لم يتمكّن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من حضور إحدى أبرز الفعاليات الدبلوماسية العالمية هذا الأسبوع في دافوس السويسرية، حيث حلّ الرئيس إسحاق هرتسوغ مكانه بشكل مفاجئ.
السبب لم يكن عارضًا صحيًا أو طارئًا سياسيًا، بل مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 التي تُلاحقه ووزير جيشه السابق يوآف غالانت على خلفية ارتكابهم جرائم حرب في غزة.
وأعلنت السلطات السويسرية بوضوح أنها ستلتزم بمذكرة القبض، في خطوة أبرزت على نحو صارخ الانقسام الأوروبي في الموقف، إذ بدت سماء أوروبا وأراضيها موزّعة بين دول مستعدّة لتطبيق القانون الدولي، وأخرى تتملّص أو ترفض التنفيذ لأسباب سياسية وتاريخية مختلفة.
انقسام أوروبي
منذ إصدار الحكم، سارعت عدة دول أوروبية للتعبير عن اعتراضها على خطوة المحكمة، مشككة في دوافعها أو معلنة صراحة عدم استعدادها لتنفيذها بحق نتنياهو، فيما أعلنت أخرى التزامها بالقرار.
فقد وصفت المجر القرار بأنه “مخزٍ وسخيف” ودعت نتنياهو رسميًا لزيارة بودابست بعد يوم واحد من صدور المذكرة، متعهدة بأنه “لن يُمسّ بسوء”. وبالفعل، استقبلته مطلع أبريل/نيسان 2025 في أول زيارة له إلى أرض أوروبية عقب الحكم، في خطوة اعتبرت تحديًا صارخًا للمحكمة.
وأعلن رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان خلال الزيارة “انسحاب المجر الكامل من نظام روما الأساسي”، واصفًا المحكمة بأنها “مسيسة تخلّت عن نزاهتها حين تجرأت على إسرائيل”.
فرنسا بدورها، تبنّت موقفًا حذرًا يميل إلى عدم التنفيذ. فبينما أكدت خارجيتها أنها “ستحترم التزاماتها الدولية”، شدّدت في الوقت نفسه على أن نظام روما الأساسي “لا يفرض على الدول القيام بما يتعارض مع قواعد الحصانة في القانون الدولي تجاه رؤساء الدول غير الأطراف في المعاهدة”.
هذا الموقف الفرنسي وُضع موضع التطبيق لاحقًا؛ فحين خطط نتنياهو لزيارة نيويورك عبر الأجواء الفرنسية، طلبت حكومته إذنًا خاصًا من باريس لعبور طائرته. وأفاد مسؤول دبلوماسي فرنسي بأن الإذن مُنح فعلًا، موضحًا أن بلاده “لن تعتقل رئيس الوزراء الإسرائيلي” إذا حضر للزيارة الرسمية.

ورغم أن نتنياهو تفادى الأجواء الفرنسية خلال تلك الرحلة في نهاية المطاف، فإن التصريح الفرنسي أثار انتقادًا ضمنيًا من الاتحاد الأوروبي الذي شدّد على ضرورة احترام الدول كافة “التعاون الكامل مع المحكمة وتنفيذ مذكرات التوقيف فورًا”.
على النقيض من موقف حكومته المؤقت، صرّح فريدريش ميرتز زعيم المعارضة الألمانية آنذاك (والذي أصبح مستشارًا لاحقًا) أنه “سيجد طريقة لدعوة نتنياهو إلى ألمانيا دون اعتقاله”.
كما أثارت بولندا جدلًا واسعًا عندما قررت استثناءً خاصًا يتيح لنتنياهو حضور ذكرى تحرير معسكر أوشفيتز في يناير/كانون الثاني 2025 دون التعرض لخطر التوقيف.
أما النمسا ورومانيا وبلغاريا ودول أوروبية أخرى، فقد أعربت عن تحفظات قوية على مذكرة التوقيف، وإن اتخذت شكل انتقادات سياسية أكثر منها إعلانات صريحة للعصيان القانوني.
على الجانب الآخر، اتخذت دول أوروبية عدة موقفًا نقيضًا يقوم على الالتزام الصارم بالقانون الدولي والتعهد بتنفيذ مذكرة التوقيف بحق أيّ كان.
أبرز هذه الدول كانت إسبانيا وهولندا – التي تستضيف مقر المحكمة في لاهاي – وإيطاليا والبرتغال وفنلندا وليتوانيا ولوكسمبورغ ومالطا وسلوفينيا وأيضا المملكة المتحدة التي تعد خارج إطار الاتحاد الأوروبي.
التأثير العملي
تجسّد التباين الأوروبي بوضوح في تحركات نتنياهو الخارجية خلال الأشهر التي تلت صدور المذكرة. فقد أصبح جدول رحلاته الخارجية لغزًا ملاحيًا، يتفادى أجواء ويقتنص ممرات جوية آمنة وفقًا لمواقف كل دولة.
- في سبتمبر/أيلول 2025، لدى توجهه لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، اضطر نتنياهو إلى سلوك مسار جوي أطول من المعتاد لتجنب المرور فوق أجواء دول قد تُقدم على توقيفه.
- أظهرت بيانات ملاحة جوية حينها أن طائرته تجنبت تمامًا المجال الجوي الفرنسي والألماني وغيرهما، واقتصرت على التحليق فوق اليونان وإيطاليا قبل أن تغادر أجواء أوروبا.
