نشأ في بيتٍ صهيوني، لأبوين هاجرا إلى الولايات المتحدة من جنوب إفريقيا، وجدّة وُلدت في الإسكندرية، كانت تؤمن بأن إسرائيل هي البلد الوحيد الآمن لليهود في العالم. ينتمي إلى الولايات المتحدة، حيث يعمل أستاذًا للصحافة والعلوم السياسية بجامعة مدينة نيويورك. لم تراوده قطّ رغبة في المغادرة، ولا يحمل الجنسية الإسرائيلية، لكنه أمضى سنواته كيهودي متدين؛ يصلي يوميًا، ويرتاد المعبد، ويؤمن بفكرة الدولة اليهودية كملاذٍ أخير.
لكن هذه القناعة بدأت تتصدّع في ثلاثينيات عمره، قبل أن يلفظها تمامًا في الأربعينيات، معتبرًا إسرائيل أخطر مكان على اليهود في العالم، فدعا إلى حلّ الدولة الواحدة التي يعيش فيها الفلسطينيون واليهود على قدم المساواة، انطلاقًا من إيمانه بأن المساواة وحدها هي ما يجلب الأمان. ويُحاجج بأن معاداة السامية لا تعني معاداة الصهيونية، وإلا لكان كثير من اليهود أنفسهم معادين للسامية وفق هذا التصنيف.
هذا الطرح دعا إليه بيتر بينارت، رئيس التحرير في مجلة “تيارات يهودية”، وصاحب النشرة الإخبارية الأسبوعية “دفتر بينارت”، قبل “طوفان الأقصى” بخمسة أعوام، ثم عاد وقدّمه مجددًا في كتابه الأحدث: “أن تكون يهوديًا بعد تدمير غزة: لحظة حساب”. ويُعدّ هذا الكتاب أول أعماله المترجمة إلى العربية، وقد ترجمه عبد المجيد المهيلمي، ونشرته “الكتب خان” في مصر قبل أشهر قليلة، ويرى أن التواصل بالعربية أمرٌ مفيد ومهم، باعتبارها لغة الفلسطينيين، لما يتيحه ذلك من فهمٍ أعمق لبعض النقاشات الدائرة داخل الأوساط اليهودية، مشيرًا إلى أنه شخصيًا استفاد من قراءة كتابات عربية في السياق نفسه.
في كتابه، يُفنّد بينارت الاتهامات، ويُفكك المصطلحات، رافضًا استخدام اليهودية كذريعة لتبرير اضطهاد الفلسطينيين، ويعيد التذكير بحق اللاجئين في العودة إحقاقًا للعدالة التاريخية. ويقول إن الدولة اليهودية “ترتكب جرائم فظيعة في حق أناسٍ حياتهم ثمينة كحياتنا”، وإن “الكرامة الإنسانية قيمة مطلقة وغير مشروطة، وهي أهم من أي حكومة أو دولة أو قبيلة”. كما يرى أن إسرائيل تمارس البلطجة، وباتت صنمًا يُعبد، بينما “رفض عبادة الأوثان هو جوهر الهوية اليهودية”، ويؤكد أن حماس ليست المشكلة، إذ حتى لو اختفت “فإن جماعة مسلحة أخرى ستحلّ محلها بكل بساطة”.
تُعرف عن بينارت نزعة المراجعة وإعادة النظر، وتقييم المواقف والرجوع عنها أحيانًا، مع الاعتراف بالخطأ أو بسوء التقدير، فخلال توليه رئاسة تحرير مجلة “نيو ريبابليك”، دعمت المجلة حرب العراق عام 2003، قبل أن تعود في افتتاحية لاحقة لتقول: “نشعر بالندم، ولكننا لا نشعر بالعار”. وقد تحدث بينارت عن خطئه في دعم غزو العراق أيضًا في كتابه اللاحق “متلازمة إيكاروس: تاريخ الغطرسة الأمريكية” (2010).
ما زال بينارت متدينًا، لكنه يحمل رؤية مغايرة لكثير من أبناء جلدته، وهو يدرك أن موقعه كأمريكي أبيض وأستاذ جامعي يمنحه قدرًا أكبر من الحرية والأمان مقارنة بغيره، ما يتيح له التعبير عن آرائه المثيرة للجدل دون خشية فقدان وظيفته أو التعرض لعواقب مباشرة. وفي هذا السياق، كان لـ”نون بوست” هذا الحوار المباشر معه عبر الإنترنت.
