“في البداية كنا نفكر في إنشاء منطقة حرة، ثم منطقة لحماس، ثم قلنا… دعونا نخطط لنجاح هائل”، كوشنر، مطور عقاري وصهر ومستشار الرئيس الأمريكي خلال كلمة له في مؤتمر دافوس 2026.
بخفة ساحر، وعلى هامش حفل إطلاق مجلس السلام، المنضوي تحت برنامج الاجتماع السنوي الـ56 للمنتدى الاقتصادي العالمي، دافوس في سويسرا، وبحضورٍ رسمي لأكثر من 130 دولة، و60 رئيس دولة وحكومة، طرح جاريد كوشنر صهر ومستشار دونالد ترامب، خطة شاملة لإعادة إعمار قطاع غزة، أطلق عليها “غزة الجديدة”.
الخطة التي جاءت بعد اتفاق وقف إطلاق نار، خففت قليلًا من أوار حرب إبادةٍ مشتعلة منذ عامين في قلب القطاع، كانت تعبيرًا متكررًا عن “روح” الإدارة الأمريكية الجديدة، وعن أهوائها الاستثمارية، بتحويل منطقة إبادة إلى مشروع عمراني واستثماري، ومركزٍ اقتصادي واعد، بـ “زيرو بطالة” لسكانه، وبالكثير من الأبراج والمناطق الاقتصادية.
أول المعقبين على هذه الخطة، كان الرئيس الأمريكي الذي حدد بوصلة اهتماماته المرتبطة بقطاع غزة بقوله: “إنها قطعة أرض جميلة، حتى في ذروة الحرب ظللت أنظر إلى المنطقة بوصفها موقعاً محتملاً لإقامة مدينة شبيهة بالمنتجعات، على ساحل البحر الأبيض المتوسط”، معتبراً أنّ اندفاعه نحو السلام بين إسرائيل وحماس “بدأ أساساً من الموقع”.
لكن الموقع نفسه، يحمل لكوشنر وترامب، وللمتحمسين لخطتها الكثير من الألغام، المرتبطة بتاريخ الشرق الأوسط في تحويل القضايا السياسية إلى صفقات استثمارية، ابتداءً من صفقة القرن التي كانت مشروعًا استثماريًا اقليميًا، وانتهاءً بمجلس السلام، الذي وضع على الطاولة أول مشاريعه الاستثمارية “غزة الجديدة”، وبرسوم اشتراك مليار دولار للدولة الواحدة.
فكيف بدأ مشروع كوشنر الاستثماري؟، وما أهدافه الحالية والمؤجلة؟ وما أثره على القضية الفلسطينية والقضايا التحررية في المنطقة العربية؟ وإلى أي درجة تُراهن الإدارة الأمريكية على نجاح الخطة؟، وأخيرًا، ما الذي لم يقله كوشنر، وقالته غزة منذ زمن؟.
خطط قديمة بألوان جديدة
في مايو 2019 وخلال مقالٍ له دعا روبرت ساتلوف المدير التنفيذي في معهد واشنطن، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتخلي عن خطته للسلام في المنطقة العربية، قائلًا بأن اقتراح ترامب “سيخسر فيه الجميع في كل الأحوال” وأنّ على ترامب التخلي عنه لتجنب مواجهة الفشل المحرج، ما حفّز صهر الرئيس لإجراء مناظرة معه، لـ”توضيح” المقترح.
في المقابلة أكد كوشنر، مهندس المقترح -المعروف باسم صفقة القرن-، أن معادلة العمل هي الأمن “للإسرائيليين” مقابل تحسين نوعية الحياة للفلسطينيين، مع التركيز بشكل أقل على التطلعات السياسية لهم، وعندما سئل عن موقفه من دولة منزوعة السلاح، أجاب كوشنر أنه يتجنب مصطلح “الدولة تمامًا” -دعونا لا نستخدم هذا المصطلح-.
كما أوضح صهر الرئيس أن الخطة تُركز على جعل المنطقة الفلسطينية، جاذبة للاستثمارات، -استثمارات الغير- وأن المساهمة الأمريكية ستكون متواضعة، وأن الكثير من الوقت سيمر قبل أن يلمس الفلسطينيون تحسّن أحوالهم المعيشية.
