لا نعرف متى بدأ ذلك بالضبط، عوملت منطقة الجزيرة بصفتها مستعمرة داخلية، مستغلة اقتصاديًا، محدودة التمثيل سياسيًا، ومتخلفة ثقافيًا بصفتها مكونة من مجتمعات بدوية تحكمها القبائل والعشائر، خصوصًا بعد اكتشاف النفط والتفكير فيها كمورد للطاقة والمياه والزراعة والنفط (خزان القمح والقطن).
هل كان من سوء حظ هذه المنطقة أن تكون أغنى المناطق السورية؟
حين سيطرت قسد عليها نهاية عام 2017، ركزت على الموارد النفطية وأمعنت في إذلالها، ونظرت إلى سكانها على أنهم عبء لابد منه، وربما يستفاد منهم كمجندين محتملين، وسياسيًا يمكن أن تشكل مناطق الجزيرة عمومًا والعربية منها على وجه الخصوص غطاء للانفصال تحت مسمى “اللامركزية”، التي كان معظم السوريين على قناعة أنها كانت مجرد عبارة مخادعة عن الغاية التي يعرفها الجميع.
منطقة موارد
قد يكون لمركزية الدولة (المفرطة) التي تحتل فيها مدينتا دمشق وحلب الدور الرئيس في السياسة والاقتصاد منذ تأسيس الدولة، دورًا في إهمال الجزيرة، والنظر إليها كمنطقة حدود جغرافية محدودة الإمكانات، ومسكونة بالصراعات القبائلية والعشائرية، أكثر من كونها منطقة يجب أن تحظى بالتنمية.
صحيح أن الجزيرة السورية شاركت مبكرًا في الحياة السياسية منذ المؤتمر السوري العام الأول عام 1919، ولكنها ظلت على الدوام على هامش السياسة، باستثناء مرحلة صدام حسين، حيث شكلت بنظر نظام الأسد خطرًا أمنيًا نظرًا لامتداد القبائل السورية في العراق.
في الخمسينيات، ظهرت مشروعات اقتصادية واعدة، مدفوعة بسعي الدولة إلى استحداث موارد اقتصادية سريعة النمو بكلف منخفضة، وبالاستفادة من البيئة الزراعية المواتية في محيط نهر الفرات، ورغم أن هذه المشروعات أسهمت في تعزيز شرعية الدولة في المنطقة، فإن أثرها التنموي ظلّ محدودًا، واقتصر على تحسينات جزئية في بعض مناطق الجزيرة التي احتضنت المشاريع الاقتصادية الكبرى المتركزة أساسًا على زراعة القطن والقمح، إلى جانب زراعة الأرز لفترة زمنية قصيرة.
فعليًا المشروعات الاقتصادية لم تهدف إلى تنمية المنطقة، بل إلى استغلالها، وقامت على الدور الوظيفي للجزيرة بوصف مورد اقتصادي ومحلًا للإنتاجية أكثر من كونها مجالًا اجتماعيًا–سياسيًا.
اكتشف النفط في الجزيرة عام 1933، في منطقة الرميلان أقصى شمال شرق الجزيرة، ليبدأ التدفق الفعلي عام 1956، وفي 1968 جرى تصدير أول شحنة منه، ومع ذلك لم يعامل النفط معاملة مختلفة عن المشاريع الاقتصادية الأخرى، بل نُظر له كونه جزء من الدور الوظيفي للجزيرة كمنطقة موارد للدولة.
النزعة القومية
مع صعود النزعة القومية الكردية في تركيا والعراق وإيران وحركات الانفصال، وظهور أول تنظيم كردي سياسي في الجزيرة، بدأ ينظر إلى الجزيرة باعتبارها مشكلة أمنية داخلية، ورغم أن عموم الحركات الكردية القومية في الإقليم نشأت مع قيام الدولة التركية ردًا على الأتاتوركية المتشددة قوميًا والتتريك القسري، ولجوء الكثير من أكراد تركيا إلى سورية فإنه لم تنشأ قضية كردية في سورية إلا بعد نحو نصف قرن.
