ترجمة وتحرير نون بوست
لم ينشأ ما بات يُعرف بـ«مجلس السلام» كرد فعل على الحرب، ولا بوصفه محاولة صادقة لتسوية النزاع. لقد صممه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متعمدا ودون مبررات بما يخدم طموحاته السياسية الشخصية.
تم الترويج للمجلس على أنه إطار لإدارة قطاع غزة في مرحلة «ما بعد الحرب»، وهي حرب لم تتوقف أساسا، استنادا إلى خطة ترامب المكونة من عشرين نقطة لوقف إطلاق النار.
ومنذ لحظته الأولى، حمل المجلس بصمة السلطة الفردية أكثر مما عكس شرعية مؤسسية. إذعيّن ترامب نفسه رئيساً للمجلس، واختار أعضاءه من دائرته الضيقة، بعيداً عن أي وسطاء محايدين أو تمثيل لتوافق دولي. ضمّ صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي استُنفد رصيده السياسي منذ سنوات، ولا تزال سمعته مرتبطة بإرث حرب العراق وسياسة التدخلات الليبرالية.
وخلال حفل افتتاح المجلس يوم الخميس، بدّد ترامب أي غموض متبقٍ بشأن مفهومه لـ«السلام»، متحدثاً بلغة الصفقات، لا بلغة القانون أو الحقوق أو الحماية. وقال للحضور: «أنا في قرارة نفسي رجل عقارات، وكل شيء يتمحور حول الموقع».
وأضاف مستعيداً نقاشات سابقة حول المجلس: «قلتُ، انظروا إلى هذا الموقع على البحر، انظروا إلى هذه القطعة الجميلة من الأرض – ما الذي يمكن أن تمثله لكثير من الناس». كما وعد بأن من «يعيشون في فقر شديد» سوف يعيشون قريباً حياة أفضل بكثير»، وأضاف «هذه هي الرؤية».
جاءت هذه اللغة كاشفة لطبيعة الطرح، إذ قُدّم المجلس لا كأداة لتحقيق العدالة أو صون الحقوق، بل كآلية لعقد الصفقات، مجرّدة من القانون والمساءلة والشرعية.
وبذلك، تم تحويل ما طُرح بدايةً كآلية محدودة مرتبطة بالقضية الفلسطينية إلى مشروع أكثر طموحاً، يتمثل في إطار بديل لإدارة النظام العالمي ذاته، وُضع صراحةً في موقع الكيان المنافس للأمم المتحدة ومجلس الأمن.
شرعية للبيع
تزامن هذا التحول مع انسحاب ترامب من أكثر من 60 منظمة تابعة للأمم المتحدة، في خطوة عكست تفريغاً منهجياً لمنظومة الحوكمة متعددة الأطراف، وليس مجرد قرارات متفرقة.
وقد وُجّهت الدعوات إلى 60 دولة، بما في ذلك الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، لكن وفق شروط تجارية بحتة، إذ أوضح ترامب أن الاستمرار في المجلس بعد فترة أولية مدتها ثلاث سنوات يتطلب دفع مليار دولار نقداً، في تجسيد فجّ لفلسفته السياسية التي ترى أن الشرعية والسلطة والاعتراف سلع قابلة للبيع.
كانت ردود الفعل معبّرة. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انضمام بلاده في اليوم ذاته الذي ارتكبت فيه القوات الإسرائيلية مجزرة جديدة في غزة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 11 فلسطينياً، من بينهم ثلاثة صحفيين.
وفي حين وافقت نحو 12 دولة أخرى على دعوة ترامب، امتنعت بقية الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن عن الانضمام، رغم أن بعض الدول لا تزال «تدرس» الخطوة. ويعكس ذلك تقييماً واسع النطاق بأن المجلس يفتقر إلى الجدية السياسية ويعاني فراغاً مؤسسياً، وأنه أقرب إلى استعراض القوة منه إلى أداة للسلطة.
هذه الواقعة ليست استثناءً، بل تمثل الامتداد المنطقي لمشروع أوسع يتمثل في التفكيك المتعمد للنظام الدولي الذي نشأ عقب الحرب العالمية الثانية، وهو النظام الذي صاغت الولايات المتحدة نفسها قواعده ومؤسساته عندما برزت بوصفها القوة العالمية المهيمنة.
