ترجمة وتحرير: نون بوست
أدى انتصار ساحق في الصراع العالمي بين الديمقراطية والاستبداد إلى موجة من الديمقراطيات الجديدة، خصوصًا في وسط وشرق أوروبا. وهيمن نموذج الولايات المتحدة للرأسمالية العدوانية والمبتكرة، راسماً أسس الاقتصاد العالمي. لكن سرعان ما تبدد هذا الانتصار ليحل محله استياء، ومعه تظهر أولى بوادر الانهيار. عادت الحكومات الاستبدادية للظهور في الديمقراطيات الجديدة، مُغرقة الديمقراطية والرأسمالية على حدٍّ سواء في أزمة قد تكون قاتلة.
ينطبق هذا التسلسل على العقدين الفاصلين بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، كما يمكن أن ينطبق على التاريخ الحديث منذ نهاية الحرب الباردة. في الحالة الأولى، أدّت هيمنة النموذج الرأسمالي الغربي، إلى جانب مبادئ وودرو ويلسون الديمقراطية ذات الطابع الكوني، إلى إثارة رد فعل عنيف من الحركات الاستبدادية في ألمانيا وإيطاليا وأماكن أخرى. وفي الحالة الثانية، أفرز انتصار المعسكر الغربي وانهيار المنافس الرئيسي للديمقراطية الليبرالية والرأسمالية ظهور مقاومة من قادة مستبدين أو يميلون إلى الاستبداد، يزعمون أنهم يمثلون مصالح أولئك الذين تم تهميشهم في ظل النظام السائد، في دول مثل المجر وروسيا وحتى الولايات المتحدة.
تحمل دورة التحول الديمقراطي وصعود الاستبداد في أوائل القرن العشرين دروسًا ـ وتحذيرًا ـ لصنّاع السياسات في أوائل القرن الحادي والعشرين. فكما كان الحال آنذاك، فإن صعود الاستبداد اليميني يعود جزئيا إلى عميق بالإذلال لدى أولئك الذين تخلفوا عن الركب في ظل النظام السياسي والاقتصادي الناشئ.
في فترة ما بين الحربين العالميتين، حفّزت هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الأولى، والتسوية التي أفرزتها الحرب، وانتصار الرأسمالية الغربية المعولمة، استياءً مريرًا تبلور في حركات فاشية في أنحاء أوروبا.
وفي نهاية الحرب الباردة، أدت التحولات الاقتصادية المؤلمة في روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابقة الأخرى، فضلاً عن البطالة الناجمة عن التحول التكنولوجي والاستعانة بمصادر خارجية في القيام الوظائف في جميع أنحاء العالم الغربي، إلى تغذية الغضب الموجه ضد النخب المحلية والمهاجرين الأجانب، وهو ما استغله القادة الاستبداديون.
أدى فشل القادة الغربيين في إدراك ومعالجة مصادر الإذلال قبل قرن من الزمان إلى كارثة عالمية. ودون خطة لمعالجة المظالم المتفاقمة اليوم، قد يسلك العالم مساراً مماثلاً.
تحالف الخاسرين
كما كتب المؤرخ روبرت باكستون، فإن نجاح الحركات الفاشية في أوروبا ما بين الحربين العالميتين ارتبط ارتباطًا وثيقًا بهزيمة تلك الدول في الحرب العالمية الأولى. كانت المجر أكثر دولة من دول المحور تفقد أراضيها خلال الحرب، وفي عام 1919 أصبحت أول دولة تبنى نظامًا استبداديًا يمينيًا. وسارت النمسا على النهج ذاته في أواخر عشرينيات القرن الماضي.
ورغم انضمام إيطاليا في نهاية المطاف إلى قوات الحلفاء المنتصرة خلال الحرب، استغل نظام بينيتو موسوليني، أول من أطلق على نفسه اسم “الفاشي”، شعور الإيطاليين بأن حرمانهم من الأراضي النمساوية السابقة، التي وعدت بها المملكة المتحدة وفرنسا عام 1915 مقابل دخول إيطاليا الحرب إلى جانب الحلفاء، يُعد “نصرًا مشوهًا”.