ظلت سورية بمنأى عن الحركة القومية الكردية الصاعدة وذلك لعدة أسباب أهمها النسبة الضئيلة للأكراد والتوزع الجغرافي المتباعد لهم داخل الأراضي السورية وتداخلهم مع العرب، هذا كله استمر حتى حدث تأثير مع صعود الحركة القومية الكردية في العراق، إذ تأثر الأكراد في سورية بأشقائهم في العراق، ونشأت أول امتدادات لهم في سورية في منتصف الخمسينات، عندما تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) سنة 1957، والاسم بحد ذاته يدل على الأصل العراقي، ولاحقًا قدم الحزب العراقي الأم الدعم المادي والسياسي له.
زامن صعود النزعة القومية الكردية في سورية صعود القومية العربية، والتي سيطرت على المناخ السياسي السوري، وتوجت بالوحدة السورية المصرية (1958-1961)، ولم تكن الحركة القومية الكردية قوية ولا مؤثرة في الوسط الاجتماعي الكردي السوري، أي لم تكن لها قاعدة اجتماعية، ونُظر إلى النزعة القومية الكردية الصاعدة كمشكلة أمنية.
عندما تولى حزب البعث مطلع الستينات الحكم بانقلاب 8 آذار/مارس 1963 مارس سياسات قومية قاسية ضد الأكراد في سورية، إلا أنها بطبيعة الحال لم تبلغ مستوى ما حصل في تركيا عند تأسيس الدولة، ولكنها عززت النزعة القومية الكردية ووسعت من شعبية الحركات السياسية الكردية.
فقد ولّدت السياسات الحكومية في عهد جمال عبد الناصر (حكومة الجمهورية العربية المتحدة) والسياسات التي اتبعها البعثيون اليساريون المتشددون أزمات إضافية، إذ اتبعت سياسة التأميم وجرى توزيع الأراضي، وبسبب سد الفرات تمت عمليات إعادة توطين لسكان القرى المغمورة في مناطق متداخلة سكانيًا، ما ساعد على اعتبارها واحدة من السياسات الموجهة ضد الأكراد السوريين.
إضافة إلى ذلك، أدى الإحصاء الجائر سنة 1962 إلى استثناء آلاف الأكراد من الجنسية، والذين عرفوا بـ”مكتومي القيد” لأنهم -وفق تلك الإحصاءات- مهاجرون أتراكًا وليسوا مواطني سوريين، فساهم كل ذلك في جعل المناطق التي يتواجد في الأكراد السوريين في أقصى شرق شمال سورية، أو في مناطق أخرى متناثرة مناطق توتر أمني، أصبحت التنمية في ذيل قائمة الاهتمامات.
أي أنها جاءت بنتائج عكسية، ظلت هذه السياسات مطبقة حتى اندلاع الثورة، ولم تكن هناك خطوة حكومية لحلها قبل المرسوم 13 /2026 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع وأعاد فيه جميع الحقوق التي تنص عليها المواثيق الدولية سواء الخاصة بحقوق الإنسان والأقليات، وشكل المرسوم لحظة فارقة، خصوصًا وأنه جاء في سياق صراع سياسي وعسكري مع تنظيم PKK بفرعه السوري PYD (قسد/YPG).
البنية الاجتماعية الهشة
ظهر العديد من الكتاب والمثقفون والسياسيون من الجزيرة العربية، ساعد في ذلك انتشار التعليم، لكن فقر السكان لم يتبدل، وللمفارقة؛ لم ينعكس ثراء المنطقة على السكان، فالجزيرة ثرية، نعم، لكن معظم سكانها فقراء.
ثمة ملاحظتان هنا:
- الأولى أنه مقارنة بالحواضر التاريخية مثل دمشق وحلب لم تكن هناك نخب مدينية وسياسية كثيرة.