أنت ترفض الادعاءات التي تُقارن السابع من أكتوبر بالمحرقة النازية أو المذابح الروسية ضد اليهود، بل تُشبهه بعملياتٍ شنّها السكان الأصليون لأمريكا أو الأفارقة ضد المستوطنين الأوروبيين. يتطلب الأمر شجاعةً كبيرةً للخروج وتحدّي أبناء جلدتك الذين تختلف معهم. ما الثمن الذي دفعته جرّاء ذلك؟
الثمن الذي أدفعه لا يُقارن بأي حال من الأحوال بالثمن الذي يدفعه من يفقدون عائلاتهم، أو أرواحهم، أو منازلهم. هناك من يعارضون بشدة ما أكتب، وغالبًا ما يُعبّرون لي عن ذلك. أحيانًا قد أخسر صداقات، لكنني ما زلت أعيش حياةً تتمتع بقدر كبير من الأمان والامتيازات مقارنةً بالفلسطينيين من سكان غزة والضفة الغربية، وحتى مقارنةً بالكثيرين في الولايات المتحدة بلدي لأسباب مختلفة. وأحاول أن أوازن بين ما فقدته من علاقات وبين ما اكتسبته، وهي علاقات ذات قيمة كبيرة جدًا بالنسبة لي.
أعتقد أنه في أي مجتمع، عندما يسود شعور بالخوف والخطر، قد يتفاعل الناس بقسوة شديدة مع من يشعرون أنهم لا يُظهرون التضامن الكافي. أراها ظاهرة عالمية. وللأسف، في بعض قطاعات المجتمع اليهودي الأمريكي يُعرَّف التضامن مع اليهود الآخرين، على أهميته بالنسبة لي، بأنه دعم إسرائيل في تعاملها مع الفلسطينيين بشكل أو بآخر. هذه المعادلة خاطئة ومأساوية للغاية. أؤمن بأن سلامة الفلسطينيين وسلامة اليهود الإسرائيليين مترابطتان فالحفاظ على سلامة اليهود الإسرائيليين يكون بتهيئة الظروف اللازمة لسلامة الفلسطينيين.
لكن في كثير من الأوساط اليهودية الأمريكية وغيرها، يُفسَّر انتقاد إسرائيل والصهيونية على أنه معاداة للسامية، أو كتهديد لحياة اليهود الإسرائيليين. وهكذا يخرج من يُبدي ردود فعل سلبية للغاية تجاهي أو تجاه أي ناقد يهودي آخر يطرح هذه الحجج، لأنهم يشعرون أننا لا نقف مع الشعب اليهودي، ومع اليهود الآخرين في مجزرة مُروعة مثل أحداث السابع من أكتوبر التي قُتل فيها عدد كبير من الناس منهم العديد من المدنيين. مثل هذه الأعمال في نظرهم تتطلب التضامن مع الدولة. لكن في رأيي، الدولة هي التي تُعرّض حياة اليهود والفلسطينيين للخطر في نواحٍ كثيرة، لأنني أعتقد أن الناس في نهاية المطاف أكثر أمانًا عندما يعيش الجميع على قدم المساواة أمام القانون، لا في ظل ظروف القمع الوحشي.
يبدو وكأنك لا تميل إلى استخدام مصطلحات قوية في الكتاب. تقول مثلًا “مقاتل حمساوي” وحتى في العنوان تصف ما حدث في غزة بأنه “تدمير” وليس “إبادة جماعية”. ما السبب؟
أحاول التفكير مليًا في المصطلحات التي أستخدمها. وصفتُ مراراً ما فعلته إسرائيل في غزة بالإبادة الجماعية، لكنني لم أفعل ذلك في الكتاب، لأني عندما انتهيتُ منه لم تكن قد صدرت بعدُ تقارير منظمة العفو الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، وغيرها ممن اعتبر ما حدث إبادة جماعية ومنهم الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية. هذا حدث لاحقًا بعد صدور الكتاب.
