تمثل تجربة جيل الربيع العربي إحدى أكثر القطائع التاريخية والتحولات السوسيوسياسية تعقيدًا في التاريخ الحديث لشرق المتوسط، ففي أقل من عقد واحد، انتقل هذا الجيل من موقع الفاعل السياسي المركزي، الساعي إلى بلورة عقد اجتماعي جديد مؤسَّس على الكرامة والعدالة وحقوق الإنسان، إلى كتل بشرية مفككة تخضع لعمليات “إعادة تدوير” منهجية داخل النظامين الإقليمي والدولي.
ولم يكن انكسار لحظة يناير، في مصر، مجرد تعثّر سياسي عابر أو هزيمة ميدانية محدودة، بل مثّل إعلانًا عن بدء مشروع هندسي متكامل تقوده قوى الثورة المضادة، مشروع لا يستهدف فقط قمع الاحتجاج، بل يسعى إلى تفكيك “النوى الصلبة” لهذا الجيل، وإعادة توزيع طاقاته خارج المجال السياسي بصورة شبه كاملة.
لقد جرى تحويل “المواطن الثائر”، الذي كسر حاجز الخوف في الميادين، إلى “مادة خام” قابلة للاستهلاك ضمن مسارات اقتصادية وأمنية بديلة، حيث أُعيد تعريف الأدوار والحدود على نحو يضمن استمرارية الأنظمة الاستبدادية وتأمين مصالح القوى الإقليمية الدولية.
في هذا المقال، نحاول تفكيك آليات احتواء هذا الجيل، وفهم كيف جرى تحويله من قوة تغيير، إصلاحية كانت أو راديكالية، إلى أرقام في سجلات المنافي، أو طاقات رخيصة في سوق العمل العالمي، أو أجساد صامتة في أوطانها، ترزح تحت وطأة “المقايضة الخطيرة” بين الأمن والحرية.
استراتيجية “التحالفات السائلة” وتفكيك النظام الإقليمي
اعتمدت استراتيجيات النظام الإقليمي بعد عام 2013 على هندسة دقيقة للتفتيت، استهدفت في جوهرها إجهاض أي إمكانية لظهور فعل جماعي عابر للحدود. وفي هذا السياق، برزت ظاهرة “التحالفات السائلة” (Liquid Alliances) بوصفها أداة مركزية لإدارة المرحلة؛ وهي شراكات براغماتية مؤقتة، خالية من أي التزام أيديولوجي أو مؤسسي، لا يجمع أطرافها سوى هدف واحد يتمثل في إدارة الصراعات على نحو يمنع صعود القوى الديمقراطية، وخصوصا قوى الإسلام السياسي.
ضمن هذا المشهد، جرى استبدال منظومات العمل العربي المشترك التقليدية، وعلى رأسها الجامعة العربية التي عجزت عن أداء أي دور بنّاء، بائتلافات أمنية إماراتية/سعودية/مصرية/أردنية، سعت إلى تجفيف منابع النشاط الشعبي وتجريم التظاهر تحت لافتة “مكافحة الإرهاب“. وقد جاءت هذه المقاربة نتاج حالة من القلق البنيوي والتهديد الدائم بالتغيير الذي واجه تلك الأنظمة وغيرها، ما دفعها إلى تبنّي سياسة تقوم على “الهدم ثم الترك للصراعات الداخلية”، حيث تتحول الفوضى المدارة إلى أداة للضبط والتحكم، ويغدو التدخل الأمني الخارجي شرطًا لازمًا لاستمرار الحياة السياسية الهشة.
هذه الشراكات، إلى جانب توحش القمع الداخلي، لا سيما في مصر والسعودية والإمارات، أسهمت في تآكل المجتمع المدني وخلق بيئة اقتصادية طاردة، جرى فيها استهلاك طاقات الشباب في حروب بالوكالة في سوريا وليبيا واليمن، ثم لاحقًا في السودان، بما حوّلهم من فاعلين من أجل الديمقراطية إلى أدوات في صراعات جيوسياسية كبرى.
بمعنى آخر، لقد أُعيد “تدوير” هؤلاء الشباب كوقود لهذه النزاعات، أو كأوراق مقايضة بشرية في المفاوضات الدولية بين القوى الإقليمية وأوروبا، على نحو أفرغ الربيع العربي من محتواه القيمي والثوري، وحوّله إلى أزمة “إدارة تدفقات بشرية هائلة“. وبهذا، لم يكتفِ النظام الإقليمي بمواجهة جيل التغيير مواجهة مفتوحة، بل عمل على إعادة صياغة الإقليم ذاته، بحيث لا يعثر هذا الجيل على أي مساحة للفعل السياسي مرة أُخرى، بل يواجه فقط مسارات للهجرة أو للانخراط في تشكيلات مسلحة غير دولية، تخدم أجندات عابرة للحدود.