- الثانية أن معظم هذه النخب استقرت في المراكز الحضرية التقليدية، أعني مدينتي المركز، وغالبًا دمشق، ما يؤشر أولًا إلى تأثير المركزية من جهة، وإلى البيئة الثقافية الفقيرة في البادية، وإلى انعدام الحياة السياسية من جهة ثالثة منذ 1958، إذ أن الأحزاب السياسية التي نشطت في معظمها أحزاب سرية.
ثمة تطور جديد حصل في عهد الأسد، وهو الاستفادة من التهميش التي تعاني منه الجزيرة، ولجوء أبنائها إلى وظائف الدولة، والتطوع في الجيش، أسوة بأوضاع المناطق المهمشة الأخرى التي استغلت لتكون خزانًا للموارد البشرية في الجيش وأجهزة الأمن، مرة أخرى هنا استغل أبناء الجزيرة، بصفتهم “موارد” تستفيد منها في تدعيم مركز السلطة، وليس حتى الدولة، كانت سلطة نظام الأسد تحديدًا، حيث تم التركيز عليها.
وشكلت البنى القبلية والعشائرية العربية المستقرة عائقًا، والواقع أنه لم تكن هناك مساع لتوسيع المراكز الحضرية في الجزيرة وتنميتها وتطبيق سياسات عادلة في الجزيرة تساعد على تفكيك هذه الحالة ما قبل الدولة، وفي عهد آل الأسد على وجه التحديد استخدم هذا الوضع لتكريس السيطرة، واستخدمت الزعامات القبلية، وجرى التلاعب بمناصب الزعامة القبلية ذاتها، بهدف التحكم والسيطرة المطلقة.
والواقع أن عدم وجود الدولة -بالمعنى العميق؛ حضورها في حياة الناس اليومية وأسلوب حياتهم- يجعل القبائل والعشائر هياكل حماية للمجتمع ونظام اجتماعي، وهو ما يعدّ البديل عن تجذّر الدولة.
شيء آخر نذكره هنا وهو استخدام القبائل والعشائر في سياسات الضبط للأكراد، فقد غذى نظام الأسد مشاعر معادية للأكراد في مناطق التداخل العربي الكردي، وقام بتسليح أبناء العشائر، واستخدمهم في مواجهة الأكراد عند أي محاولة للتمرد، أو حتى لمجرد تخويفهم وإقامة جدار من المشاعر المعادية المتبادلة بين الطرفين.
مما سبق يستفيد الأسد بأنه يستخدم التخويف من العشائر لدعم سلطته لدى الأكراد بصفته الحامي لهم، ومن جهة يستخدم تخويفه للعشائر والقبائل العربية من الأكراد “الانفصاليين” لكسب ولائهم.
هذه البيئة الاجتماعية الهشة جرى تعزيز هشاشتها، وشكلت المفصل الثاني للتعامل مع الجزيرة باعتباره مشكلة أمنية وليست مشكلة تنموية وسياسية، وهي التي منعت من تشكيل شبكات سياسية قوية قادرة على مقاومة لتدخل الدولة في كل شيء، وعدم تقديمها شيئًا.
وعززت من كونها بيئة طاردة للنخب بدل أن تكون بيئة لترسيخها، وسمحت لتنظيم أقلوي مثل تنظيم قسد بالسيطرة عليها بدون قدرة على مقاومته، وبدون أن يقدم أية خدمات للسكان وتحسين ظروف حياتهم، بدون أي مقابل يقدمه لهم سوى رواتب المقاتلين المنخرطين في صفوفه كطريقة للبقاء والعيش.