الإرهاب أيضًا، بالنسبة لي، هو استهداف المدنيين عمدًا بالعنف لأهداف سياسية. وعليه، فالهجمات المتعمدة في السابع من أكتوبر ضد المدنيين الإسرائيليين، تُعدّ إرهابًا، لكني أُفضّل القول إن هذه الهجمات جرائم حرب تُخالف القانون الدولي، ففي القانون الدولي، يحق لك استخدام القوة، يحق لك القتال ضد الجنود إذا كنت تحت الاحتلال. ينطبق هذا على الضفة الغربية أو أوكرانيا. لكن ليس لديك الحق في مهاجمة المدنيين.
مصطلح الإرهاب لا يستخدم ولا يُطبّق بشكل عادل في نظري. نادرًا ما يستخدم الناس مصطلح الإرهاب لوصف أفعال الدول، أو على الأقل الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة. هو يُستخدم غالبًا لوصف أفعال الفلسطينيين أو المسلمين، أو الجماعات التي لا تُحبّذها الولايات المتحدة. مع أنه يجب أيضًا القول إن الحكومة الإسرائيلية استهدفت المدنيين عمدًا بأعمال عنف، وقطعت جميع الإمدادات الغذائية والمائية والكهربائية عن غزة لمدة شهرين تقريبًا في ربيع العام الماضي. ولأنني أشعر بأنه لا يُستخدم بشكل عادل، أميل إلى عدم استخدامه، وأكتفي بوصف الأفعال والقول إنها تُخالف القانون الدولي.
في الوقت الذي كانت فيه الجامعات الأمريكية تعج بالاحتجاجات والاعتصامات، هل كنت جزءًا من هذه الحركة؟ هل هناك أي منظمة كنت ناشطًا فيها؟
نعم، لقد ذهبتُ وتحدثتُ في عددٍ من الجامعات، وفي بعض المخيمات الطلابية. كانت معظم المنظمات عبارة عن مجموعات طلابية، ولكن في بعض الأحيان كانوا يدعون شخصًا كبيرًا في السن مثلي للتحدث إليهم. لكن حتى لو كانت الحركة تسعى عمومًا لتحقيق قضية عادلة، فقد ترفع شعارات معينة أو تجد أشياء يفعلها أو يقولها الناس المنخرطون فيها تستحق النقد. أحيانًا وجدتُ نفسي أختلف مع بعض الأشياء. بعض الشعارات كانت تأتي بنتائج عكسية مثلًا، لكنني وجدتُ أيضًا روحًا رائعة في العديد من هذه الجامعات الأمريكية. طلاب من جميع الخلفيات المختلفة؛ فلسطينيون، ومسلمون، وأصحاب بشرة سمراء، ومن مجتمع الميم، ومن اليهود، يجتمعون حول مبدأ أساسي، وهو أنه لا ينبغي استخدام رسومهم الجامعية أو ضرائبهم كأمريكيين لتدمير مجتمع بأكمله في غزة. وأعتقد أن هذا مُتماشٍ مع تقاليد أفضل أنواع الحركات الطلابية التي شهدناها في التاريخ الأمريكي.
نشأتَ في بيتٍ صهيوني، والآن تقول إن حل الدولتين غير قابل للتطبيق وتدعو إلى دولة واحدة غير يهودية، وهو اقتراحٌ مطروحٌ منذ عقود. في الوقت نفسه، فقط في الأربعينيات من عمرك، عندما قضيتَ وقتًا كافيًا مع الفلسطينيين، قلتَ حرفيًا عن موقفك السابق منهم إنك أدركتَ “كم كنتَ متجردًا من الإنسانية”. هل تعتقد أنك أتيتَ متأخرًا أم أن الوصول متأخرًا خيرٌ من عدم الوصول أبدًا؟
أتمنى لو كنت قد توصلت إلى بعض هذه الاستنتاجات في وقتٍ أبكر. في الحياة يندم المرء على عدم قيامه بأمورٍ أو عدم إدراكه لبعض الأمور في وقتٍ سابق وهذا أمر حتمي. ولكن إذا تغير قلبك، فليس أمامك إلا أن تتصرف بناءً على ذلك في المستقبل. أعتقد أن نشأتي كانت، في نواحٍ كثيرة، نموذجية لنشأة العديد من اليهود في الولايات المتحدة وحول العالم. من المهم أن يحاول غير اليهود، أو من لم يمروا بالتجربة المُتضمنة، فهم سبب كون فكرة الصهيونية جذابة للغاية للعديد من اليهود.
