحرب، بينما يضطر اليمنيون إلى شراء الوقود بأسعار مضاعفة، في مؤشر واضح على استغلال الجماعة للموارد الاقتصادية لصالح أهدافها العسكرية والسياسية.
ويرى محللون إن الإمارات لعبت دورًا مزدوجًا، دعم التحالف السعودي رسميًا، لكنها سمحت لشبكات محددة بالعمل في الظل، مستفيدة من فجوات الرقابة لتسهيل نقل الموارد، بما يعزز قدرة الحوثيين على إدارة النزاع والحفاظ على شبكات التمويل.
من بين السفن والكيانات المصنفة حديثًا من قبل OFAC، نجد Albarraq Shipping Co ومديرها إبراهيم أحمد عبد الله المطري، التي ساعدت في نقل النفط إلى ميناء رأس عيسى، مع قبطانها أحمد إسماعيل، بالإضافة إلى قبطانات سفن أخرى مثل أحمد أدرِس (SARAH) وأحمد بسايس (ATLANTIS MZ) ورانفير سينغ (AKOYA GAS) وألكسندر يوروفِتش بشنيتشني (VALENTE)، ما يبرهن مدى التنظيم اللوجستي الدقيق وراء الشبكات المالية والاقتصادية للحوثيين.
وتشير المصادر إلى أن بعض الشركات الإماراتية المرتبطة بالحوثيين شملت أنشطة التمويل والتحويلات المالية، ما أتاح للجماعة موارد مستمرة لتغطية العمليات العسكرية والهجمات على الملاحة الدولية، بينما بقي اليمنيون هم الطرف الأكثر تضررًا من ارتفاع أسعار الوقود والمواد الأساسية.
العقوبات الأميركية تعكس تطورًا استراتيجيًا في إدارة النزاع الاقتصادي؛ فلم تركز العقوبات على الأفراد أو السفن وفقط وشملت شبكة كاملة تمتد عبر حدود اليمن إلى الإمارات وعمان، لتقطع الخطوط الحيوية التي تغذي الحرب، وتضع علامات استفهام حول الدور الفعلي للإمارات في تمكين الحوثيين اقتصاديًا.
يؤكد محللون أن استمرار الحوثيين في استغلال الشبكات الإماراتية وغير الإماراتية يوضح وجود توازن دقيق بين الدعم الظاهر والتحركات الخفية، ما يجعل العلاقة معقدة فلا تحالف مباشر يظهر على السطح لكن مصالح مشتركة تسمح للجماعة بالحفاظ على قدرتها التمويلية دون مواجهة مباشرة مع الإمارات.
في ضوء هذه المعطيات يظهر أن الحرب في اليمن أصبحت صراع على النفوذ الاقتصادي والسياسي، حيث لعبت الإمارات دورًا غير مباشر في تمكين الحوثيين عبر الشبكات المالية واللوجستية، بينما تتحمل الكتلة الشعبية اليمنية وطأة الصراع الاقتصادي والحرب المستمرة.
ويبدو أن المفتاح لفهم ديناميات الحرب اليمنية سيكون في تحركات الأموال والنفط والاقتصاد السياسي المعقد الذي يربط الحوثيين بالإمارات وبقية اللاعبين الإقليميين، ما يجعل أي تحرك دبلوماسي أو عسكري مرتبطًا بالتحكم في هذه الشبكات الحيوية.
بحر المصالح
أحد أبرز أوجه تشابك الإمارات والحوثيين يتمثل في اقتصاد الحرب الذي تحول إلى مورد رئيسي لهما.
الحوثيون، الذين يسيطرون على موانئ حيوية مثل الحديدة، يستفيدون من بقاء حركة الملاحة والتجارة المشروعة وغير المشروعة تحت قبضتهم، بينما عززت كانت قد الإمارات حضورها في الموانئ والجزر الاستراتيجية جنوبًا وغربًا مثل عدن وسقطرى وميون، تحت مبررات أمنية وإنسانية.