لا يسعى ترامب إلى إصلاح ذلك النظام، بل يعمل على تفكيكه قطعة بعد أخرى، مستكملاً المسار المتطرف الذي دشّنه المحافظون الجدد مع مطلع هذا القرن، بل متعمقا فيه بشكل أكبر.
بينما كانت الإدارات الأمريكية السابقة تُغلّف الإكراه بلغة القانون والإجراءات متعددة الأطراف، يتخلى ترامب عن أي مظهر من مظاهر التمويه. نهجه أكثر فظاظة، وأكثر صدامية، وأكثر ارتكازا على المصالح المتبادلة بشكل معلن. هذا ما يفسر عداءه الصريح للأمم المتحدة، وازدراءه للقانون الدولي، واستعداده لتهديد الحلفاء والخصوم على حد سواء.
بعد الهجوم على فنزويلا وعملية اختطاف الرئيس وزوجته من فراشهما ونقلهما مكبلي الأيدي إلى الولايات المتحدة، جدّد ترامب تهديداته بالاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك، الدولة الحليفة في حلف شمال الأطلسي. وعندما اعترضت الحكومات الأوروبية، لم يلجأ إلى القنوات الدبلوماسية، بل لوّح بفرض رسوم جمركية عقابية، قبل أن ينشر لاحقاً خريطة تُظهر كندا وغرينلاند وفنزويلا كجزء من «أمريكا».
كثيرا ما تم التعامل مع هذه التصريحات على أنها استفزازية أو غير متوازنة. غير أن التعامل معها في عهد ترامب كمجرد تصريحات استعراضية لم يعد ممكناً. أصبح استخدام القوة بشكل علني، والتهديد بغزو غرينلاند وضم أراضٍ أخرى، وصولاً إلى التلويح بابتلاع كندا التي وصفها بالولاية الحادية والخمسين، إلى دائرة الممكن بعد أن كان مستحيلا.
ولا يعكس ذلك نزعة انعزالية مقنّعة بضبط النفس، بل طموحاً إمبراطورياً صريحاً، دون أي أقنعة.
القوة تصنع الحق
يندرج هذا المسار برمّته ضمن عقيدة ترامب «أمريكا أولاً»، التي عني عملياً فرض ما يعرّفه الرئيس الأمريكي بالمصالح الوطنية عبر الترهيب، والإكراه الاقتصادي، والتهديد باستخدام القوة العسكرية أو اللجوء إليها مباشرة. أما من لا يقتنع باستعراض القوة، فيخضع لها مباشرة.
وفق هذه الرؤية للعالم، تصبح القوة مصدراً للشرعية الأخلاقية. القوي يسحق الضعيف، والقوة شيء مبرر بذاته. عبّر مستشار ترامب للأمن الداخلي، ستيفن ميلر، عن هذا المنطق بوضوح تام، حين تبنى علنا مبدأ «القوة تصنع الحق».
وعندما يحذّر منتقدو هذا التوجه من أن يتحوّل العالم إلى غابة، يأتي ردّ الدائرة المحيطة بترامب بصراحة مرعبة: وما المشكلة في ذلك، إذا كانت الولايات المتحدة هي الأسد أو سيّد الغابة؟
وصل ترامب إلى السلطة تحت شعار يوحي بالانعزالية والتركيز على الداخل. بدا شعار «أمريكا أولاً» بمثابة إعلان قطيعة مع الحروب الخارجية التي لا تنتهي، لكنه كان في الواقع إعادة صياغة لها.
لا يعارض ترامب الحرب بحد ذاتها، بل يعارض الحروب الطويلة. يفضّل الرئيس الحالي الحروب القصيرة المدمرة ذات الطابع الاستعراضي: العمليات الخاطفة بدلاً من الحروب الطويلة، والعقاب بدلا من الحكم.
حتى الآن، قصفت إدارته إيران والعراق ونيجيريا والصومال وسوريا واليمن وفنزويلا، كما استهدفت قوارب يُزعم أنها تنقل المخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، وتحدثت علناً عن إمكانية استخدام القوة ضد كولومبيا وكوبا والمكسيك وإيران وغرينلاند. لا يمكن وصف هذا النهج على أنه ضبط للنفس، بل هو إمبريالية جديدة بلا مواربة.
