ترجمة وتحرير: نون بوست
عندما أبرمت المملكة العربية السعودية صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار مع الجيش السوداني في يناير/ كانون الأول، كان هناك شرط واحد: تدفق الأسلحة إلى القوات السودانية مرتبط بتخلي الجنرال عبد الفتاح البرهان عن الطائرات المسيّرة الإيرانية، حسب ما صرّح به مسؤول خليجي ومصدر مطّلع لموقع “ميدل إيست آي”.
تؤكد هذه المناورات الدبلوماسية كيف تحاول دول الخليج – على غرار السعودية – الاستفادة بشكل سري من ضعف إيران، في الوقت الذي تواجه فيه طهران مزيجًا من النكسات العسكرية ضد إسرائيل والغضب الداخلي بسبب الأزمة الاقتصادية.
لكن بعض دول الخليج تشعر بالقلق، وفقًا لعدد من المحللين والمسؤولين الغربيين والعرب. تعتقد هذه الدول أن هجوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران قد يُخلّ بالتوازن الجديد الذي يمكن أن يسمح لهم بالحصول على تنازلات هادئة وإحياء المفاوضات النووية دون خطر الصدام.
وقال جوشوا يافي، الباحث البارز في “مركز ناشيونال إنترست”، لموقع “ميدل إيست آي”: “هناك مصلحة للخليج في أن تكون إيران ضعيفة دون أن تغرق في الفوضى”.
يكمن القلق الأكبر لدى الملكيات الخليجية في أن يؤدي الهجوم الأمريكي إلى رد فعل غاضب من الجمهورية الإسلامية يمتد خارج حدودها، أو إلى تعزيز سلطة الحرس الثوري الإيراني.
وأضاف يافي، الذي شغل سابقًا منصب كبير محللي شؤون الخليج في وكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية: “آخر ما يريدونه هو سلسلة من الضربات الأمريكية تؤدي إلى تغيير النظام، حيث إن النتيجة الأكثر احتمالًا ستكون انقلابًا ناعمًا يقوده الحرس الثوري، وهو ما قد يكون أسوأ بكثير من حكم رجال الدين”.
تعرضت إيران لضربات قاسية من إسرائيل والولايات المتحدة خلال العامين الماضيين، لكنها أثبتت أنها قادرة على مواجهة الطرفين. على سبيل المثال، عندما قصفت تل أبيب بالصواريخ خلال حرب استمرت 12 يومًا في يونيو/ حزيران، وصمودها بعد أن قصفت الولايات المتحدة منشآتها النووية.
باختصار، تتفق الولايات المتحدة وشركاؤها في الخليج على أن إيران قد أُضعفت، لكنهم يختلفون حول كيفية الاستفادة من هذا الضعف. ويقول الخبراء إن السعودية ترى أن الأمر أقرب إلى ما فعلته في السودان.
قالت ياسمين فاروق، مديرة برنامج الخليج في مجموعة الأزمات الدولية، لموقع “ميدل إيست آي”: “الخليج يستفيد من ضعف إيران. إنهم يملأون الفراغ، لكنهم يريدون القيام بذلك بأكثر الطرق تنظيمًا وأقلها تكلفة”.
وأضافت: “ترى الولايات المتحدة وإسرائيل هذا الضعف كفرصة محتملة لضرب النظام، في حين يراه البعض في الخليج فرصة للحصول على تنازلات”.
مخاوف خليجية
أثار ترامب التكهنات حول شن ضربات على إيران خلال حملة القمع الوحشية التي شنّتها الحكومة ضد المتظاهرين في وقت سابق من هذا الشهر، وقد ضغطت السعودية وعُمان وقطر على الولايات المتحدة لوقف الهجوم، وتراجع التوتر مع انحسار الاحتجاجات.
ورغم ظهور مؤشرات على خفض التصعيد، تشعر بعض عواصم الخليج بالقلق من أن ترامب مازال ينوي شنّ جولة جديدة من الضربات، وفقًا لما ذكره مسؤول غربي ودبلوماسي عربي ومصدر خليجي مطلع لموقع “ميدل إيست آي”.
قال ترامب مساء الخميس إن “قوة كبيرة” تتجه نحو إيران وإنه يراقب البلاد “عن كثب”. وتتجه حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” إلى بحر العرب، وفقًا لبيانات تتبع السفن.
وقال المسؤول الغربي لموقع “ميدل إيست آي”: “هذا الصراع سيستمر. ستناور الإدارة الأمريكية بخياراتها العسكرية، ويدفع شركاؤها في الخليج نحو التهدئة. من الصعب رؤية حل حتى تتغير الحقائق على الأرض في إيران”.
في المقام الأول، تعارض دول الخليج الضربات الأمريكية لأنها تخشى أن تقع في مرمى النيران، حيث تستضيف دول مثل السعودية وقطر قواعد عسكرية أمريكية، وقد يؤدي هجوم أمريكي تزامنا مع الاضطرابات الداخلية إلى رد فعل عنيف يتجاوز الحدود ويكون أكثر اتساعًا وغموضا من الهجوم المنسق في يونيو/ حزيران 2025 على قاعدة العديد الجوية في قطر، بعد قصف الولايات المتحدة منشآت إيران النووية.