سوسيولوجيا الانكفاء.. الدولة الكارسرية وصناعة “المواطن الصامت“
في الداخل، وتحديدًا في النموذج العسكري الذي تبلور في مصر بعد انقلاب يوليو عام 2013، شهدنا، تدريجيا، تشكّل ما يمكن تسميته بـ “الدولة الكارسرية” (Carceral State)، وفق توصيف الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو؛ وهي منظومة لا تتوقف عند جدران السجون، بل تتمدد لتشمل الفضاء العام بأكمله، وفي قلبه الدولة الحديثة ذاتها.
تقوم هذه الدولة على استراتيجية “الإبادة السياسية” لكل أشكال التنظيم المستقل، مع فرض مقايضة خطيرة على المجتمع قوامها الأمن والاستقرار مقابل التخلي الكامل عن الحقوق السياسية. في هذا السياق، برز مفهوم “المواطن الصامت” لا بوصفه غيابًا للموقف، بل باعتباره استراتيجية صمود فردية فرضها مناخ الترهيب العام الذي تمارسه السلطة عبر ترسانة قانونية وإعلامية هائلة، تُشيطن النشطاء وتُجرّم أي نقد للرئيس أو للمؤسسات.
وهكذا، تحوّل الصمت إلى “مكافأة”، وغدا المواطن المثالي هو ذلك الفرد المنفصل عن الشأن العام، المنكفئ على تأمين لقمة العيش، في ظل سياسات نيوليبرالية قاسية أسهمت في إفقار الطبقة الوسطى التي شكّلت أحد المحركات الأساسية لثورة يناير.
في تسجيل سابق عام 2014.. الناشط المصري علاء عبد الفتاح: “المطلوب مننا إننا نُصرّ أن ننتصر للحق ونتمسك بذلك”. pic.twitter.com/FqhNOG2aIx
— نون بوست (@NoonPost) January 25, 2026
ولم يتوقف القمع عند حدود الفرد، بل تمدد ليطال عائلات النشطاء عبر ما يُعرف بـ “العقاب بالوكالة” أو القمع المعدي، ما أفضى إلى حالة ما يُعرف بـ“فضّ التسييس” (Depoliticization) القسري داخل الأسر، إذ يدفع تعرّض الأقارب للانتهاكات إلى ممارسة ضغوط داخلية على الأبناء للانسحاب من المجال العام، بما يؤدي إلى تدمير رأس المال الاجتماعي وتفكيك الروابط التضامنية التي شكّلت وقود الميادين.
وتزامن ذلك مع عملية “أنجزة” (NGOization) واسعة لما تبقى من النشاط العام، حيث جرى تحويل النشطاء إلى “موظفين” محترفين داخل منظمات دولية، محكومين بلغة تقنية محايدة وأجندات تمويلية تُبعدهم عن الصراع السياسي الحقيقي وتفصلهم عن الجماهير العريضة. هذا الشكل من “الخروج السياسي” عبر الاحتراف المهني (Professionalization) وفّر حماية نسبية لبعض الأفراد، لكنه كان في جوهره آلية لتفريغ الحراك من شحنته الثورية، وتحويله إلى مشروعات وتقارير بيروقراطية منزوعة الأثر الفعلي، في نظام عالمي، في الوقت الحالي، لم يعد مهتما بأي قيم ديمقراطية وحقوقية.
كما أدت هذه الضغوط المتراكمة إلى انتشار حالة من الاكتئاب السياسي الوجودي، بين أوساط الشباب العربي، حيث تصاعدت معدلات القلق واليأس والإحساس باللاجدوى، لا سيما بين الفئات العمرية من 18 إلى 30 عامًا. هذا الانهيار المعنوي لا يمكن اعتباره أثرًا جانبيًا، بل يمثل ركنًا أصيلًا في استراتيجية الثورة المضادة، التي تسعى إلى كيّ الوعي وإقناع هذا الجيل بأن أي محاولة للتغيير ستقود حتمًا إلى الخراب الجماعي أو السجن الفردي. وبهذا، نجحت الأنظمة في تحويل طاقة “الأمل” التي ميّزت عام 2011 إلى طاقة “خوف” أو “لامبالاة”، بما يضمن استمرارية النظام دون حاجة إلى مواجهة دائمة، إذ يتولى المجتمع نفسه مهمة المراقبة الذاتية.
الشتات العابر للحدود
لم يعد الخروج من الوطن مرادفًا للخلاص من قبضة السلطة، بل غدا انتقالًا إلى طور جديد من “إعادة التدوير” الاقتصادي والأمني خارج الحدود. اليوم، نحن نعيش في العصر الذهبي للقمع العابر للحدود، حيث تلاحق الأنظمة الاستبدادية معارضيها في المنافي عبر أدوات المراقبة الرقمية، وسوء استخدام النشرات الحمراء للإنتربول، والتهديدات المباشرة بالاغتيال أو الاختطاف، فضلًا عن محو الأسماء من السجلات الرسمية عبر رفض تجديد الأوراق الثبوتية.