لاحقًا علّق ساتلوف على مقترح كوشنر الذي أصر على تسميته بـ “مشروع خطة السلام”، أن هدفه هو تجنب حقول الألغام السياسية التي يمكن أن تعقد حياة نتنياهو، وأن أفكاره تتمحور حول إسرائيل، وتتنصل من المطالب الفلسطينية، وأنه تعبير عن حالة من التنافر المعرفي الدبلوماسي.
هذا التنافر المعرفي الدبلوماسي -إياه-، تجلى مراتٍ ومرات منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، فبعد أقل من شهرين على تنصيبه أعاد صهره إحياء المخططات القديمة من خلال اقتراح “استثماري” آخر، في مارس 2024، داعيًا “إسرائيل” لتنظيف القطاع من سكانه، بنقلهم إلى النقب، أو مصر، ثم الاستثمار في الواجهة البحرية في غزة التي ” يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة إذا ركز الناس على بناء سبل العيش”.
رجل الأعمال والسياسي الأمريكي، جاريد كوشنير، يدعو إلى “تنظيف” قطاع غزة من سكانها، متحدّثًا عن القيمة العالية لعقارات الواجهة البحرية في القطاع في مقابلة أجراها في وقت سابق من هذا الشهر#غزة_الآن #غزة_تحت_القصف pic.twitter.com/X7SC513epr
— نون بوست (@NoonPost) March 20, 2024
ثم تكرر ذلك، مطلع أكتوبر 2024 ، حين قال ترامب في مقابلة إذاعية له “إن غزة قد تكون أفضل من موناكو إذا ما أعيد بناؤها بالطريقة الصحيحة، ليلحق ذلك بتصريحٍ آخر في فبراير 2025، حول إمكانية تحويل غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط” ومنتجع سياحي دولي بإدارة أمريكية، متبعًا إياه بفيديو مُنتج بأدوات الذكاء الاصطناعي، تظهر فيه غزة مدينة عامرة بناطحات السحاب، بينما تمتلئ شوارعها بالسيارات الفاخرة، مع لافتات كُتب عليها “ترامب غزة”.
تكلل ذلك كله، في الأشهر الثلاث الأخيرة من العام الماضي، حين أصبح كوشنر مشاركًا رئيسيًا في اجتماعٍ حول غزة، بالإضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ليجتمع الثلاثة على فكرة واحدة، تلتقي مع إيمان كوشنر وحماه، أن الصراع العربي” الإسرائيلي: “ليس أكثر من نزاع عقاري بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.
ثم ليبدأ العام الجديد، بمخططات هندسية مزدحمة بالألوان، ومدعومة بشرائح توضيحية، تعد العالم -وليس الفلسطينيين-، بـ “غزة جديدة” و رفح جديدة، وخانيونس جديدة -وكله جديد- يتحول القطاع وفقًا له، من منطقة منكوبة بالإبادة والدمار، إلى مركز اقتصادي، يبدأ ذلك وفق كوشنر على مراحل.
أولًا، نزع سلاح المقاومة كشرطٍ أساسي لنجاح عملية إعادة الإعمار، وثانيًا الهدم من أجل البناء، مشيرًا -أو مهددًا- “إذا لم تنجح هذه الخطة فلا يوجد لدينا خطط بديلة”، ومؤكدًا أن “الجميع” سيستثمر في القطاع.
أما التفاصيل، فهي أكثر من 180 برجًا تحتل الواجهة البحرية، وأكثر من100 ألف وحدة سكن دائم، و200 مركز تعليمي، و75 مرفق طبي، و180 مركز ثقافي ومهني وديني -قصده مساجد مثلًا؟ -، وتوفير أكثر من 500 ألف فرصة عمل في قطاعات البناء والزراعة والصناعة والخدمات والاقتصاد الرقمي، بينما ستُضخ الاستثمارات في المرافق الحديثة، حيث خصص المشروع 25 مليار دولار للخدمات العامة، و3 مليارات دولار في المناطق التجارية وبرامج القروض والتمويل، و1.5 مليار دولار في برامج إعادة تأهيل القوى العاملة.
هندسة الفلسطيني الجديدة
اللافت في كوشنر وترامب، أن كليهما، ومن حولهما، يتعاملان مع المنطقة العربية، إما باعتبارها منطقة خالية من السُكان، ومن السهل إحداث تغييرات عمرانية واجتماعية واقتصادية فيها، أو أن سكانها منقادون لسلطة المال، متجاهلين حقيقة حقائب الأموال القطرية التي كانت تدخل إلى غزة بانتظام -بموافقة “إسرائيل”- لتحسين أوضاع سكانها، ظنًا “اسرائيليًا” أن ذاك مدعاة للتهدئة، قبيل الطوفان.
