ترجمة وتحرير: نون بوست
تتبنى وزارة العمل الأمريكية شعارات وأطروحات نازية، ويستخدم مكتب الأبحاث في البنتاغون رسومًا مرتبطة بالنازيين الجدد في منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، كما نشر جهاز الأمن الداخلي مؤخرًا كلمات أغنية تحاكي أغنية شهيرة لفرقة ذات صلات بنادٍ قومي عرقي.
تحولت حسابات التواصل الاجتماعي الرسمية التابعة لإدارة ترامب إلى تيار جارف من الرسائل والصور المشفّرة المليئة بالرموز النازية والمعادية للأجانب. ويرفض المسؤولون عن هذه الوزارات حتى الآن الإجابة عن الأسئلة المتعلقة باستراتيجياتهم الإعلامية على منصات التواصل الاجتماعي، لكن هذا الاتجاه لا يمكن تجاهله: يدعو المسؤولون عبر مختلف مؤسسات الحكومة الفدرالية إلى فهم جذري جديد للقيم الأمريكية، فهم لا يستند إلى رؤية الآباء المؤسسين، بل إلى أيديولوجيات الفاشيين الأوروبيين.
نشرت وزارة العمل الأمريكية في 10 يناير/ كانون الثاني مقطع فيديو بعنوان “وطن واحد. شعب واحد. تراث واحد”، والذي يبدو مشابهًا بشكل كبير للشعار النازي “شعب واحد، إمبراطورية واحدة، زعيم واحد”، وقد حصد 22.6 مليون مشاهدة.
ونشر مكتب الأبحاث التابع للبنتاغون قبل أسبوع صورًا مظللة لجنود من عصر الثورة الأمريكية بعيون بيضاء متوهجة. كثيرا ما تُستخدم هذه العيون المتوهجة، بالإضافة إلى الفلتر الذي يُضفي على أحذيتهم لونًا أحمر وأزرق سماويًا، في نوع من الميمات الرائجة بين أوساط اليمين المتطرف على الإنترنت، وهو محتوى ينشره النازيون الجدد في محاولة لجعل آرائهم أكثر جاذبية.
كما نشرت وزارة الأمن الداخلي مؤخرًا صورة فارس على حصان مع قاذفة من طراز بي-2 فوق رأسه كُتب عليها “سنستعيد وطننا مرة أخرى”. تكاد هذه العبارة تتطابق مع كلمات أغنية أدتها مجموعة تابعة لـ”مانربوند”، وهي فرقة شعبية يمينية متطرفة تستلهم أفكارها من الحركة القومية العرقية الألمانية “فولكيش”، وتقول كلمات الأغنية: “يا إلهي، سنستعيد وطننا مرة أخرى”.

تتنوع مواضيع وأساليب هذه المحاكاة. ظهرت منشورات تحمل مضامين متطرفة في عدد من منشورات الوزارات أو الوكالات، لا سيما وزارة الأمن الداخلي، التي تشرف على هيئة الجمارك وحماية الحدود ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك. لكن تنوع وتزايد هذا النوع من المنشورات في الآونة الأخيرة يشير إلى تحوّل جديد.
في أغسطس/ آب، نشرت وزارة الأمن الداخلي صورة عبر منصات متعددة تتضمن عبارة: “أي طريق، أيها الرجل الأمريكي؟”، في إشارة إلى كتاب “أي طريق، أيها الرجل الغربي؟” الذي ألّفه ويليام غايلي سيمبسون، وهو من النازيين الجدد، ونشرته لاحقًا دار نشر يمينية متطرفة تُعرف باسم “ناشيونال فانغارد”.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني، نشرت الوزارة مقطع فيديو يسلّط الضوء على لحظات مهمة في التاريخ الأمريكي، لكنه عُدّل ليصبح أقرب إلى فيديوات “الموجة الرقمية الفاشية”. وفي الشهر الماضي، نشرت الوزارة صورة لعناصر من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، وقد أضيف إليها نص على نمط شرائط الفيديو المنزلية القديمة وفلتر مشوّش، وهما سمتان أساسيتان في ميمات “الموجة الرقمية الفاشية”.
تروّج العديد من هذه الميمات لفكرة “الهجرة العكسية”. هذا المصطلح قد يعني عودة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية بشكل طوعي، لكنه اكتسب شعبية في أوساط القوميين البيض في أوروبا وأمريكا باعتباره كناية ملطّفة عن طرد المهاجرين غير البيض من الدول الغربية، بما في ذلك المواطنين المجنّسين وأحفادهم.
نشرت وزارة الأمن الداخلي في نوفمبر/ تشرين الثاني على منصة إكس: “لم تكن المخاطر أبدًا أكبر من الآن، ولم يكن الهدف أبدًا أكثر وضوحًا: الهجرة العكسية الآن”. وفي منشور آخر لوزارة الأمن الداخلي في الأسابيع الأخيرة، شاهده 20 مليون شخص على منصة إكس، تظهر سيارة قديمة على شاطئ أمام أشجار النخيل، وقد أضيف إليها بخط أنيق: “أمريكا بعد 100 مليون عملية ترحيل”. في اليوم ذاته، نشر الحساب الرسمي للبيت الأبيض على منصة إكس صورة للرئيس ترامب مع عبارة: “الهجرة العكسية”.