من الأمور التي وجدتها مؤثرة للغاية في كتابات إدوارد سعيد، وهو من أشد منتقدي الصهيونية، تحديدًا في كتابه “قضية فلسطين”، إنه يكتب عن فهمه لأسباب انجذاب العديد من اليهود إلى فكرة الصهيونية. فالرواية السائدة هي أن اليهود كانوا شعبًا بلا دولة. لم تكن لليهود دولة. وغالبًا ما كانت تجربة انعدام الدولة تنطوي على تجربة اضطهاد. وفي أربعينيات القرن العشرين في ألمانيا، وعلى نطاق أوسع في أوروبا الشرقية، تحولت إلى تجربة إبادة جماعية.
لذا، ليس من المستغرب أن يردّ كثير من اليهود على ذلك بالقول: إنّ سبيلنا إلى الأمان هو وجود دولة نسيطر عليها. دولة نحكمها. لكن بالطبع، جاءت هذه الدولة على حساب شعب آخر، ولا تزال تأتي على حساب شعب آخر، وهو ما أعتبره خطأً أخلاقيًا. وأعتقد أيضًا أنها في نهاية المطاف لا تجلب الأمان، لأنني أرى أن الدولة تكون أكثر أمانًا للجميع عندما يُعامل مواطنيها على قدم المساواة. هناك حرب تجري من أجل نفس المبدأ في الولايات المتحدة الآن بطريقة أو بأخرى، أليس كذلك؟ هناك أناس يرغبون في أن تصبح أمريكا دولة عرقية، نوعًا ما دولة مسيحية بيضاء، حيث يهيمن المسيحيون البيض بموجب القانون، ويكون كل شخص آخر بمثابة ضيف في البلاد.
غيّرت موقفك علنًا على مر السنين، وشمل ذلك رأيك من حرب العراق. ما الخطأ الذي ارتكبته في تقديرك؟ وهل كنت واثقًا أن جمهورك سيتغير معك؟
من حق الناس تمامًا تقييم التغيّرات والمواقف التي اتخذتُها. وإذا أرادوا تبني وجهة نظر مبنية على مواقف يرونها خاطئة، بل وحتى مواقف أعتبرها أنا خاطئة، وأنني لست راويًا موثوقًا في المستقبل، فلهم كامل الحق في ذلك. لا ألومهم. في كتابي الثاني “متلازمة إيكاروس”، أتناول هذه الفترة من السياسة الخارجية الأمريكية. هناك مجموعة من الأمريكيين، وقد كنتُ واحدًا منهم، شاهدوا الولايات المتحدة تخوض حروبًا في أماكن عديدة بطرق بدت ناجحة. في البوسنة ثم كوسوفو عندما تدخلت الولايات المتحدة ردًا على التطهير العرقي الصربي، ساد جدل وسط أمثالي مفاده أنه إذا كانت الولايات المتحدة ستتحرك ضد ميلوشوفيتش لارتكابه انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فلماذا لا تتحرك ضد صدام حسين الذي كان لا يقل سوءًا عنه في معاملته الوحشية لشعبه؟ ودعم هذا الرأي عراقيون يعيشون في المنفى. من هؤلاء المفكر كنعان مكية الذي جادل بأن الولايات المتحدة ستحرر العراقيين من هذا النظام.
التاريخ أيضًا عضّد هذا الرأي فالعراق كان يمتلك برنامجًا نوويًا قبل حرب الخليج، فافترضنا خطأً أنه أعاده بعد حرب الخليج. هذه التجارب مجتمعة هي التي ولّدت الفكرة الخاطئة بأن الهجوم على العراق قد يكون أمرًا مرحبًا به من قبل العراقيين، وأنه سيخلق مزيدًا من الحرية. هذه كانت بعض المؤثرات التي قادتني إلى هذا الرأي وقد تناولتُ في كتابي الثاني بالتفصيل سبب خطأ هذه الفكرة.