هذه السيطرة المتوازية على الشمال والجنوب خلقت واقعًا تتعايش فيه مناطق النفوذ بدل أن تتصادم، ما سمح لكل طرف منهما بإدارة مصالحه الاقتصادية بمعزل عن الآخر ودون كلفة مواجهة مباشرة.
اعتراض الحوثيين لسفينة الشحن الإماراتية “روابي” مطلع 2022 مثّل نموذجًا كاشفًا لطبيعة الصراع الرمادي، فالحوثيون قالوا إن السفينة كانت تحمل أسلحة ومعدات عسكرية، بينما أكدت الإمارات والتحالف أنها كانت تنقل مكونات مستشفى ميداني من سقطرى.
ورغم خطورة الواقعة، انتهت الأزمة دون تصعيد عسكري حقيقي بين الطرفين، ما أثار تساؤلات عدة حول حدود الاشتباك المرسومة سلفًا وحول ما إذا كانت بعض الخطوط الحمراء تدار بحسابات سياسية تتجاوز الشعارات المعلنة.
وركزت الإمارات منذ سنوات على تأمين نفوذها في البحر الأحمر وباب المندب، باعتبارهما شريانين حيويين للتجارة العالمية وفي المقابل يستخدم الحوثيون السيطرة على الساحل الغربي للبلاد كورقة ضغط إقليمية ودولية.
ورغم تضارب الأهداف نظريًا إلا أن الواقع يشير إلى توازن مصالح هش يمنع الانفجار بينهما ويبقي الصراع في حالة لاحرب ولا سلم
هذا الوضع يخدم الطرفين فالحوثيون يعززون موقعهم التفاوضي والإمارات تحافظ على نفوذ بحري استراتيجي دون التورط في مواجهة مفتوحة قد تربك حساباتها الإقليمية.
وبينما وقفت الشرعية اليمنية كأكبر الخاسرين فبين سلطة حوثية تفرض أمرًا واقعًا في الشمال، ونفوذ إماراتي يدعم قوى محلية متنافسة ومتعارضة مع مشروع الدولة الواحدة في الجنوب، تتآكل فكرة الدولة الجامعة وتحولت اليمن إلى خارطة نفوذ مفتوحة اديرت بالوكالة وانهكتها الصراعات الجانبية.
وهذا التشابك غير المعلن ينعكس على اليمن ومعها أمن البحر الأحمر والخليج ويجعل الملاحة الدولية رهينة حسابات فاعلين غير دولتيين، مع غياب رؤية دولية حازمة لمعالجة جذور الصراع، لا أعراضه فقط.
في النهاية، لا يمكننا فهم الصراع اليمني اليوم باعتباره ساحة تتقاطع فيها مشاريع إقليمية تتصارع أحيانًا وتتماهى أحيانًا أخرى. الإمارات والحوثيون كل بطريقته يستثمران في استمرار حالة اللااستقرار ولو دون تنسيق مباشر ضمن لعبة نفوذ خفية دفع ثمنها اليمنيون وحدهم.
جنوب يخدم الشمال
منذ تحرير عدد من المحافظات وخروجها عن سيطرة جماعة الحوثي، كان من المفترض أن تتحول تلك المناطق إلى نموذج يجسد عودة الدولة، وتقديم الخدمات، وبناء مؤسسات فاعلة قادرة على كسب ثقة المواطنين، وتأكيد جدوى مشروع التحرير، غير أن الواقع الميداني كشف مسارًا مغايرًا، حيث أُديرت المناطق المحررة بمنطق أمني واقتصادي يخدم شبكات نفوذ أكثر مما يخدم المجتمع أو مشروع الدولة.
ففي عدن، والمكلا، ولحج، وأبين، لم تبن أجهزة أمنية وطنية موحدة، وجرى تفريخ تشكيلات عسكرية و أمنية متعددة تعمل خارج وزارتي الدفاع والداخلية، وتدين بالولاء للإمارات.