هكذا، تحوّل المنفى من فضاء محتمل للمقاومة والجهر بالحق إلى ساحة صراع يهيمن عليها الخوف، يُدفَع فيها المنفيون إلى الصمت ضمانًا لسلامة ذويهم في الداخل، بما يحوّل مجتمعات الشتات إلى كتل منكفئة ومعزولة، تفضّل الاندماج الفردي، رغم صعوبته أيضا، على الفعل الجماعي المعارض.
“الجدع.. أيقونة الثورة المصرية”.. شاب مصري يقف بكل قوة وجرأة أمام مدرعة للأمن المركزي خلال ثورة يناير 2011، وأجبرها على الوقوف رغم استخدامها خرطوم مياه لتفريق المتظاهرين. pic.twitter.com/WaonpOHFfZ
— نون بوست (@NoonPost) January 25, 2026
وعلى الصعيد الاقتصادي، جرى استيعاب جيل الربيع العربي في سوق العمل العالمي بوصفه “مادة خام”، أو قوة عاملة رخيصة، أو كفاءات مدرَّبة تُستنزف في الخارج. وقد مثّلت موجات هجرة الشباب والعقول من مصر وسوريا ولبنان نزيفًا هائلًا لرأس المال البشري في أوطانهم، في مقابل تحوّلهم إلى وقود للإنتاج في دول الشمال، التي استفادت من هذه الطاقات الجاهزة دون تحمّل كلفة تعليمها أو تأهيلها.
هذا الواقع كرّس حالة انتظار مزمنة يعيشها الشباب العربي؛ إذ ظلّوا عالقين في مرحلة ما قبل البلوغ الاجتماعي، عاجزين عن تكوين أسر أو تحقيق استقرار في أوطانهم، ما يدفعهم إلى الهروب نحو أي فرصة هجرة، حتى وإن كانت عبر مسارات غير شرعية وشبكات تهريب تتاجر بأجسادهم، أو حتى عبر الانخراط في عمليات تجنيد لحروب لا تعنيهم في شيء.
إن اختزال اللاجئ أو المهاجر إلى “وحدة اقتصادية” مجردة يعني أن قضية الربيع العربي قد جرى تدويلها، لتتحول إلى ملف إداري في بروكسل أو واشنطن، يتعلق بكيفية إدارة هذه الكتل البشرية واستيعابها دون السماح لها بالتأثير في السياسات، سواء الداخلية أو الإقليمية أو الدولية. وفي بعض الحالات الأكثر مأساوية، جرى توظيفهم كأوراق ضغط ديموغرافية لابتزاز الاتحاد الأوروبي. وبهذا، يكتمل مشهد “التفكيك والتدوير”، من بقي في الداخل صمت أو سُجن، ومن غادر استُنزف اقتصاديًا أو طورد أمنيًا، ليظل النظام الإقليمي بمنأى عن أي تهديد فعلي من الجيل الذي امتلك، في لحظة ما، مفاتيح التغيير.
نهاية، لا يمكن قراءة مصير جيل يناير بوصفه هزيمة مكتملة، بقدر ما هو تعبير عن فاعلية أُجهِضت قسرًا عبر استراتيجية إقليمية واعية، قامت على التفكيك البطيء والمنهجي، لا على القمع المباشر وحده، فقد نجحت الثورة المضادة في إعادة توجيه طاقات هذا الجيل من أفق الفعل الجماعي والمشروع الوطني إلى مسارات فردية للنجاة، متمثلة بصمت ثقيل داخل “الجمهورية الثانية”، أو اندماج وظيفي هش في جغرافيا الشتات، ضمن عقد اجتماعي جديد يقوم على الأمن المعلّق والاستهلاك، لا على المواطنة والحقوق.
غير أن هذا الإخماد لا يعني الإطفاء النهائي؛ فالتجربة الثورية، حتى في انكسارها، أعادت تشكيل الوعي الجمعي على نحو يستحيل محوه أمنيًا أو تقنيًا. ولا يزال جيل يناير، رغم التشتت والانكفاء، يحمل في ذاكرته السياسية “جينات التغيير” التي تشكّلت في الميادين، بينما تواصل الأنظمة عجزها عن معالجة الأزمات البنيوية التي فجّرت اللحظة الأولى أصلًا.
من هنا، لا يكمن الرهان الحقيقي في استعادة الماضي، بل في القدرة على إعادة تركيب هذه الذوات المبعثرة في المنافي والبيوت الصامتة بوصفها شبكات تضامن جديدة، قادرة على اختراق الدولة الكارسرية وانتزاع زمام المبادرة من خارج الخرائط التي رسمها النظام الإقليمي لإعادة إنتاج السيطرة.