تتجدد معاناة آلاف العائلات السورية في مخيمات النزوح في وقت لم تعد فيه الخيام المهترئة قادرة على الصمود أمام برد الشتاء، وبالرغم من مرور أكثر من عام على سقوط النظام المخلوع، ما يزال ملف النازحين السوريين في المخيمات أحد أكثر الملفات تعقيدًا، لا سيما مع تقلّص الدعم الإنساني الذي كان يعتمد عليه الأهالي لسنوات.
يقول عبد الله إسماعيل، وهو أب لثمانية أولاد، إن العاصفة الثلجية التي ضربت المنطقة نهاية الشهر الماضي، تسببت في تهدم الكثير من الخيام، ولا سيما المهترئة منها، فيما دخلت المياه إلى الخيام التي لم تنهدم “وتبللت معظم الأغراض، ما حال دون تمكن العائلات من النوم داخلها، واضطر بعضهم إلى اللجوء لأقاربهم أو جيرانهم”.
يقيم عبد الله في مخيم كفرحوم بريف مدينة حارم في إدلب، وهو أحد المخيمات العشوائية، ويقول لـ”نون بوست” إن الوضع في الخيام سيئ جدًا لأنها أصبحت قديمة ومهترئة، والمخيم يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، فيما يزداد وضع الأهالي سوءًا يومًا بعد يوم بسبب الفقر الشديد، إذ لا تملك معظم العائلات حتى ثمن وقود التدفئة، ما يدفعهم لاستخدام الأغراض القديمة وأكياس النايلون للتدفئة.
ويشرح عبد الله أسباب عدم عودة الكثير من العائلات إلى مدنهم وقراهم قائلًا: “لا توجد عائلات تغادر المخيم حاليًا بسبب البرد القارس والفقر الشديد، والأهم أنهم لا يملكون حتى قوت يومهم أو أجور النقل، هذا فضلًا عن أن معظم العائلات بيوتها مدمرة بالكامل، ولا تملك ثمن إعادة بنائها”.
تعهدات بإنهاء ملف المخيمات قبل نهاية عام 2026
خلّفت العاصفة الثلجية الأخيرة أضرارًا واسعة في عشرات المخيمات، شملت انهيار خيام بالكامل، وتعطل الطرق، وتضررت حوالي 5000 خيمة بشكل كلي أو جزئي في محافظات إدلب وحلب والحسكة، مما أثر على 90 موقعًا للنازحين، وحوالي 158 ألف نازح، وتوفي رضيعان بسبب البرد في مخيمين للنازحين بمنطقة حارم بريف إدلب الشمالي، بحسب ما قاله مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا“.
وبالرغم من تكرار الحديث عن خطط استجابة من الجهات المحلية، يقول النازحون إن هذه الخطط غالبًا ما تبقى محدودة الأثر، ولا تتجاوز كونها إجراءات آنية لا تعالج أصل الأزمة، ولا تلامس جوهر المشكلة المرتبط بغياب بدائل سكنية دائمة، وإعادة إعمار حقيقية تتيح عودة آمنة للنازحين.
وبينما يؤكد المسؤولون أن عام 2026 سيكون مفصليًا في إنهاء ملف المخيمات، يبقى السؤال مطروحًا لدى قاطنيها.. هل ستتحول هذه التعهدات إلى خطوات فعلية، وتضع حدًا لسنوات من المعاناة المستمرة؟
وفي 4 يناير/ كانون الثاني الحالي، أطلقت وزارة المالية السورية ورشة عمل موسعة تحت عنوان “سوريا من دون مخيمات قبل نهاية عام 2026″، وذلك بحضور معاون الأمين العام لرئاسة الجمهورية لشؤون مجلس الوزراء، علي كده، وعدد من الوزراء والمحافظين، بهدف بحث الخطط والبرامج الهادفة إلى إنهاء ملف المخيمات، ووضع مسارات عملية لمعالجة التحديات تمهيدًا للوصول إلى حلول مستدامة قبل نهاية عام 2026، غير أن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مدى قدرة الحكومة على ترجمة هذه التعهدات إلى خطوات عملية ضمن الإطار الزمني المعلن.