في كتابك الأحدث صوّرت إسرائيل كصنم يُعبد، وكأنها إله لا يُشكّك في أفعاله أحد. كيف يمكن تغيير هذا الوضع؟ وكيف تفسر تواطؤ الغرب في إبادة غزة؟
أعتقد أن الدعم الغربي لإسرائيل تاريخيًا له أسباب عديدة. أحدها، والذي يظهر جليًا في ألمانيا مثلًا، هو الشعور بالذنب تجاه المحرقة. بمعنى آخر، خلقت المحرقة التزامًا لدى الألمان والأوروبيين والغربيين عمومًا بدعم إسرائيل كنوع من التعويض عنها. سبب آخر للدعم الكبير لإسرائيل في الولايات المتحدة هو تشابه تاريخهما إلى حد ما. كلتاهما مستعمرتان استيطانيتان أُنشئتا كأرض موعودة، حيث دُمر السكان الأصليون، بل كان الدمار في أمريكا الشمالية أشد مما هو عليه في إسرائيل وفلسطين. لذا تجدين العديد من المدن الأمريكية تحمل أسماء مدن من الكتاب المقدس، ما يوحي بأن الغزو الأمريكي للأرض يعكس بطريقة ما قصة الغزو التوراتي.
وهذا ما جعل بعض المسيحيين الأمريكيين يتعاطفون مع المشروع الصهيوني. وقد رأيتم ذلك، كما رأيتموه في التاريخ البريطاني أيضًا. فبعض الصهاينة الأوائل كانوا مسيحيين إنجيليين في بريطانيا، على سبيل المثال، ممن أيدوا وعد بلفور. وفي الحرب الباردة كانت إسرائيل حليفًا للولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي.
بخصوص حالة الصنمية، يبدأ الأمر بالتفكير في المفاهيم اليهودية للوثنية، وإدراك أنه إذا كانت الوثنية تعني عبادة أي شيء آخر غير الله، أي عبادة شيء من صنع الإنسان، فإن الدولة هي من صنع الإنسان. لذا يجب أن تخضع الدولة للنقد. قد نعيش في عالم تسوده الدول، لكن يجب فهم الدول على أنها ذات قيمة نفعية فقط لا تكمن قيمتها إلا في قدرتها على تمكين البشر من الازدهار، فهي لا تملك قيمة جوهرية. وهذه هي الحجة التي أحاول طرحها في كتابي.
كيف ترى الصهيونية اليوم؟ وما هي الصهيونية الثقافية التي ذكرتها في الكتاب؟
منذ قيام إسرائيل عام 1948 تمثلت الصهيونية في أيديولوجية دولة تُعامل الفلسطينيين واليهود معاملةً مختلفة. دولة تقوم على مبدأ السيادة اليهودية، حيث يتمتع اليهود بالسيادة القانونية على الفلسطينيين، بينما يُهجّر الفلسطينيون أو يُستعبدون. هذه الصهيونية السياسية، التي كانت الأيديولوجية السائدة في إسرائيل منذ البداية، هي ما أعارضه. أعارض السيادة اليهودية. أؤمن بضرورة معاملة الدول للناس على قدم المساواة، تمامًا كما لا أؤيد فكرة الدول الإسلامية أو الهندوسية أو المسيحية. ولا أؤيد فكرة الدولة اليهودية.
قبل قيام إسرائيل، كان هناك تيار بديل يُعرف بالصهيونية الثقافية، أيّده شخصيات مثل عالم اللاهوت مارتن بوبر، وحنة أرندت، وألبرت أينشتاين في فترات مختلفة. هذا التيار جادل بأن الصهيونية لا تعني إنشاء دولة، بل إنشاء ثقافة، أي إمكانية وجود ثقافة ناطقة بالعبرية تزدهر فيما أسميه الآن إسرائيل وفلسطين. ربما كان هذا التيار موجودًا قبل ذلك في الإمبراطورية العثمانية أو غيرها، حيث كان بإمكان اليهود التعبير عن أنفسهم ثقافيًا، وهو ما أطلقوا عليه اسم الصهيونية، وليس الدولة اليهودية. أعتقد أن التيار الصهيوني الثقافي يمكن أن يتوافق مع فكرة المساواة أمام القانون، لكن هذه ليست الصهيونية التي هيمنت على إسرائيل منذ قيامها.