في أنحاء أوروبا، غذّى الشعور بالإهانة على يد صانعي السلام المنتصرين وقادتهم الاقتصاديين سياسات قومية انتقامية متطرفة، تهدف جزئيًا إلى سحق “الأعداء” الداخليين الذين يُفترض أنهم متحالفون مع الغزاة الأجانب، حتى تتمكن الدول الاستبدادية من محاربة الأعداء الخارجيين بفعالية أكبر في الحرب القادمة.
ومع صعود الحركة النازية إلى السلطة، تناوب المستشار الألماني أدولف هتلر، على سبيل المثال، بين التنديد بـ”مجرمي نوفمبر” – وهم السياسيون الديمقراطيون الذين زعم أنهم خانوا ألمانيا لفائدة الحلفاء – وانتقاد مظاهر العولمة، بما في ذلك نقل الشركات الألمانية وظائفها إلى الصين.
وكثيرًا ما استعار الجيل الجديد من السياسيين القوميين الاستبداديين الخطاب السياسي والاقتصادي اليساري. فقد وصف موسوليني، الاشتراكي المنشق، إيطاليا ما بعد الحرب بأنها الأمة البروليتارية بين الدول الرأسمالية المنتصرة.
بدأ هتلر مسيرته السياسية كناشط في أقصى اليسار لا أقصى اليمين: إذ يظهر في صورة فوتوغرافية تعود لعام 1919، وهو يرتدي شارة حمراء، خلال المشاركة في موكب جنازة رئيس الوزراء الاشتراكي البافاري الراحل كورت أيسنر.
كان من الصعب في غالب الأحيان التمييز بين المنشورات الفاشية ومنشورات اليسار، لا سيما في إدانتها الشديدة لـ”البرجوازية”.
كما كانت الخطوط الفاصلة بين الحركات غير واضحة. أصبح هورست فيسل، أحد أعضاء القمصان البنية، شهيدًا لدى النازيين عندما اغتيل على يد أحد أعضاء الحزب الشيوعي عام 1930، لكنه كتب قبل ذلك أن النازيين الذين التقاهم في فيينا لم يفهموا سياساته “الاشتراكية الراديكالية” واعتبروه “نصف شيوعي”. وأظهر كارل إرنست، قائد قوات العاصفة في برلين، احترامًا كبيرًا للشيوعيين، إذ قال ذات مرة: “فكرتهم جيدة، لكن فكرتنا أفضل”.
أضفى الباحثون طابعًا فكريًا على المشاعر التي عبّر عنها نشطاء الشوارع مثل فيسل وإرنست. ربط المنظّر القانوني الألماني كارل شميت، في كتابه “مواقف ومفاهيم في النضال ضد فايمار-جنيف-فرساي”، بين ديمقراطية جمهورية فايمار وعصبة الأمم التي تتخذ من جنيف مقرًا لها، ومعاهدة فرساي، التي اعتبرها معظم الألمان معاهدة جائرة فرضتها الديمقراطيات الغربية. ورأى شميت أن النظام العالمي الليبرالي، الذي كان يعتقد أن اليهود يهيمنون عليه، يجب استبداله بمجموعة من “المساحات الكبرى” (Grossräume) التي تهيمن عليها قوة عظمى. واعتبر شميت مبدأ مونرو الأمريكي نموذجًا لمستقبل “المساحات الكبرى” التي تهيمن عليها ألمانيا.
تبنى أصحاب الطموحات السياسية وذوو النزعة السلطوية هذه الانتقادات العسكرية والاقتصادية. ففي عام 1932، دعا جوزيف غوبلز، أحد أبرز مروجي الدعاية النازية، إلى “بناء جدار” من الحواجز الجمركية حول ألمانيا. وتحدث غريغور ستراسر، النائب في الرايخستاغ، السياسي النازي الوحيد الذي حظي باحترام كبير من الأحزاب الألمانية الأخرى، عن “نزعة مناهضة للرأسمالية” يشترك فيه 95 ٪ من الشعب الألماني، ودعا إلى “القطيعة مع شياطين الذهب والاقتصاد العالمي والمادية”.