أما الجهات المشاركة فيقول وزير المالية محمد يسر برنية، إن التنسيق يجري بين وزارات الصحة والتربية والشؤون الاجتماعية والعمل والأشغال العامة والإسكان والإدارة المحلية والبيئة والطوارئ، إلى جانب وزارة المالية، مؤكدًا أن هذا الملف لا يمكن أن تقوم به جهة واحدة بمفردها.
وأوضح الوزير أنه سيبذل قصارى جهده لإنجاح هذا العمل، مشددًا على أهمية الشراكة بين جميع الجهات، وعلى ضرورة التعاون مع المنظمات والصناديق الإقليمية والدولية التي يمكن أن تسهم في رفع الظلم عن أهالي المخيمات، ليعودوا إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم مرفوعين الرأس مع حلول عام 2027.
فيما أعلن محافظ حلب عزام الغريب أن ملف المخيمات في محافظة حلب، شمالي سورية، سيكون على رأس أولويات العمل خلال عام 2026، متعهدًا بإنهاء هذا الواقع القاسي وتمكين الأهالي من العودة إلى قراهم ومدنهم، وذلك عقب جولة ميدانية أجراها في عدد من المخيمات المتضررة من العاصفة الثلجية الأخيرة.
وقال الغريب عبر منشور على “فيسبوك“، إنه زار مخيمات “العز والكرامة”، شمال حلب، حيث يعيش آلاف النازحين في ظروف قاسية، والتي ازدادت سوءًا بعد العاصفة الثلجية، مشيرًا إلى أن المحافظة زودت العديد من المخيمات بقوافل من المساعدات ضمن خطة استجابة طارئة شملت مواد التدفئة، والخدمات الأساسية.
وأضاف المحافظ، “نعمل على حشد كل الإمكانات من خلال إدارة التعاون الدولي، ومديرية الشؤون الاجتماعية، ومديرية الطوارئ والكوارث، إضافة إلى حملة (حلب ست الكل)، لتوفير كل مستلزمات هذا الشتاء للكرماء القاطنين في المخيمات”.
وأكد أن إنهاء واقع المخيمات بات عهدًا قطعته المحافظة على نفسها، وأن عودة الأهالي إلى قراهم ومدنهم على رأس أولوياتهم في عام 2026″، موضحًا أن هذه التوجيهات من الرئيس أحمد الشرع”، وأنه “وعد ومسؤولية” سيتم الالتزام بها خلال العام الجاري، “ولن نغادر هذا العام إلا وقد تحقق بإذن الله”.
ما دور الوزارات بالخطة؟
“نون بوست” تواصلت مع عدد من الوزارات لمعرفة دورهم في خطة “سوريا من دون مخيمات قبل نهاية عام 2026” الذي طرحها وزير المالية يسر برنية، والاستفسار عن مدى قدرة هذه الوزارات على إنجاح الخطة في الوقت المحدد.
دور وزارة الطوارئ
يقول الدكتور أحمد قزيز، معاون وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، لـ”نون بوست” إن دور وزارة الطوارئ سينفذ عبر عدة محاور رئيسية، في مقدمتها إجراء عمليات تقييم ومسح لمناطق تواجد الذخائر غير المتفجرة والألغام.
ويضيف أن المحور الثاني يشمل إدارة الأنقاض ومخلفات الحرب، بما يضمن إزالة السواتر الترابية الناتجة عن الأنفاق والخنادق، والتي تؤثر سلبًا على بعض الأراضي الزراعية وتعيق استخدامها بشكل جيد.
كما ستعمل الوزارة على تنشيط وتطوير أنظمة الإنذار المبكر في عدد من المناطق، إلى جانب ترميم وإنشاء مراكز للدفاع المدني في بعض المناطق المستهدفة، بحيث تشكل هذه المراكز نواة لتعزيز الجاهزية والاستجابة لمختلف أنواع الكوارث، وهو ما يعد عاملًا مساعدًا في تشجيع عودة الأهالي إلى قراهم ومناطقهم.