هل تعتبر نفسك صهيونيًا بهذا المفهوم؟
أعتقد أن هناك دروسًا يمكننا استخلاصها من التراث الصهيوني الثقافي، فهو يُقدّم لنا كيهود منظورًا للتفكير في كيفية العيش على قدم المساواة في هذه الأرض مع الحفاظ على الإنتاج الثقافي والازدهار الثقافي، كإحياء اللغة العبرية كلغة حية في ظل المساواة القانونية. وأعتقد أن هناك دروسًا قيّمة للغاية يمكن تعلمها من الصهيونية الثقافية، إذ يجب على اليهود في إسرائيل، وإلى حدٍّ ما اليهود حول العالم، التفكير في معنى أن يكون المرء يهوديًا يعيش في هذه الأرض، ويتحدث العبرية، باعتبارها اللغة التي يتحدث بها اليهود الإسرائيليون في ظل المساواة. وقد كان الصهاينة الثقافيون في النصف الأول من القرن العشرين يُفكّرون في هذا الأمر تحديدًا.
قبل شهرين ذهبت وتحدثت في جامعة تل أبيب بدعوى ضرورة التواصل المباشر مع الإسرائيليين، وقد واجهتَ حينها ردود فعل سلبية. كيف أسأتَ تقدير الموقف؟
شعرتُ برغبة ملحة في التحدث مع الإسرائيليين، ولذلك عندما تلقيتُ تلك الدعوة، أردتُ الذهاب والتحدث في جامعة تل أبيب. أؤمن حقًا بأهمية التواصل مع الإسرائيليين، لكنني أعتقد أن خطأ التحدث في جامعة تل أبيب، كما أشرت وقتها، كان في اختيار تلك الجامعة تحديدًا لتورطها في الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة.
ليس التحدث مع الإسرائيليين خطأ بحد ذاته، لكن هناك طرق أخرى للتواصل معهم دون اللجوء إلى مؤسسات متواطئة في القمع الاسرائيلي. المحادثات التي دارت لاحقًا أقنعتني بأن المشاركة تُقوّض حركة المقاطعة السلمية وهو ثمن يفوق الفائدة التي جنيتها من التحدث معهم في هذا المحفل. لذا، كان عليّ اختيار طرق أخرى للتواصل معهم لا تُخالف مبادئ الحركة. أتمنى لو أنني أجريت تلك المحادثات وتوصلت إلى هذا الاستنتاج في وقت سابق.
تبدو كأنك لا تتردد في التراجع عن مواقفك وإعلان سوء تقديرك للأمور..
عندما أفكر في بعض الكُتّاب والمفكرين الذين أثروا فيّ، أجدهم غالبًا ما غيّروا آراءهم خلال مسيرتهم المهنية بسبب تغير الأحداث في العالم. أعتقد أن أحداثًا جديدة تظهر، وإذا كنت صادقًا مع نفسك، فعليك إعادة النظر في مواقفك.
في كتابي “متلازمة إيكاروس” أتحدث عن مفكرين أمريكيين دعموا الحرب العالمية الأولى ثم بان خطأ موقفهم. أتمنى لو كنت هذا الشخص صاحب الآراء الصائبة دائمًا، لكني ما زلت أتعلم وأندهش من متغيرات الأحداث وينمو إلى علمي ما لم أكن أعلم بما يُغيّر من نظرتي للأمور. هل أتجاهل كل هذا وأُعاند لأستمر على موقف لم أعد أراه صوابًا؟ ما يهمني ككاتب هو أني أستطيع الدفاع عن موقفي بأفضل شكل ممكن في حينه.
ربما يكون حل الدولة الواحدة أيضا عفا عليه الزمن ولن يجد القبول الكافي.. ماذا ينتظرنا بعد ذلك؟ وكيف ترى شكل المقاومة القادم بعد إبادة غزة؟
لا أعلم أي حل هو الممكن. لا أعيش هناك في إسرائيل/فلسطين. المبدأ الأساسي بالنسبة لي أيًا كان عدد الدول التي ستُقام على هذه الأرض هو معاملة الجميع على قدم المساواة دون أفضلية لأحد لأي سببٍ كان. ما أحاول عمله فعلًا هو تغيير السياسة الأمريكية لقطع دعم هذا القمع المستمر الذي يرقى إلى الفصل العنصري والإبادة بشهادة المنظمات الحقوقية الكبرى. في اعتقادي إن أهم شيء يمكن أن يفعله الأمريكيون هو تغيير السياسة الأمريكية لوقف إمدادات الأسلحة غير المشروطة لإسرائيل. إسرائيل لم تكن لتفعل ما فعلته في غزة لولا هذه الإمدادات الأمريكية.