أثبتت حججهم فعاليتها في صناديق الاقتراع. حقق النازيون أولى انتصاراتهم الانتخابية المفصلية في انتخابات الولايات أواخر عشرينيات القرن الماضي، في المناطق الريفية شمال وشرق ألمانيا، وهي مناطق ذات أغلبية بروتستانتية تحملت وطأة الحرب والتغيرات الاقتصادية التي تلتها.
كان الشباب من المناطق الريفية أكثر عرضة للخدمة في الجيش وأكثر عرضة للموت مقارنة بنظرائهم في المدن. كما ساهمت الرسوم الجمركية المنخفضة على السلع المستوردة، إلى جانب المنافسة الشرسة من مزارع الحبوب الجديدة في الأرجنتين وكندا والولايات المتحدة، في استفحال أزمة المناطق الريفية: أفلست المزارع وفقد العديد من الملاك والعمال مصادر رزقهم.
كان النازيون أول حزب ينجح في تقديم نفسه كمدافع قومي قوي عن الطبقة الوسطى الريفية، التي شعرت بأنها ضحية للنظام الاقتصادي والسياسي الجديد، وشعرت بالاستياء من برلين التي تتميز نسبيا بالتنوع وتميل إلى اليسار.
أكد الكاتب البافاري لودفيغ توما على أن “برلين ليست ألمانيا”، لأنها “فاسدة وملوثة بقذارة غاليسيا”، وهو تعبير معادٍ للسامية. واشتكى الصحفي فيلهلم ستابل من أن “عددًا كبيرًا جدًا من السلاف وعددًا كبيرًا جدًا من يهود أوروبا الشرقية المتحررين تمامًا قد اختلطوا بسكان برلين”، لكن ما أغضبه حقًا هو “الغطرسة والسخرية اللاذعة” التي يتصف بها سكان برلين غير الألمان، وغرور المثقفين الحضريين الذين اتهمهم بالتآمر “لجعل الريف برلينيًا”.
لم تقتصر آثار هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى على الإذلال الاقتصادي فحسب، بل رأت الطبقة الوسطى الساخطة في نهاية الإمبراطورية الألمانية إهانة دينية أيضًا. شعر العديد من البروتستانت الألمان أن النظام القديم كان نظامهم: فقد كانت دولة بروتستانتية صريحة حصل فيها الكثير من البروتستانت على مكانة مرموقة من خدمتهم للملك والقيصر، مهما كانت هذه الخدمة بعيدة. في المقابل، تشكلت الديمقراطية الجديدة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى إلى حد كبير من أحزاب كاثوليكية واشتراكية عمالية، مما خلق نظامًا شعرت فيه الطبقة الوسطى البروتستانتية بالغربة.
كان تأكيد النازيين على الفخر الوطني في مواجهة عالمٍ يرونه قمعيًا ومتغطرسًا، وعلى الفخر الطبقي والعرقي والديني في مواجهة أعداء داخليين أمرًا بالغ التأثير. لكن في ألمانيا وغيرها، لم يكن للجاذبية الشعبية وحدها أن توصل أحزاب أو حركات اليمين المتطرف إلى السلطة.
كان على الحكام الشعبويين المستبدين أن يتكيفوا أولًا مع النخب التقليدية. حظي موسوليني مبكرا بدعم من كبار ملاك الأراضي في وادي بو، ووصل إلى السلطة بدعوة من الملك فيكتور إيمانويل الثالث. وتحالف هتلر مع الجيش وكبار رجال الأعمال لكسب ودّ رئيس الرايخ بول فون هيندنبورغ.
قدّم القادة الراديكاليون وحركاتهم لهذه الشخصيات البارزة مخرجًا من الأزمات السياسية. سعى السياسيون الليبراليون في إيطاليا إلى كسر الجمود الناجم عن التعنت المتبادل بين الأحزاب الكاثوليكية والاشتراكية. وشعر رجال الأعمال الألمان بالإحباط من الشبكة التنظيمية للدولة الديمقراطية، وغضب العسكريون من رفض تمويل إعادة التسلح.