وأشار قزيز إلى أن هذه الجهود ستتكامل مع الأنشطة المقررة القيام بها من قبل وزارات الصحة والطاقة والتعليم، إضافة إلى الوزارات الأخرى المعنية بالمشروع.
وبشأن الإطار الزمني، أوضح أن عملية تقييم المخاطر في المناطق المتضررة من المتوقع أن تنتهي خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.
أما فيما يتعلق بإزالة الركام ومخلّفات الحرب من القرى والبلدات التي يُنتظر عودة أهالي المخيمات إليها، فبين أن المشروع يتألف حاليًا من مرحلتين، حيث يُفترض إنجاز المرحلة الأولى خلال فترة تمتد من ستة إلى تسعة أشهر، مع التركيز على المناطق ذات الأولوية، بالتنسيق مع الوزارات الأخرى، قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة وفق تقسيمات جغرافية محددة، بما يضمن ترتيب الأولويات وتحقيق التكامل بين الجهات المعنية.
وحول ما إذا كان الوقت المتبقي حتى نهاية عام 2026 كافيًا لإجراء التقييمات، ثم المعالجة، وتأمين عودة آمنة للأهالي.
يقول: قزيز “نسعى بكل ما أوتينا من قوة لنكون قادرين ليس فقط على تقييم المخاطر بل إزالتها أيضًا، إزالة الركام ومسح الألغام، ونضع الخطط ونقوم بالتواصلات مع أكثر من جهة داعمة هدف حشد الدعم اللازم ليس فقط من صندوق التنمية السعودي، وإنما من داعمين آخرين أيضًا، لدعم هذه الرؤية حتى نهاية عام 2026”.
وأشار قزيز إلى أن الدفاع المدني ووزارة الطوارئ عملا على إعداد خرائط توضح حجم الدمار والأنقاض في عدد من المحافظات السورية، معتبرًا أن هذه الخرائط تشكّل نواة أولية للعمل على المشروع، مؤكدًا أن الجهود مستمرة للانتقال من مرحلة التقييمات إلى تنفيذ أنشطة فعلية تشمل إزالة الأنقاض، ومسح الألغام، وإزالة السواتر الترابية والخنادق، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتعزيز الاستجابة في القرى والبلدات والمدن التي سيعود إليها النازحون.
دور وزارة الصحة
أما وزارة الصحة فيتمثل دورها الأساسي في تأمين البنى التحتية الصحية اللازمة، بالتعاون مع مزودي الخدمات، لضمان عودة آمنة وكريمة للعائدين من المخيمات إلى مدنهم وقراهم.
وقال الدكتور صلاح الدين الصفدي، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، لـ”نون بوست”، إن الوزارة ستعمل على التأكد من توفر خدمات طبية حقيقية وفعالة في المدن المدمرة، ضمن خطط إعادة الإعمار أو إعادة بناء التجمعات السكانية المتضررة، إلى جانب ضمان وجود كوادر طبية مؤهلة وقادرة على تنفيذ هذه المشاريع بأفضل المعايير الممكنة.
بالإضافة إلى تقديم خدمات صحية متساوية، سهلة الوصول، وذات تكاليف ميسورة وجودة عالية، لجميع المواطنين السوريين في مختلف المناطق.
وفيما يتعلق بخطة إعادة العائدين من المخيمات، أجرت الوزارة تقييمًا هندسيًا شاملًا للمشافي والمنشآت الصحية المدمرة في مختلف المحافظات، مع التركيز على المناطق التي من المتوقع عودة الأهالي إليها، مثل جسر الشغور، ومعرة النعمان، ودير الزور، والميادين، إلى جانب مناطق أخرى.
“فكانت أول نقطة عملنا عليها هي تقييم البنى التحتية، وتبين معنا مصفوفة كاملة لإعادة تأهيل هذه البنى، فالكثير منها متضررة بشدة، أي أننا بحاجة لبنائها من الصفر، وهناك بعض المنشئات الصحية فيها ضرر جزئي أو متوسط وهنا ستتدخل الفرق الهندسية والشركات التي ستتعامل معها وزارة الصحة لترميم هذا الضرر، كما توجد منشآت ذات أضرار طفيفة تحتاج فقط إلى إعادة تجهيز وتجديد”.