تتحرك الولايات المتحدة لنشر أنظمة دفاع صاروخي “باتريوت” و”ثاد” في المنطقة لمعالجة هذه المخاوف، حسبما أفادت به صحيفة “وول ستريت جورنال” هذا الأسبوع. لكن المصدر الخليجي قال لموقع “ميدل إيست آي” إن المعارضة للضربات، خصوصًا في السعودية، تتجاوز مجرد التموضع التكتيكي للمعدات العسكرية.
وقال المصدر: “أولاً، لم تعد إيران تُعتبر تهديدًا. ثانيًا، هناك فرصة حقيقية للتفاوض مع الإيرانيين لأنهم ضعفاء. ترامب كان لديه فنزويلا. ما يُقال للأمريكيين هو: هذه منطقتنا. يمكننا أن نعقد صفقة”.
لكن الخليج بالطبع ليس كتلة واحدة.
الخلاف بين الإمارات والسعودية
بينما تقود السعودية وعُمان وقطر الجهود لإقناع ترامب بعدم شن جولة جديدة من الضربات، فإن موقف الإمارات غامض، حيث تصدر إشارات متباينة من خبراء ومسؤولين.
وقال الدبلوماسي العربي والمصدر الخليجي لموقع “ميدل إيست آي” إن عائلة آل نهيان الحاكمة في الإمارات لديها مستوى أعلى من المخاطرة مقارنة بجيرانها في الخليج، وهي حذرة من إظهار أي تباين في المواقف مع إسرائيل التي تؤيد تغيير النظام في طهران.
لكن مسؤولين آخرين مطلعين قالوا لموقع “ميدل إيست آي” إن الإمارات تعارض التدخل العسكري في إيران.
وأشار المصدر الخليجي إلى أن أحد المؤشرات على استعداد الإمارات للموافقة على شن ضربات ضد إيران هو أن السعودية أخذت زمام المبادرة في الضغط على الولايات المتحدة ضد هذه الخطوة، على عكس ما حدث في يونيو/ حزيران 2025.
وقال المصدر الخليجي، الذي تحدث إلى موقع “ميدل إيست آي” بشرط عدم الكشف عن هويته: “لو حدث هذا التصعيد قبل انقطاع العلاقات بين السعودية والإمارات، لما بذلت السعودية كل هذا الجهد لمنع الضربات”.
وأضاف: “لكن إسرائيل تؤيد الضربات، لذلك ترى السعودية أن الإمارات تؤيد الضربات. وبالتالي، تعارضها بشكل أكبر”.
شهدت العلاقات بين الإمارات والسعودية تدهورًا كبيرا في الآونة الأخيرة. ففي وقت سابق من هذا الشهر، طردت السعودية الإمارات وحلفاءها من اليمن. كما تدعم السعودية بالاشتراك مع مصر وتركيا القوات المسلحة السودانية ضد قوات الدعم السريع شبه العسكرية المدعومة من الإمارات.
يُظهر انشغال الرياض في الوقت الحالي بمحاربة الإمارات، ومعارضة التدخل العسكري في إيران، حجم التحولات التي طرأت على المنطقة.
في عام 2018، وصف وزير الخارجية السعودي السابق عادل الجبير إيران بأنها “أكبر راعٍ للإرهاب في العالم”. وكانت السعودية والإمارات في ذلك الوقت حليفين يخوضان حربا ضروسا ضد الحوثيين في اليمن، الذين تلقوا أسلحة وتدريبًا ودعمًا من طهران.
“المعاملة بالمثل”
استأنفت إيران والسعودية العلاقات الدبلوماسية في اتفاق توسطت فيه الصين في مارس/ آذار 2023، وقد تعزز التقارب بينهما خلال حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة.
وعندما سافر ترامب إلى الشرق الأوسط في مايو/ أيار، طلبت منه الرياض إيقاف الهجمات الأمريكية على الحوثيين، وكان موقع “ميدل إيست آي” أول من كشف عن ذلك.
قال عزيز الغشيان، المحاضر في الدراسات الأمنية بجامعة نايف العربية بالرياض، لموقع “ميدل إيست آي”، إن السعودية، بعد أن مارست ضغوطاً على ترامب لوقف الضربات الجوية، تريد الآن من طهران أن “تردّ بالمثل”. وأضاف أن اليمن على رأس قائمة أولوياتها.
وتابع قائلا: “تريد السعودية أن ترى تغييرًا في موقف الحوثيين، الذين زادوا من عدائهم للمملكة. في الوقت الحالي، يجب على إيران أن تعبر عن استيائها من الحوثيين”.
تتحرك قطر أيضًا لملء الفراغ الذي تركته إيران. فقد برزت كداعم مالي رئيسي للرئيس أحمد الشرع في سوريا، الذي شن جيشه هجومًا كبيرا ضد الميليشيات الكردية هذا الأسبوع.
تتقاسم قطر وإيران أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، وأي اضطرابات في إيران قد تضر بمصالح قطر الحيوية في مجال الطاقة.
ويقول المحللون إن كلًا من عمان وقطر تعتقدان أن الوقت قد حان لإظهار مهاراتهما في الوساطة والدفع نحو مفاوضات نووية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، وهناك بعض المؤشرات على أن جهودهما بدأت تؤتي ثمارها.
في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الأسبوع، قال ستيف ويتكوف، الذي يتشاور كثيرًا مع قادة الخليج: “إيران بحاجة إلى تغيير سلوكها… إذا أظهرت استعدادًا لذلك، أعتقد أننا نستطيع تسوية الأمر دبلوماسيًا”.
وهذا هو المسار الذي يفضله الخليج.
المصدر: ميدل إيست آي