بنية التحتية ضعيفة
مقارنة بمناطق أخرى، وتحديدًا المحافظات الغربية، لم تنفّذ أعمال بنية تحتية ذات أهمية، باستثناء مدارس التعليم الأساسي، إذ لم تشهد الجزيرة مشاريع بنيويّة ولا في الحد الأدنى، حتى تعبيد الطرقات كان محدودًا، ولولا مياه الفرات لما كانت هناك شبكات لتزويد المياه، وحتى يومنا هذا، هناك بعض القرى لا توجد فيها شبكات للماء والكهرباء.
أما الطرقات، فهي أسوأ مما يتصوره المرء، الطرق الرئيسية التي تم تعبيدها هي طرق أنشئت لأهداف اقتصادية: نقل النفط والحبوب وغيرها من منتجات الجزيرة الغنية، أما شبكات التصريف الصحي فكارثية، ويمكن للمرء تخيُّل حجم الكارثة إذا علم أن مياه الصرف الصحي لجميع المدن والقرى على ضفاف الفرات تصرف في النهر، فضًلا عن تلوّث بيئي وتدمير لا يصدق في أعظم أنهر المنطقة، ولك أن تتخيل أن هذا التدمير البيئي مصحوب بدخان المحروقات المنبعث من الآبار والمحطات.
لم تنشئ جامعات إلا في وقت متأخر حين أنشأت جامعة الفرات في دير الزور، كان الراغبون بالتعليم العالي إما يذهبون للمدن الأخرى، أو لا يذهبون أبدًا بسبب التكلفة وعدم القدرة على الإنفاق، إذ لا يوجد نظام لمساعدة الطلاب في سورية حتى اليوم، ومعظم العائلات في الجزيرة محدودة القدرة، وكانت النُّخَب البارزة التي تحظى بالتعليم العالي في المحافظات الأخرى لا تعود لغياب البيئة المناسبة في المناطق التي ينحدرون منها.
الإدماج في السياسة كمدخل
هناك كما هو واضح مشكلة تهميش عميقة وواسعة، ومن أجل تجاوز السياسات الظالمة التي أدت إلى هذه المشكلة فيجب معالجة الجزء المحوري لهذه الأزمة، وهو الإنسان والبيئات المحلية، ببساطة يكمن الحل باتباع سياسات تركز على الاهتمام بتنمية الإنسان والبيئات المحلية، تفضي إلى إدماج الجزيرة في الحالة السياسية وتعزيز مشاركتها في صنع القرار.
وتعكس المشاريع الاقتصادية الضخمة الدور السياسي لمجتمعات الجزيرة، هذا التغيير إن حصل سيسمح بإنتاج نخبة سياسية راسخة، ويوسع المراكز الحضرية والحالة المدينية في المنطقة، وبدون شك أن هذا غير ممكن بدون لامركزية إدارية، حيث يجب أن ينخرط السكان في المشاريع الاقتصادية، وأن تنعكس هذه المشاريع بالفائدة المباشرة على السكان على شكل فرص عمل وبنية تحتية.
أما الحالة الثقافية فيجب العناية بها، والعمل على نحو ممنهج لتبديد الرؤية النمطية الظالمة للبادية وعموم سكان الجزيرة، يجب أن يشمل ذلك المناهج التعليمية والأنشطة الثقافية والإعلام، وتقديم مثقفي الجزيرة للسوريين، والعمل في وظائف الدولة الحكومية العليا، والعمل على احترام الثقافة المحلية، فما من سبيل للتغيير يمكن أن يمر بدون هذا الاحترام والتقدير.
والخلاصة، يجب أن تقطع السياسات الجديدة للدولة الوليدة مع جميع سياسات الحكم الطرفية التي انتهجت لعقود طويلة في الجزيرة، وأدت إلى هشاشة مركبة، يتقاطع فيها نمط إدارة محلية مركزية، مع انعدام العمل على الدمج السياسي، مع منظور أمني حاكم، مع عدم تكافؤ الاقتصاد مع حصص التنمية، مع ترسيخ البينة العشائرية كبديل عن الدولة للتحكم والسيطرة، وآن لكل ذلك أن ينتهي بعد التحرير.