وبعد استكمال مرحلة التقييم، ستعمل وزارة الصحة على الدخول في تعاقدات مباشرة مع الشركات والجهات المتخصصة بإعادة التأهيل، وبالتوازي سيكون هناك مناقصات لتجهيز المستشفيات والمستوصفات بالمعدات الطبية والأدوية اللازمة، كما ستترافق هذه الخطوات مع برامج تدريب للكوادر الصحية، بهدف استعادة مهاراتهم وتمكينهم من تقديم خدمات صحية متكاملة وفق بروتوكولات وزارة الصحة السورية.
وستواكب وزارة الصحة عودة المواطنين السوريين إلى مدنهم وقراهم من خلال فرق صحية جوالة، إضافة إلى تفعيل نظام الإحالة إلى المستشفيات الأساسية، بما يضمن استمرارية الرعاية الصحية وتأمين الاحتياجات الطبية الأساسية للعائدين.
كما تحاول الوزارة إحصاء الفئات الأشد ضعفًا وهشاشة، مثل الأطفال الرضع، والأطفال دون سن الخامسة، وكبار السن، ومرضى الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري، وذلك بهدف تجهيز المراكز الصحية بما يلائم احتياجات هذه الفئات بشكل خاص.
وفيما يتعلق بالإطار الزمني، يقول الدكتور صلاح الدين الصفدي، إن الخطة التي بدأت الوزارة باتخاذ إجراءاتها تهدف إلى تأهيل أكثر من 20 مستشفى وأكثر من 300 مستوصف ومركز صحي في مختلف المناطق السورية بحلول نهاية عام 2026، مع إعطاء الأولوية للمدن الأكثر تضررًا.
ويؤكد الصفدي أن التركيز الدائم ينصب على المناطق الأشد تضررًا في أي عملية تأهيل، رغم التحديات الكبيرة وضيق الفترة الزمنية، إذ تُعد سنة واحدة فترة قصيرة لإنجاز هذا الحجم من العمل، ومع ذلك، تعمل وزارة الصحة بأقصى طاقتها، وبالتنسيق مع الوزارات الأخرى، لتحقيق هذا الهدف وضمان عودة سريعة وآمنة لأهالي المخيمات قبل حلول شتاء عام 2026–2027.
ويتابع: “لدينا الكثير من التحديات منها البيروقراطية، ولكن أعتقد توجيهات الأمانة العامة والرئاسة ووزارة الصحة بإعطاء الأولوية لهذا الملف سيسرع من العملية بشكل كبير ونحن متأكدين بدرجة كبيرة على أننا قادرين على استعادة خدماتنا الأساسية وتأهيل البنى التحتية وتجهيزها في المدن المتضررة بشدة قبل نهاية 2026”.
دور وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل
من جهتها قالت رولا الأغبر، مديرة مديرية المنظمات غير الحكومية، لـ”نون بوست”، إن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، تلعب دورًا محوريًا ومتكاملًا مع كافة الوزارات والجهات المعنية، ويمكن تلخيص دورها في المحاور التالية:
- الحماية الاجتماعية: تقديم الدعم النقدي والعيني للأسر الأكثر ضعفًا (كالأرامل، وأسر الشهداء، ومصابي الحرب، وذوي الاحتياجات الخاصة) لضمان شبكة أمان أثناء وبعد عملية الانتقال.
- التأهيل المهني وخلق فرص العمل: وهو محور أساسي لمنع حالات التسول والاعتماد على المساعدات، من خلال زيادة مراكز التدريب المهني وتنويع برامجها لتتناسب مع سوق العمل في المناطق العائدة إليها الأسر من خلال مراكز التنمية الريفية ودعم المشاريع المدرة للدخل، مع إعطاء أولوية لتأهيل النساء المعيلات للأسر.