يقول ساتلوف عن ذلك: “إنّ أي شخص على معرفة بالشرق الأوسط يدرك أن التشابه بين عملية السلام والصفقات العقارية في نيويورك ينهار بسرعة. معظم الفلسطينيين رفضوا عروضاً أكثر إغراءً من قبل، وهذا ما قصده أبا إيبان بقوله المتهكم إنهم “لا يفوتون فرصة لتفويت فرصة”.
في الواقع، فإن الفرص الوحيدة التي يشير لها كوشنر أو ساتلوف أو حتى أبا إيبان، تكمن في إعادة الهندسة الاجتماعية والعمرانية للقطاع، فمن ناحية الألوان (الوري والأصفر والأبيض) المتجاهلة لوجود حدودٍ فاصلة بين القطاع وغزة، وتمحو معبر رفح لصالح تحويله جزءًا من سيطرة “إسرائيلية”.
ومن ناحية الثقل السياسي والاجتماعي والديموغرافي، الذي يتم نقله -تطهيرًا عرقيًا بمظلة استثمارية- من غزة إلى خانيونيس ورفح، بإفراغ الشمال، وتركه مفتوحًا أمام السيطرة “الإسرائيلية”، وهناك الاعتمادية الكاملة على سلاسل التوريد الإسرائيلية، عبر المراكز الصناعية الحدودية، التي تُعد مثالًا للمراكز الصناعية الاستيطانية في الضفة، ما يجعل القطاع متكئًا على المزاج الإسرائيلي.
⭕ “صفقة #ترامب” في #غزة.. إعمار أم إعادة هندسة سياسية؟
🏗️ مشاريع ضخمة، ناطحات سحاب ومنتجعات، لكنها تخفي وراءها هندسة جديدة للمجتمع الغزّي وفق رؤية نيوليبرالية.. فهل يكون “الإعمار” وسيلة لإعادة تشكيل الواقع السياسي بعيدًا عن الحقوق؟ 👇 https://t.co/GwnP5bEtB6 pic.twitter.com/AaJuQUcw5y
— نون بوست (@NoonPost) February 10, 2025
ناهيك عن يخوت الأثرياء وجزر المستثمرين، ومنشآت العمال، التي تؤسس لطبقية رأسمالية كاملة، بينما يتحول القطاع وسكانه إلى عناصر تتبع في المنظومة الالكترونية الإسرائيلية، بفعل انكشاف خارطة ما فوق الأرض وما تحتها، وبالتزامن مع تفريغٍ متسارع في النقد الورقي لصالح النقد الرقمي.
في خرائط كوشنر تحضر الأراضي الزراعية، لكنها تحضر كطرقٍ فاصلة بين المدن تُسهل اجتياحها ومحاصرتها، يحضر الطريق الساحلي، لكنه تحت سيطرة “إسرائيلية” تفرض على الجميع المرور عبره للوصول إلى البحر، تتضاءل أرصفة الصيد، ربما لا يشكل الصيد قطاعًا مربحًا بالنسبة لكوشنر وترامب.
تُمحى مخيمات اللاجئين، وتُعاد هندستها على خطى هندسة مخيمات الضفة، بينما يُقدم الثراء والدولار ثمنًا لإسقاط هوية وطنية، وشطب حقوق اللاجئين، ومحو حق العودة، وطمس مقابر الشهداء، وتجاهل الألوف من الأسرى.
تقول الباحثة في معهد كارنيجي، نور عرفة، في مقالٍ نشرته مطلع 2025: ” جرد ترامب الفلسطينيين من إنسانيتهم، عبر منظور عنصري واستشراقي، وسلبهم أي قدرة على التأثير، مصورًا إياهم وكأنهم خاضعون بلا أي طموحات سياسية، بيما تصريحاته تعكس جهلًا عميقًا بالتاريخ الفلسطيني، وبارتباط الفلسطينيين بأرضهم”.