بالتحالف مع المؤسسة المحافظة، سرعان ما فقد الفاشيون الألمان والإيطاليون طابعهم الشعبوي المناهض للرأسمالية. لكن النخب بالغت أيضاً في الاطمئنان لقدرتها على السيطرة على القادة الذين تحالفت معهم بشكل انتهازي. ففي ألمانيا، فشل القادة العسكريون ورجال الأعمال الذين مهدوا الطريق لهتلر نحو منصب المستشار في إدراك قسوته وتطرفه وقدرته على إحكام قبضته على الشعب الألماني. وما ظنوه صفقة ذكية لضمان مصالحهم أدى إلى دمار شبه كامل في أوروبا.
الشعور بالإذلال
بعد مرور قرن من الزمان، لا يزال القلق بشأن المكانة الاجتماعية عاملاً محفزاً قوياً يغذي النزعة الشعبوية الاستبدادية في جميع أنحاء العالم. إن عدوان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على جورجيا عام 2008، والحرب المستمرة في أوكرانيا، والعديد من الجهود المبذولة لتقويض الديمقراطيات الغربية، كلها تنبع من الشعور بالإذلال جراء انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي وصفه بوتين بأنه “أكبر كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين، والشعور بتعدي الغرب على أراض روسية سابقة.
لكن الحرب الباردة لم تكن مجرد خسارة لموسكو، بل كانت أيضًا في أفضل الأحوال، نصرًا فارغًا لكثير من الناس في الدول الغربية لم ينالوا شيئًا من الغنائم. بعد عقود من النمو الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب، شهدت جميع الدول الغربية الظاهرة ذاتها: نمو ضئيل أو منعدم في الدخل ومستويات المعيشة بالنسبة لغالبية السكان. ومع إضافة النمو الهائل في دخل النخب، إلى جانب موجات الهجرة الكبيرة، أصبح الوضع أرضًا خصبة لسياسات ديماغوجية تركز على ما يمكن اختصاره في كلمة واحدة، الإذلال.
في أوساط الدول الديمقراطية الحليفة للولايات المتحدة، حفّز هذا الشعور بالإذلال صعود أحزاب اليمين المتطرف، لا سيما في المناطق التي تعاني من ركود اقتصادي. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، تصاعدت القاعدة الانتخابية لحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، الموالي لروسيا والمناهض للهجرة، بشكل ملحوظ منذ عام 2015، ما جعله الحزب الأكثر شعبية في ألمانيا عام 2025.
ويتركز دعم الحزب بشكل خاص في ألمانيا الشرقية سابقًا. على غرار روسيا، “خسرت” ألمانيا الشرقية في الحرب الباردة، ويعتبر العديد من الألمان الشرقيين إعادة التوحيد استيلاءً عدائيًا تعرضوا خلاله لإهانات متكررة من الألمان الغربيين. في الواقع، تتطابق خريطة الدعم الانتخابي لحزب البديل من أجل ألمانيا في الانتخابات الأخيرة تقريبًا مع حدود ألمانيا الشرقية سابقًا.
في المملكة المتحدة، شكّل استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) مثالاً آخر على قوة سياسات الإذلال. فقد تركزت أغلبية الناخبين المؤيدين للخروج في شمال البلاد، الذي كان مركزًا صناعيًا سابقًا، وظلّ متخلفًا عن ركب النمو مقارنة بالجنوب الأكثر ازدهارًا طوال قرن من الزمان. وركزت حملة “الخروج”، التي قادها جزئيًا نايجل فاراج، زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة، على القومية الإنجليزية، وكراهية الأجانب، والعداء للمهاجرين، وانعدام الثقة بالنخب. وقد تبنى حزب فاراج الجديد، “إصلاح المملكة المتحدة”، هذه المواقف بنجاح كبير، إذ تصدّر استطلاعات الرأي في العام الماضي.
الولايات المتحدة نفسها، مهندسة النظام الاقتصادي الحالي، تأثرت بشدة بسياسات الإذلال. ففي عقد من الزمن قضاه في السياسة الأمريكية، نجح الرئيس دونالد ترامب في حملاته الانتخابية مستخدمًا شعارات مثل “أنا من سينتقم لكم” و”لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”.