هذا التشظي الأمني انعكس مباشرة على حياة السكان حيث غابت المساءلة، وتكررت الاغتيالات، وتحول الأمن إلى أداة ضبط سياسي أكثر من كونه خدمة عامة.
وبدل حماية المواطنين، انخرطت عدد من هذه التشكيلات في ملاحقة الخصوم، وفرض النفوذ، وإدارة السجون بعيدًا عن أي رقابة قضائية، ما أنتج حالة خوف عامة، وأضعف ثقة المجتمع المحلي بأي سلطة قائمة.
وخلال السنوات الماضية، لم يخرج ملف المعتقلات كملف اتهامات إعلامية وإنما واقع أكدته شهادات علنية خرجت إلى العلن في حضرموت، حيث روى ضحايا تفاصيل اعتقال تعسفي، وإخفاء قسري، وتعذيب داخل سجون خضعت لإدارة مباشرة أو غير مباشرة من قبل الإمارات، عبر تشكيلات محلية تابعة للمجلس الانتقالي.
هذه الممارسات قوضت فكرة العدالة، وحولت المناطق المحررة إلى فضاء مغلق، يدار بالصمت والخوف، لا بالقانون والمؤسسات.
الخدمات العامة غياب الدولة وحضور الفوضى فهو يخدم الحوثيين بشكل أو بآخر على مستوى الخدمات، لم تشهد المناطق المحررة تحسنًا يوازي سنوات خروجها من سيطرة الحوثيين. الكهرباء، المياه، الصحة، والتعليم، بقيت في حالة تدهور مستمر، فيما عجزت الحكومة عن ممارسة دورها بسبب إفراغها من الصلاحيات والموارد.
ويرى مراقبون أن تعطيل تصدير النفط والغاز، والسيطرة على الموانئ، ومنع الحكومة من الاستفادة من إيراداتها، شكل أحد أبرز أسباب انهيار الخدمات، حيث حرمت المؤسسات المحلية من التمويل اللازم، وأُبقيت المدن في حالة عجز دائم، ما خلق بيئة قابلة للانفجار الاجتماعي.
وبدل أن تكون المناطق المحررة رافعة للاقتصاد الوطني، تحولت إلى مناطق اقتصاد مُعطَّل. الموانئ التي كان يفترض أن تشكل شريانًا للتجارة، جرى تهميش دورها أو تعطيلها، فيما بقيت حركة الاستثمار محدودة، وسط انتشار الجبايات غير القانونية، وتعدد مراكز التحصيل.
وهذا الواقع الاقتصادي أضعف قدرة الحكومة على دفع الرواتب، وتقديم الخدمات، وفرض سيادتها، في مقابل بروز قوى أمر واقع تمتلك المال والسلاح دون أي التزام تجاه المجتمع.
و أصبحت عدد من مناطق الشرعية نقطة ضعف في معركة الشرعية نفسها، الفوضى الأمنية، ورداءة الخدمات، وغياب العدالة، وفرت للحوثيين مادة دعائية قوية لتصوير أنفسهم كسلطة “أكثر استقرارًا” مقارنة بما يجري في المناطق المحررة في ظل تخادمها في صنع الأزمات.
وهكذا، وبفعل سياسات إدارة غير مباشرة، خدمت معادلات الصراع بطريقة غير معلنة حيث أُنهك المجتمع في المناطق المحررة، وكانت ثقة الناس قد تآكلت بمشروع الدولة، دون أن يطلق رصاصة واحدة لصالح الحوثيين.
وما جرى في المناطق المحررة هو نتاج نمط إدارة قائم على تفكيك الدولة، وتهميش مؤسساتها، وإحلال سلطات أمنية واقتصادية موازية. في هذا السياق، تحولت الخدمات والأنشطة العامة من أداة استقرار إلى وسيلة ضغط، ومن ركيزة دولة إلى ورقة نفوذ.