- تمكين المجتمع المدني: العمل كحلقة وصل وتنسيق بين المنظمات غير الحكومية (كما حصل في الاجتماع الطارئ أثناء العاصفة الثلجية) لضمان توجيه الجهود والخبرات نحو البرامج التنموية وخلق فرص عمل مستدامة، وتجنب العشوائية في تقديم الخدمات.
- برامج السلم الأهلي والعدالة الاجتماعية: تنفيذ برامج تهدف إلى تعزيز التماسك الاجتماعي ودعم فئات ضحايا الحرب للتخفيف من الآثار النفسية والاجتماعية للنزاع، مما يسهل عملية الاندماج في مجتمعاتهم الأصلية.
- التنسيق بين الوزارات: كما أشارت معالي الوزيرة في الورشة، نعمل على تعزيز التنسيق بين كافة الفاعلين لضمان تكامل الخدمات المقدمة للأسر.
- تقديم الإحصائيات والبيانات للعائلات القاطنة في المخيمات لتنسيق عودتهم إلى بلداتهم بالتنسيق مع المحافظات الأخرى.
- التنسيق مع المنظمات التي تعمل في مجالات التأهيل والترميم وإعادة الإعمار أو تقديم السكن البديل (مثلا كرفانات) في حال عودة النازحين إلى بلداتهم.
وأضافت الأغبر، أن الوزارة تقيّم حاليًا الأوضاع الاجتماعية للعائلات داخل المخيمات، وهذا التقييم هو الخطوة الأساسية والدورية لأي تدخل فعال تقوم به الوزارة، بالتعاون الوثيق مع هيئة التخطيط والإحصاء والمحافظات والمنظمات الشريكة، حيث يتم العمل على تطوير وتحديث قاعدة بيانات موحدة عن الأسر في المخيمات، لا تشمل فقط الأسماء والأعداد، بل أيضًا الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ومهارات أفراد الأسرة، واحتياجاتهم الخاصة، وأسباب تمسكهم بالبقاء في المخيمات.
بالإضافة لدراسة حالة كل أسرة على حدة، مع التركيز على الأسر التي تعيلها نساء، والأسر التي بها أفراد من ذوي الاحتياجات الخاصة، لضمان تلبية احتياجاتهم في مرحلة الانتقال وما بعدها.
والتنسيق مع المنظمات والجمعيات والجهات الداعمة لتوجيه الدعم حسب الاحتياج الحقيقي الكمي والنوعي في المخيمات، “وهذا التقييم المستمر هو الذي يمكننا من وضع برامج مستهدفة وليس عامة، تضمن كفاءة وفعالية التدخل”.
وتكشف الأغبر عن وجود برامج تهيئة للعائلات قبل انتقالها إلى أماكن جديدة، تقول: “نعمل على تصميم وتنفيذ برامج إرشاد نفسي واجتماعي، خاصة للفئات الأكثر تأثرًا كالأطفال والنساء، لمساعدتهم على تجاوز الصدمات واستقبال فكرة العودة أو الانتقال إلى مكان جديد بطريقة إيجابية. يتم ذلك من خلال المرشدين الاجتماعيين التابعين للوزارة والمنظمات غير الحكومية الشريكة، ويمكن أن يشمل ذلك إنشاء مساحات صديقة أو استخدام خيم مؤقتة في المخيمات لهذا الغرض، أو حتى في مساحات آمنة ضمن المخيمات (أرض المخيم)”.
وتضيف أن هناك آلية متابعة ميدانية بعد الانتقال، “المتابعة الميدانية هي عنصر مهم لضمان استقرار الأسر وعدم عودتها إلى حالة النزوح”. موضحة أن فرقًا ميدانية من الوزارة والمنظمات غير الحكومية الشريكة ستقوم بالمتابعة الدورية للأسر بعد انتقالها، للتأكد من اندماجهم في المجتمع الجديد، وفعالية برامج الدعم المقدمة لهم، وأي معوقات جديدة قد تواجههم في مجال السكن والعمل والتعليم والصحة، ونقل هذه المعوقات فورًا للجهات المعنية لحلها.