هل ترى أن تغيير السياسة الأمريكية في هذا الخصوص أمر ممكن؟
أعتقد أن هناك فرصة والسعي فيها مهم. لدى الولايات المتحدة قانونٌ سارٍ بالفعل، يُسمى قانون ليهي، ينص على أنه لا يُسمح للولايات المتحدة قانونًا بتزويد وحدات الجيوش الأجنبية التي ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بالأسلحة. إذا طُبِّق هذا القانون على إسرائيل، فسيعني ذلك أن العديد من مبيعات الأسلحة التي تُرسلها الولايات المتحدة إلى إسرائيل غير قانونية، ولن تتم.
أعتقد أن نصف الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تقريبًا منفتحون على شيء من هذا القبيل. إذا انتُخب رئيس ديمقراطي في الولايات المتحدة، فأعتقد أنه من الممكن أن يبدأ بتطبيق هذه السياسات. وإذا فعلت الولايات المتحدة ذلك، فمن الممكن أن تحذو أوروبا حذوها. هذا احتمال، لكن من الممكن أيضًا أن تصبح أمريكا دولةً أكثر استبدادًا، حيث لا نتمكن من إجراء انتخابات حرة أو ما شابه.
قلت في الكتاب “إن الظلم التاريخي لا يمكن معالجته بالكامل، لكن كلما كان السعي إلى الإنصاف صادقًا والجهد أكثر إخلاصًا زادت فرص المصالحة الحقيقية”. كيف ترى المقارنة بين اليهود المستوطنين لأرض فلسطين بالأوروبيين الذين استوطنوا أمريكا الشمالية وشردوا وهجروا السكان الأصليين؟
دول كثيرة تأسست على يد أناس قدموا من أماكن أخرى وأزاحوا السكان الأصليين. هذا لا يقتصر على إسرائيل والولايات المتحدة. ترينه في أستراليا ونيوزيلندا والأرجنتين وكندا. وإذا تعمقت في التاريخ، ستجدينه في أماكن أخرى كثيرة جدًا. ومع ذلك أرى ثمّة اختلافات. الحركة الصهيونية اتسمت بخصائص استعمارية استيطانية واضحة. حتى ثيودور هرتزل نفسه وقادة صهاينة آخرون مثل جابوتنسكي أقروا بذلك.
كانت أيضًا حركة شعب مضطهد يبحث عن ملجأ. كانت حركة استيطان استعماري، وحركة لجوء لليهود الذين لم يعودوا آمنين في أوروبا فقد رأى الكثير منهم إبادة عائلاتهم بأكملها، ورأوا في قيام دولة يهودية ملاذًا آمنًا. في المقابل، كان هناك مستوطنون قدموا إلى الولايات المتحدة بحثًا عن ملجأ، لكنّ السكان الذين استقروا هناك لم يكونوا في خطر يُذكر، كما كان حال العديد من اليهود الذين قدموا من أوروبا إلى إسرائيل وفلسطين. ثمّة فرق آخر هو أن عملية التدمير كانت أكثر شمولًا في الولايات المتحدة منها في إسرائيل وفلسطين. صحيح أن هناك بعض السكان الأصليين، لكن للأسف، فقد دُمّروا في الولايات المتحدة لدرجة أنهم فقدوا القدرة على المقاومة السياسية.
ربما يرجع ذلك إلى اختلاف الظروف أيضًا. نحن الآن في عصر نرى فيه ما يحدث في أماكن أخرى. ربما ورغم كل شيء تظل هناك بعض القيود التي تمنع تكرار ما حدث للسكان الأصليين في أمريكا الشمالية..
أعتقد أن هذا سؤال جوهري للغاية في هذه اللحظة. هل نعيش في عالم مختلف أم لا؟ هل أصبح من المستحيل القيام بما كان يُمارس في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة؟ أم أنه لا يزال ممكنًا؟ هذا سؤال مفتوح للغاية.