ما لم يقله كوشنر
يتحدث كوشنر بلغة المال والعقار، لكنه يُسقط من حساباته قضايا أساسية، من شأنها ببساطة أن تضعه ومخططه على دكة الفشل السابق نفسه، فبالنسبة له غزة أرض مشاع، لا يوجد فيها حقوق ملكية، ولا تعويض لفلسطينيين فقدوا منازلهم وأعمالهم وسبل عيشهم خلال الحرب، بالنسبة له، لم تكن هناك حربٌ أصلًا.
يتحدث كوشنر عن نزع سلاح المقاومة، دون أن يفكر بالآلية، يتحدث عن الهدم والتجريف، دون أن يفكر في المكان الذي سيعيش فيه النازحون الفلسطينيون خلال عملية الإعمار، يتحدث عن التمويل، لكنه لا يعرف الجهة الممولة، ويقول: “سيتم عقد مؤتمر في واشنطن خلال الأسابيع المقبلة، سنعلن فيه عن كثير من المساهمات التي ستُقدَّم من القطاع الخاص”.
هل يقصد المطور العقاري الإسرائيلي، ياكير غباي، الذي قادم جهدًا منظمة لأسرلة الجامعات الأمريكية والرأي العام الأمريكي خلال الإبادة؟
⭕ هل تستثمر شركة #كوشنر في غزة لخدمة الفلسطينيين أم لتمرير “صفقة القرن”؟
💰 تحت ستار التنمية، تُضخ الأموال الخليجية في مشاريع قد تعيد تشكيل #غزة بعيدًا عن إرادة أهلها. فهل هي إعادة إعمار أم إعادة تموضع لمصلحة “إسرائيل”؟ قراءة بين سطور المال والسياسة.👇 https://t.co/7fOn2CveT5
— نون بوست (@NoonPost) February 8, 2025
ثم ينطلق كوشنر إلى أفق المشروع، 3 سنوات هنا، وعشر سنوات هناك، و100 مليار هنا وهناك، بحلول 2035، هنا أيضًا يبرز الجهل المعرفي، فوكالات الأمم المتحدة، حددت سنوات إزالة الركام من القطاع، دونًا عن إعادة الإعمار بـ 5-7 سنوات فقط، فيما قدرت أن إعادة الإعمار ستستغرق عقدًا على الأقل، بعد ذلك.
عمومًا تشير تجارب الفلسطينيين مع مشاريع السلام الاقتصادي، إلا أن مصيره سيكون الفشل، رغم ما يكتنفه المشروع الأخير من أهداف لإعادة صياغة حياة الفلسطيني ومستقبل القطاع، ورغم غياب قانونيته بصفته تطهيرًا عرقيًا وتهجيرًا جماعيًا واستيلاءً غير مشروع، وتحويلًا للمجتمع الفلسطيني من وطني إلى مهني.
أولًا، لأن الاحتلال، ويمينه الإسرائيلي لا يرى لغزة سوى الاستيطان، ولأهلها سوى التهجير، لا إعادة إعمار ولا تعاون اقتصادي ولا رخاء مادي، لأن تجارب الاحتلال منذ عام 1948 وحتى اليوم دفعتهم لإدراك أن العقل الفلسطيني يرى الحرية أفقًا للرخاء المادي، وليس العكس.
ثانيًا، لأن الدول العربية، وأولها الإمارات، أعلنت أنها لن تستثمر في إعادة إعمار القطاع، بعد تيقنها من استحالة تراجع الفلسطيني عن حقوقه ومطالبه، ما يعني نزاعًا طويل الأمد.
وثالثًا، لأن الفلسطيني بحسه، أصبح يُدرك أن “الازدهار” يأتي بالتطبيع، والتطبيع يأتي بأوسلو أخرى أو بالتركيع، وأن الفلسطيني لا يركع، لا لمحتله، ولا لمطور عقاري، ولا لنظام عربي أو إقليمي، ولا لأوسلو جديدة.
مخطط ترامب وكوشنر محكوم بالفشل، رغم ديناميكيته وألوانه الحيوية مقارنة بمخططات سياسية سابقة، ذلك لأنهما لا يريان غزة بعيون سكانها، ولأن محاولتهما الأخيرة مجرد تغطية على فشل “إسرائيل” في فرض حلٍ أو حكم عسكري على غزة، وعجزها عن القضاء على حركة حماس، ولأن عشرة أعوام مدة طويلة جدًا من اليقين، بالنسبة لمنطقة الثابت فيها هو التغير باستمرار.