يرى ترامب أن فشل القوة الأمريكية لا يكمن في نزعتها التدميرية، بل في ضبط النفس. ويزعم أن الرؤساء السابقين أهدروا سيادتهم بربطها بالقانون الدولي وأطر الأمم المتحدة والتحالفات والمعايير متعددة الأطراف، وهي منظومة يسخر منها باعتبارها أوهامًا ليبرالية.
ويعتقد ترامب أن هذه القيود أتاحت للحلفاء استغلال الولايات المتحدة، وهو ما يتذمر منه باستمرار، خاصة في سياق حديثه عن أوروبا.
لا يسعى ترامب إلى تعزيز الاستقرار في النظام الدولي بقدر ما يعمل على ترسيخ الخوف. ليس مطلوباً، وفق هذا المنطق، أن تكون الولايات المتحدة محبوبة أو نموذجاً يُحتذى به، بل أن تكون دولة يخشاها الخصوم والحلفاء على حد سواء. الأدوات فجة ومألوفة: حروب تجارية، وعقوبات اقتصادية، وتهديدات عسكرية، وزعزعة للاستقرار الاستراتيجي. وبينما كانت الإدارات السابقة تمزج الترهيب بالترغيب، تخلى ترامب عن الجزرة، ولم تبق سوى العصا.
تآكل استراتيجي
كانت الآثار فورية ومتوقعة. اتخذت الدول إجراءات احترازية، وبدأ الشركاء يبحثون عن استراتيجيات بديلة. تحوّلت التبعية إلى عبء، وما كان يبدو في ظاهره هيمنةً مطلقة، اتضح أنه تآكل استراتيجي.
قد يوحي سلوك واشنطن بأنها قوة عظمى تتحرك بلا قيود، لكنه في الواقع يعكس حالة هشاشة وينذر بالخطر: إمبراطورية ترتدّ على النظام ذاته الذي كان مصدر قوتها.
لم يكن ذلك النظام بالأساس نظاماً بريئاً أو أخلاقياً. تم تأسيسه لخدمة مصالح دول الشمال العالمي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، فيما تقاسمت قوى غربية متوسطة الحجم عوائد الهيمنة. وعلى مدى عقود، عمل هذا النظام كأداة إخضاع للجنوب العالمي، عبر فرض مبادلات تجارية غير متكافئة، ونهب للموارد، ودعم للأنظمة الاستبدادية، وتدبير للانقلابات، وتسليح للميليشيات، كل ذلك تحت شعارات النظام والاستقرار.
أتقنت فرنسا، على نحو خاص، هذا النموذج في أفريقيا من خلال السيطرة النقدية، والتدخلات العسكرية، والتحكم في الأنظمة. مع ذلك، تتصدر اليوم إلى جانب قوى أوروبية أخرى، الأصوات المنددة بالتنمر وانتهاك السيادة.
يبدو المشهد عبثيا عندما نشاهد القادة الأوروبيين وهم يعيدون اكتشاف قدسية القانون الدولي، بينما تُوظَّف ضدهم ذات الأدوات التي كانت تُستخدم ضد الدول الأخرى. ليس هذا نفاقًا فحسب، بل هو نظام يلتهم نفسه.
أما النظام الذي يعمل ترامب اليوم على تمزيقه، فلم يكن في أي وقت نظاماً أخلاقياً. لقد صُمم لخدمة القوة، وتقنين العنف الصريح عبر مؤسسات تُلبس الهيمنة ثوب النظام.
أتاح هذا النظام للأقوياء فرض الهيمنة متذرعين بالشرعية، ومكّن الشمال العالمي، بقيادة الولايات المتحدة، من استغلال الدول الأخرى بالإكراه، مع الحفاظ على مظهر الشرعية. كان نظاماً ظالماً وعنيفاً في آثاره، لكنه كان يؤدي وظيفته.
وما يميّز اللحظة الراهنة ليس مجرد انهيار النظام، بل القوة المحركة لهذا الانهيار. مشكلة ترامب ليست مع الاستغلال أو الإمبراطورية بحد ذاتها، بل في تقاسم النفوذ.