وستكون هذه المتابعة من خلال فريق في الدوائر الفرعية المنتشرة في كل منطقة ويتم إعلام المديرية بأي احتياج أو تدخل أو أي تنسيق لتلبية احتياجات العائدين إلى تلك المناطق، بحسب الأغبر.
ولتجنب تحول الأزمة من شكل إلى آخر، تركز الوزارة على حلول تنموية مستدامة، أهمها تسهيل عودة النازحين من خلال تجهيز قوافل عودة بالتنسيق مع المنظمات غير الحكومية أو المديريات الأخرى كما حصل في القوافل التي عادت منذ فترة (قافلة 100 عائلة عائدة إلى ريف إدلب الجنوبي في الصيف الماضي).
وستقدم الوزارة حزم دعم متكاملة ولن تقتصر على المساعدة اللحظية، حيث سيقدم للأسر المؤهلة (بناءً على التقييم) حزمة دعم تشمل قروضًا صغيرة ومتناهية الصغر لبدء مشاريع مدرة للدخل، مرتبطة ببرامج التدريب المهني التي تلقوها.
بالإضافة لربط الأفراد بفرص العمل، من خلال تشغيل مراكز التنمية الريفية وتفعيل دورها، وعقد شراكات مع القطاع الخاص والمشاريع الإنتاجية التي ستنشأ في المناطق العائدة، لتشغيل الأيدي العاملة المؤهلة.
كما سيتم دعم المشاريع المجتمعية الصغيرة خاصة في القطاع الزراعي الذي يمثل مصدر رزق للكثيرين، عبر توفير مستلزمات الإنتاج البسيطة، و“ستستمر برامج الدعم النقدي المشروط والرعاية الاجتماعية لفترة انتقالية محددة للأسر غير القادرة على العمل، لضمان عدم سقوطهم في فقر مدقع”.
وفي الختام تقول رولا الأغبر، سيتم العمل على تأهيل المجتمعات المستقبلة عبر برامج التماسك الاجتماعي، لتقبل العائدين ودعمهم، مما يخلق بيئة آمنة ومستقرة للجميع.
خدمات متهالكة
شهدت المدن والقرى التي كانت خارج سيطرة النظام السوري السابق قصفًا كثيفًا على مدار ما يقارب 12 عامًا، ما جعل هذه المناطق تفتقر لأبسط مقومات الحياة البشرية، بالإضافة إلى تراكم الأنقاض نتيجة دمار أعداد كبيرة من المنازل والمنشآت، إلى جانب انتشار الذخائر غير المنفجرة.
وبعد سقوط النظام، لم تشهد هذه المناطق أي تحسن يذكر إذ اقتصر على بعض الخدمات في بعض المدن، بينما لا تزال الخدمات شبه معدومة في الأرياف. ولا تزال شبكات المياه والصرف الصحي معطلة، إلى جانب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، ما يضع أهالي المخيمات أمام خيارات قاسية ومحدودة بين تحمّل الظروف القاسية داخل الخيام وما يرافقها من نقص في الخدمات، أو العودة إلى مناطق مدمرة، أي العودة إلى المجهول ونزوح جديد.
ووسط هذه التحديات يرى الخبير في الحوكمة والإدارة المحلية، المهندس مظهر شربجي، أن هناك متطلبات أساسية وضرورية لعودة أهالي المخيمات إلى قراهم وبلداتهم، وأن المدة الزمنية المحددة غير واقعية ولا تتناسب مع الوضع الحالي للمؤسسات ولا مع الإمكانيات المتوفرة لدى الدولة.
ويقول لـ”نون بوست”، إن البنى التحتية في القرى والبلدات التي من المفترض أن يعود إليها أهالي المخيمات مدمّرة بالكامل، وإذا لم يتم تأهيلها ولا سيما شبكات الصرف الصحي والطرقات إلى جانب تأمين الكهرباء والمياه، وترميم المدارس والمراكز الصحية بما يلبي احتياجات العائلات وأطفالهم، فلا يمكن الحديث عن عودة حقيقية، ومن ثم التفكير بإمكانية التعافي المبكر.