حتى الآن، كانت ولايته الثانية، بما فيها من ملاحقات قضائية وانتشار عسكري واستعراض للقوة، بمثابة عمل انتقامي كبير من أولئك الذين شعر أنهم أهانوه، وبالمحصلة قاعدة مؤيديه.
وحتى المنتصر الأوحد في أعقاب الحرب الباردة، والمستفيد الرئيسي من النظام العالمي الذي ساد بعدها، لم يكن بمنأى عن التأثير الجارف للشعور بالظلم.
اقتصاد الرعاية
قبل سنوات، حذّر المؤرخ الدبلوماسي إرنست ماي من الاستخدام المبسط للمقارنات التاريخية. وقد قال إن صانعي السياسات “عادةً ما يسيئون استخدام التاريخ”، إذ يطبقون “أول تشبيه يخطر ببالهم”، دون التوقف “لتحليل الحالة، أو اختبار مدى ملاءمتها، أو التساؤل عن أوجه التضليل”.
ولكن إذا كان التعلم من الأمثلة التاريخية صعبًا حتمًا، فهو ضروري للغاية. كتب ماي أيضًا أن التاريخ “مورد ثري للغاية لمن يحكمون”، إذ يتيح إمكانية التفكير بشكل أفضل وأكثر مرونة، لا سيما تحت الضغط. وفي مواجهة تحديات من خصوم بينهم روسيا والصين، واحتمال تفكك حلف الناتو، وأزمة ديمقراطية داخلية، فإن الولايات المتحدة في أمسّ الحاجة إلى التفكير المرن.
يتطلب كبح صعود الاستبداد اليوم من الولايات المتحدة وحلفائها حول العالم معالجة أسباب الشعور بالإذلال والقلق بشأن المكانة الاجتماعية.
لحسن الحظ، يقدم التاريخ أمثلة ناجحة لجهود حكومية في منع عودة سياسات الإذلال. فبعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، عززت السياسات الاقتصادية والاجتماعية في ألمانيا الغربية النمو والرفاه الاجتماعي والمساواة النسبية في الدخل، مما حال دون عودة حركة يمينية متطرفة من المحاربين القدامى الساخطين والنازيين السابقين.
وقد وفرت إدارة المستشار كونراد أديناور أساسًا ماديًا للكرامة، ولكنها قدمت أيضًا صفقة ضمنية للنازيين السابقين: الحد من الملاحقات القضائية مقابل الامتثال السياسي.
وفي الوقت نفسه، أطلقت إدارة ترومان خطة مارشال لإعادة تشييد البنية التحتية في أوروبا التي مزقتها الحرب، وأشرفت على إعادة إعمار اليابان، مكمّلةً بذلك السياسات الداخلية التي نفذها أديناور وغيره من قادة أوروبا الغربية.
واليوم، هناك حاجة مماثلة إلى تحوّلٍ عميق. ففي الولايات المتحدة، قد يُسهم تطبيق خطة مارشال محلية لمعالجة التفاوت الاقتصادي وعيوب نظام الرعاية الصحية في تقليص قاعدة الناخبين المعرضين لتأثير السياسيين الشعبويين.
وإذا ما عاد مؤيدو ترامب وحلفاؤه السياسيون إلى تأييد الديمقراطية الدستورية، فينبغي منحهم نفس العرض الضمني الذي قدمه أديناور في ألمانيا. من شأن السياسات التي تعزز المساواة في الدخل وتزيد من الفرص أن تُحسّن حياة المهمشين بشكل ملموس، ويمكنها في الآن ذاته أن تبعث برسالة أعمق مفادها أن قادة البلاد يُقدّرون جميع مواطنيهم. ودون جهود من هذا القبيل، سيبقى العالم عالقًا في دوامة لا تنتهي بين الديمقراطية والاستبداد. قد تكون أجندة مكافحة الإذلال هي المخرج الوحيد.
المصدر: فورين أفيرز