دوى انفجارٌ عنيف في منطقة جعولة شمالي مدينة مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للشرعية اليمنية، ليكسر هدوء الأربعاء 21 يناير/كانون الثاني، ويعيد إلى الواجهة مشهد الاغتيالات الذي ظن كثيرون أنه تراجع مؤخرًا.
سيارة مفخخة استهدفت موكب القيادي في قوات العمالقة الجنوبية حمدي شكري أثناء توجهه إلى منزله، في محاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة، فيما سقط عدد من مرافقيه قتلى وأُصيب آخرون.
مصادر للمصدر أونلاين: انفجار جولة جعولة بمديرية دار سعد في عدن ناتج عن انفجار سيارة مفخخة استهدفت موكب القيادي في قوات العمالقة حمدي شكري.
الإنفجار ألحق ضرراً جزئياً بالمركبات ولا تفاصيل عن خسائر بشرية. pic.twitter.com/bjEcLKZtr9
— المصدر أونلاين (@almasdaronline) January 21, 2026
العملية، التي تعد الأولى من نوعها منذ تسلم قوات درع الوطن والعمالقة الجنوبية مهمة تأمين عدن مطلع الشهر الجاري، جاءت في لحظة أمنية حساسة تعيشها المدينة، بعد إعادة توزيع المعسكرات وخروج قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من المشهد الأمني عقب مغادرة رئيسه عيدروس الزبيدي إلى الإمارات.
وهو ما جعل التفجير يبدو، بالنسبة لكثيرين، رسالة سياسية وأمنية تتجاوز حدود الاستهداف الشخصي.
وبينما تتجه أصابع اتهام محلية في عدن نحو أطراف إقليمية، تعود المدينة مجددًا إلى واجهة الأسئلة الثقيلة: من يملك قرار الأمن؟ ومن يحرّك خيوط التفجير في عاصمة مؤقتة لم تغادرها الأزمات؟
من هو حمدي شكري؟
يعد العميد حمدي شكري أحد أبرز قيادات ألوية العمالقة، ويتولى مهام أمنية وعسكرية متعلقة بترتيب الملف الأمني في عدن، ويقود حاليًا الفرقة الثانية عمالقة.

ينحدر من منطقة الصبيحة بمديرية طور الباحة في محافظة لحج، ويُعرف بنفوذه القبلي ودوره في حل النزاعات، إضافة إلى مشاركته البارزة في معارك عدن وباب المندب والمخا ضد الحوثيين، وإسهامه في تأسيس قوات العمالقة.
كما قاد خلال السنوات الماضية حملات أمنية لمكافحة الجريمة والتهريب والاتجار بالبشر في سواحل رأس العارة ومديريات الصبيحة، ويُنظر إليه كقائد سلفي معتدل بعيد عن الاستقطابات الطائفية.
وتأتي محاولة اغتياله في توقيت أمني حساس، ما يجعل الحادثة تتجاوز الاستهداف الشخصي، لتقرأ كرسالة سياسية وأمنية في مدينة لم تغادرها الأزمات.
ردود أفعال محلية ودولية
أثار التفجير الذي استهدف موكب قائد الفرقة الثانية عمالقة، العميد حمدي شكري، شمالي العاصمة المؤقتة عدن، موجة إدانات رسمية محلية ودولية، في ظل مخاوف متزايدة من عودة الاغتيالات إلى المشهد الأمني للمدينة.
محليًا، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد محمد العليمي، اتصالًا هاتفيًا بالقيادي حمدي شكري، للاطمئنان على صحته عقب الهجوم، مؤكدًا دعم الدولة الكامل لجهود القوات المسلحة والأمن في ترسيخ الاستقرار.
وشدد العليمي على ضرورة ملاحقة المتورطين في التفجير وتقديمهم للعدالة، ومضاعفة الإجراءات الاحترازية، بما في ذلك رصد تحركات الخلايا النائمة المرتبطة بمليشيا الحوثي والتنظيمات المتخادمة معها، مؤكدًا المضي في توحيد القرارين الأمني والعسكري ومنع أي محاولات لخلط الأوراق أو تهديد السلم الأهلي.
إقليميًا، أدان تحالف دعم الشرعية في اليمن الهجوم بـ”أشد العبارات”، معتبرًا إياه محاولة تخريبية تستهدف أمن واستقرار المحافظات المحررة. وأكد المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، استمرار التنسيق مع الجهات اليمنية المعنية لحماية المدنيين، مجددًا التزام التحالف بدعم الجهود الأمنية والعسكرية لملاحقة منفذي الهجوم وتجفيف منابع الإرهاب، مع الدعوة إلى وحدة الصف ونبذ الخلافات.
— المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف (@CJFCSpox) January 21, 2026
دوليًا، أدانت السفارة الأميركية لدى اليمن الهجوم الذي وصفته بـ”غير المبرر”، مؤكدة في بيان مقتضب تعازيها لأسر الضحايا، ودعمها المستمر لأمن واستقرار اليمن، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تداعيات أمنية أوسع قد تترتب على عودة هذا النوع من العمليات في العاصمة المؤقتة.
بشأن الهجوم الأخير على موكب عسكري في منطقة جعولة شمال عدن. #USAwithYemen pic.twitter.com/EsWzNWFwN7
— U.S. Embassy Yemen السفارة الأمريكية لدى اليمن (@USEmbassyYemen) January 21, 2026
رسائل التفجير
يرى الكاتب والناشط في الحراك الجنوبي علي الأحمدي لـ”نون بوست” أن توقيت التفجير الذي استهدف موكب القيادي حمدي شكري يحمل دلالات تتجاوز البعد الأمني، ويأتي في لحظة وصفها بالمفصلية في مسار مدينة عدن.
في هذا السياق، يوضح الأحمدي أن عدن تشهد تحولات لافتة بعد سنوات من عسكرة المدينة وملشنتها على حساب مؤسسات الدولة، معتبرًا أن محاولة الاغتيال تحمل رسالة واضحة مفادها أن هناك قوى لا يروق لها هذا التحول.
ويضيف أن الجهود التي تقودها الحكومة الشرعية برئاسة مجلس القيادة الرئاسي، وبدعم فاعل من المملكة العربية السعودية، تسير باتجاه إعادة تنظيم الوضع الأمني بما في ذلك إخراج التشكيلات العسكرية من داخل المدينة، وتوحيد القوات الأمنية تحت مظلة الدولة، إلى جانب السعي لتحسين الخدمات ومعالجة ملفات معقدة ظلت تؤرق حياة المواطنين.
وهو ما يفسر، بحسب الأحمدي، أن هذه المساعي تصطدم بمصالح قوى أسهمت في صناعة معاناة عدن خلال السنوات الماضية، وترتبط بمحاور إقليمية معادية لليمن ولمحيطه العربي، ما يجعل التفجير، في نظره، رسالة اعتراض على مسار استعادة الدولة ومحاولة لعرقلة أي استقرار محتمل في العاصمة المؤقتة.
من المستفيد؟
فتحت محاولة اغتيال القيادي في قوات العمالقة الجنوبية، حمدي شكري، بابًا واسعًا للتكهنات حول الجهة المستفيدة من العملية، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الأمني والسياسي الذي تعيشه عدن.
في هذا السياق، يرى الصحفي عبدالسلام القيسي أن جماعة الحوثي هي المستفيد الأبرز من الحادثة، معتبرًا أن مثل هذه العمليات تأتي غالبًا في لحظات تحولات سياسية وأمنية حساسة، بهدف إعادة تعميق الخلافات وإدامة الصراع.
ويشير القيسي إلى أن الإرهاب القاعدي، برأيه، لا يمتلك عادة هذا النفس الاستراتيجي طويل المدى، مرجحًا احتمال وجود تخادم بين الحوثيين وبعض التنظيمات الإرهابية لتنفيذ عمليات من هذا النوع، بما يمنح أطراف الصراع وقتًا ومساحات إضافية للمناورة، ومع ذلك، يؤكد أن الحسم النهائي يبقى بيد الجهات الأمنية المختصة.
في المقابل، يطرح المحامي والناشط الحقوقي خالد الأنسي رواية أكثر حدة، إذ يرى أن الحادثة لا تحتاج – على حد تعبيره – إلى كثير شرح، مستحضرًا ما وصفه بسجل سابق من عمليات الاغتيال والتصفية التي نفذت في عدن خلال السنوات الماضية.
ويرى الأنسي أن الإمارات وحلفاءها سبق أن استقدموا وفتحوا الأبواب لمرتزقة أجانب لتنفيذ عمليات اغتيال بحق شخصيات وقوى يُنظر إليها كمعرقلة للمشروع الإماراتي – العفاشي في الجنوب.
ويضيف الأنسي أن من نفذ تلك العمليات سابقًا، ثم جرى إخراجه أو طرده من المشهد، قد يلجأ إلى تفعيل هذه “الورقة الأمنية” مجددًا بدافع الانتقام أو السعي للعودة إلى التأثير، محذرًا من أن هذا النمط من العمليات قد لا يقتصر على الساحة اليمنية وقد يمتد – وفق تقديره – ليستخدم كورقة ضغط حتى داخل السعودية نفسها.
وتبرهن هذه القراءات المتباينة حجم التعقيد الذي يلف المشهد الأمني في عدن، إذ تتقاطع المصالح المحلية والإقليمية، فيما يبقى تحديد الجهة الفاعلة رهين نتائج التحقيقات الرسمية.