نظام متشظٍ
لعقود طويلة، كانت الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من نظام دولي أتاح لحلفائها حصصاً من الغنائم. فرض هذا الترتيب قيوداً محسوبة، وحقق توازناً بين القوة والقبول، وبين الإكراه والشرعية. غير أن ترامب يسعى اليوم إلى إزالة هذا الحد الأدنى، فطموحه لا يتمثل في قيادة النظام، بل في احتكاره.
هنا يكمن الخطر. فلا يمكن فرض الإرادة على العالم بالقوة وحدها. قد تنجح القوة العسكرية في الترهيب، لكنها لا تستطيع أن تحكم. نجح النظام السابق بالنسبة للمستفيدين منه تحديداً لأنه كان يُغلّف العنف بالقانون، ويُسبغ على الهيمنة غطاءً من الشرعية. أما ترامب، فيعمل على تقويض هذه البنية بالكامل، مُجرّداً القوة الأمريكية من الشرعية نفسها التي كانت تضاعف فاعليتها.
وما ينتج عن ذلك لن يكون عالماً يُعاد تنظيمه تحت القيادة الأمريكية، بل نظاماً دولياً يتشظى استجابةً للفائض الأمريكي. الحلفاء يتحوّطون، والشركاء يعيدون التموضع، والخصوم يزدادون تصلّباً. النظام لا ينهار طوعا، بل يتفتت إلى بدائل.
باتت ملامح هذا الاصطفاف الجديد واضحة. حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا يتعاملون مع واشنطن بوصفها ركيزة لا جدال فيها. في مؤشر لافت، توجّه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مؤخراً إلى بكين، مستكشفاً سبل تعميق التعاون الاقتصادي والاستراتيجي، قبل أن ينتقل إلى أوروبا، في إشارة هادئة، لكنها ذات دلالة عميقة، على أن التنويع لم يعد خياراً نظرياً، بل ضرورة عملية.
وخلال كلمته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، لخّص كارني المرحلة بوضوح نادر قائلاً: «الحنين ليس استراتيجية». كما حذّر من أن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية لا يمر بمرحلة انتقالية سلسة، بل يشهد قطيعة حقيقية، وأن الدول التي تواصل التعويل على رؤى قديمة بشأن الرعاية الأمريكية للنظام الدولي قد تجد نفسها مكشوفة لا محمية.
ومضى كارني أبعد من ذلك، معترفاً بأن «النظام الدولي القائم على القواعد» كان على الدوام انتقائياً ومشحوناً بالتناقضات: إذ كان الأقوياء يستثنون أنفسهم من الالتزامات، ويطبّقون قواعد التجارة بشكل غير متكافئ، ويُنفّذون القانون الدولي بانتقائية وفق هوية المتهم.
وهذه السردية، كما أقرّ كارني، كانت «مفيدة» للقوى الغربية، ما يعني أن موجة الغضب الأخلاقي الراهنة لا تعبّر عن استعادة مبدأ، بل فقدان امتياز، في لحظة تنقلب فيها الإمبراطورية على أولئك الذين طالما استفادوا من قدرتها على الإكراه.
الجشع الذي يقود مشروع ترامب – والمتمثل في رفض تقاسم السلطة أو النفوذ أو حتى الإبقاء على وهم العدالة – يضمن أن يكون رد الفعل شاملاً ومنهجياً. إنها مقامرة خطرة، وقد لا يقتصر ثمنها على الحلفاء الأوروبيين التقليديين. الخسارة الأكبر قد تكون من نصيب الولايات المتحدة نفسها.
من خلال تفكيك الآليات التي كانت تضفي الشرعية على هيمنتها، تخاطر واشنطن باكتشاف حقيقة قاسية: القوة الغاشمة، من دون شرعية، لا تعني تفوقاً، بل تقود إلى عزلة، واستنزاف، وانحدار في نهاية المطاف.
ذلك أن الإمبراطوريات لا تسقط فقط حين يواجهها الضعفاء، بل تسقط أيضاً عندما تلتهم النظام الذي كان مصدر قوتها.
المصدر: ميدل إيست آي