- أكّد مراسلون دبلوماسيون أن هذا القرار جاء “خوفًا من تنفيذ أمر الاعتقال” في ظل توتر بين “تل أبيب” وباريس آنذاك بسبب العدوان على غزة.
- اضطرت طائرة نتنياهو للالتفاف جنوبًا عبر البحر المتوسط ثم غربًا بعيدًا عن قلب أوروبا، مما زاد مدة الرحلة بشكل ملحوظ.
لكن الصورة لم تكن ثابتة، إذ اعتمد نتنياهو أيضًا على تقدير تغيّر مواقف بعض العواصم الأوروبية مع مرور الوقت.
- أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، توجه في زيارة سياسية إلى الولايات المتحدة عبر مسار مختلف عبر أوروبا.
- أفادت تتبعات ملاحية بأن طائرته هذه المرة عبرت أجواء كل من اليونان وإيطاليا وفرنسا خلال اتجاهها غربًا نحو المحيط الأطلسي.
- كان هذا المسار مفاجئًا نظرًا لتجنبه باريس سابقًا، لكنه فُسِّر باستناد نتنياهو إلى تطمينات ضمنية من تلك الدول بعدم اعتراض رحلته.
- فرنسا تحديدًا كانت قد أبلغت حكومته مسبقًا أنها لا تعتزم توقيفه إن مرّ أو حتى لو زار أراضيها زيارة رسمية، رغم الالتزام الشكلي تجاه المحكمة. وقد أكد مسؤول فرنسي أن بلاده منحت الإذن بمرور طائرة نتنياهو في رحلته تلك احترامًا لطلب حكومة الاحتلال.
- هذا التراخي النسبي من باريس – مقارنة بتشدد سويسرا مثلًا – ينبع من تفسيرها الأحادي لمسألة حصانة رؤساء الدول والحكومات، وهو ما أثار امتعاضًا من جهات أوروبية اعتبرت الأمر تسييسًا للعدالة.
على النقيض، بقيت بعض الدول محظورات جغرافية أمام نتنياهو. فسويسرا تمسكت علنًا بأنها لن تسمح له بالدخول حرًا. وكذلك أوضحت دول مثل إيسلندا وليختنشتاين ولاتفيا وغيرها أنها سترحب “بتنفيذ القانون” إذا سنحت الفرصة.
وأمام هذا الواقع، غابت الزيارات الرسمية لنتنياهو إلى العواصم الأوروبية الغربية الكبرى طوال 2025، باستثناء زيارات “آمنة سياسيًا” إلى دول حليفة تضمن عدم المساس به (مثل المجر)، أو دول غير موقعة على نظام روما (مثل الولايات المتحدة).
كيف تبدو العلاقة اليوم؟
على الرغم من توقيع اتفاق وقف إطلاق نار هش في غزة، فإن تداعيات العدوان الإسرائيلي السياسية والأخلاقية تركت أثرًا عميقًا على علاقة أوروبا بـ”تل أبيب”، وبشخص نتنياهو على وجه الخصوص.
فقد انتقلت كثير من العواصم الأوروبية من موقف الدعم شبه المطلق لما تطلق عليه “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” في الأسابيع الأولى للعدوان، إلى انتقادات علنية شديدة مع تفاقم الكلفة الإنسانية في غزة.
- أعلنت بريطانيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 تجميد محادثات التجارة الحرة مع “إسرائيل” بسبب تصاعد استهداف المدنيين.
- وجّه الاتحاد الأوروبي تحذيرًا بأنه سيعيد تقييم علاقاته مع حكومة نتنياهو بسبب ممارساتها في غزة.
- في خطوة ذات دلالة، اعترفت دول أوروبية غربية كبرى – بينها فرنسا وبلجيكا وحتى بريطانيا وكندا – بدولة فلسطين.
على صعيد الرأي العام، شهدت العواصم الأوروبية مظاهرات حاشدة غير مسبوقة تندد بنتنياهو وتصفه بـ”مجرم حرب”، ما زاد الضغط على الحكومات لاتخاذ موقف أكثر صرامة.
وفي هذا السياق، جاءت مذكرة الجنايات الدولية لتزيد من عزلة نتنياهو الأوروبية. فقد بات كثير من القادة الأوروبيين يتجنبون اللقاء المباشر به، إما تجنبًا لإحراج قانوني أو تحت وطأة ضغوط داخلية.
وعندما اجتمع بعضهم معه كان ذلك خارج أوروبا؛ فعلى سبيل المثال، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لقاء نتنياهو في نيويورك على هامش الأمم المتحدة بدلًا من استقباله في باريس، تفاديًا للجدل، وكذلك فعل قادة أوروبيون آخرون.
وحتى اللقاءات متعددة الأطراف، مثل قمة مجلس السلام بقيادة واشنطن، جرى التحايل فيها على وجود نتنياهو إما بإرسال ممثلين عنه أو عقدها في دول غير أوروبية لضمان حضوره.
وهكذا، حملت مذكرة اعتقال نتنياهو إلى السطح انقسامًا أوروبيًا غير مألوف، كشف أخيرا عن عن نفاقٍ سياسي تتعايش فيه العواصم الأوروبية مع “القانون الدولي” بوصفه شعارًا يصلح للخصوم أكثر مما يصلح للحلفاء.