ويشير إلى ضرورة أن تقوم الدولة، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، بدعم الأهالي في ترميم جزء من منازلهم بما يتيح لهم العودة إليها، “في حال لم يتم التكاتف بين وزارات الدولة المختلفة لوضع خطة متكاملة وتوزيع واضح للأدوار، فلن يكون من الممكن تحقيق هذه المتطلبات”.
ويرى مظهر أن الإطار الزمني المحدد غير كافٍ لتأهيل المساكن، إذ قد يكفي فقط لترميم بعض البنى التحتية، وهو أمر يحتاج بدوره إلى موازنات كبيرة، أما تأهيل المساكن فيتطلب مساعدات دولية واسعة وخططًا وبرامج متكاملة، ما يجعل إنجاز هذا الملف خلال سنة واحدة أمرًا بالغ الصعوبة.
ويشير إلى أنه خلال عام 2025، فإن ما أُنجز في بعض القرى والبلدات اقتصر في معظمه على تحقيق حدّ أدنى من الأمن والأمان وتوفير بعض الخدمات، في حين لا تزال العديد من المدن تعاني من تراكم الركام والدمار، ما حال دون عودة سكانها حتى الآن.
ويعتقد مظهر أن تنفيذ مثل هذا المشروع “سوريا بلا مخيمات قبل نهاية 2026” يحتاج إلى ثلاث سنوات على الأقل ضمن الإمكانيات المحلية المتاحة، ما لم يكن هناك تدخل دولي داعم.
ويختم شربجي بالقول إن الأولويات المستعجلة تتمثل في ترميم المراكز الصحية والمؤسسات التعليمية، إضافة إلى البنى التحتية الأساسية التي تشمل الكهرباء والمياه والصرف الصحي، على أن تتم عودة بقية القطاعات بشكل تدريجي، موضحًا أن الأهالي قد يتحملون تقنين الكهرباء والمياه، لكن من الصعب عودتهم دون تأمين التعليم والرعاية الصحية، “من دون خطة وطنية استراتيجية ذات حوكمة رشيدة وشفافية واضحة، لا يمكن العمل على أي أولوية بشكل فعّال”.
“نون بوست” كانت قد تواصلت سابقًا مع مسؤول الإحصاء في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، رامز دقسي، لمعرفة عدد المخيمات في سوريا، وبحسب دقسي بلغ عدد المخيمات بعد التحرير 855 مخيمًا، تقطنها نحو 126,200 عائلة، فيما وصل عدد العائلات التي عادت إلى بلداتها الأصلية إلى 118,466 عائلة.
ولفت دقسي إلى أن العائلات الخارجة من المخيمات توزّعت عودتها على مختلف المحافظات السورية، إلا أن النسبة الأكبر تركزت في ريف إدلب، يليه ريف حلب، ثم ريف حماة. وبيّن أن تهدم المنازل، وغياب البنية التحتية، والافتقار إلى الخدمات الأساسية، تُعد من أبرز العوامل التي ما تزال تعيق عودة العائلات إلى مناطقها حتى اليوم.
وكان فريق “منسقو استجابة سوريا” قد حذر من تدهور الأوضاع الإنسانية في مخيمات شمال غربي سوريا مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل عجز واسع لدى العائلات عن تأمين مستلزمات التدفئة، وتراجع حاد في الدعم الإنساني.
وأوضح الفريق، في بيان نشره عبر صفحته على موقع “فيسبوك” في 23 نوفمبر/تشرين الأول، أن أكثر من 1.5 مليون مدني لا يزالون يعيشون في المخيمات، ما يشكّل نحو 75.18% من العدد الكلي السابق، رغم حركة العودة المسجّلة إلى المدن والقرى، وذلك نتيجة الدمار الواسع الذي طال المناطق السكنية، وعدم قدرة النازحين على ترميم منازلهم.
وبحسب البيان، فإنّ أكثر من 95% من العائلات غير قادرة على تأمين مواد التدفئة لفصل الشتاء المقبل، و83% من النازحين لم يحصلوا خلال الشتاء الماضي على أي مساعدات متعلقة بالتدفئة، ولا سيما داخل المخيمات.