إن فكرة ترحيل 100 مليون شخص من الولايات المتحدة تبدو كارثية، على أقل تقدير. ترحيل جميع المهاجرين غير الشرعيين يعني ترحيل نحو 14 مليون شخص، وفقًا لتقديرات مركز بيو للأبحاث لعام 2023. أما إلغاء جميع بطاقات الإقامة الدائمة يعني ترحيل نحو 12 مليون آخرين.
وقد أبدى ترامب اهتمامًا بسحب الجنسية من الأمريكيين المجنسين وترحيلهم من البلاد، أي ما يعادل 26 مليون شخص إضافي. ولكن حتى مع جمع كل هذه الفئات، لا يصل الترحيل إلا إلى نصف العدد المتوقع البالغ 100 مليون. فالسبيل الوحيد للوصول إلى هذا الرقم هو إدراج عشرات الملايين من الأمريكيين المولودين في الولايات المتحدة.
ولكن على أي أساس سيتم استهدافهم؟ استهدف أنصار فكرة “الهجرة العكسية” الجالية الصومالية في الولايات المتحدة على سبيل المثال، والتي يتشكّل معظم أفرادها من مواطنين أمريكيين. قال ترامب عن الصوماليين خلال اجتماع مع وزرائه الشهر الماضي: “لا أريدهم في بلدنا، سأكون صريحًا معكم”، مضيفًا أن الولايات المتحدة ستسير “في الاتجاه الخاطئ إذا واصلنا استقبال القمامة في بلدنا”. وقد استغلت الإدارة إجراءات تنفيذ قوانين الهجرة في ولاية مينيسوتا – التي تضم عددا كبيرا من أفراد الجالية الصومالية – لإنهاء وضع الحماية المؤقتة للصوماليين الأسبوع الماضي، مما جعل غير المواطنين منهم عرضة للترحيل.
وقد هاجم ترامب الصوماليين في مينيسوتا مرة أخرى أثناء كلمته في المنتدى الاقتصادي العالمي، قائلًا: “نحن نلاحق أكثر من 19 مليار دولار من الأموال التي سرقها لصوص صوماليون. هل تصدقون الصوماليين؟ لقد اتضح أنهم أذكى مما كنا نظن”. وأضاف: “إنهم قراصنة جيدون، لكننا نطلق النار عليهم في البحر تمامًا كما نطلق النار على قوارب المخدرات”.
كما أوضح ترامب أنه لا يستهدف الصوماليين وحدهم، قائلًا: “الوضع في مينيسوتا يذكّرنا بأن الغرب لا يمكنه استيراد ثقافات أجنبية بشكل جماعي، خاصة تلك التي فشلت في بناء مجتمع ناجح”، مكررًا بذلك خطابًا شائعًا بين دعاة تفوق العرق الأبيض حول الهجرة من الدول غير البيضاء.
قد يستهين البعض برقم 100 مليون، باعتباره مجرد مثال على المبالغة المعتادة في خطاب ترامب، والتي تسللت إلى صناع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي التابعة للحكومة، لكن آخرين يرون في ذلك أمرًا يدعو إلى القلق.
قالت ويندي فيا، من مشروع مكافحة الكراهية والتطرف العالمي: “إنها خطة للتطهير العرقي. لا يمكننا التفكير فيها بأي شكل آخر”.
لم تُدلِ إدارة ترامب بتصريحاتٍ تُذكر حول النوايا الكامنة وراء هذه المنشورات. أشرتُ في رسالة بريد إلكتروني إلى تريشيا ماكلوغلين، مساعدة وزير الأمن الداخلي للشؤون العامة، إلى منشور على إنستغرام تضمّن عبارة “سنستعيد وطننا من جديد”، وعلاقتها بالقومية الإثنية الألمانية.
ردّت ماكلوغلين بأنها مجرد “عبارة لطيفة تعبر عن ترحيل/ خروج 20 مليون مهاجر غير شرعي من البلاد”. وعندما سألتها مباشرة عن مفهوم “الهجرة العكسية”، لم تخض في تفاصيله أو تاريخه لدى اليمين المتطرف الأوروبي، بل قالت: “هناك الكثير من النقاشات السياسية التي يمكن القيام بها، أما اختلاق أسباب للتظاهر بالغضب فهو سلوك متناقض”.
يبدو أن هذا هو موقف الإدارة بشكل عام. عندما سألتُ وزارة الدفاع عن الميم الذي تضمن إشارات واضحة إلى “الموجة الرقمية الفاشية”، أجاب المتحدث باسم البنتاغون كينغسلي ويلسون في رسالة بالبريد الإلكتروني: “إذا رأيت محتوى مؤيدًا لأمريكا يتضمن إشارات إلى الثورة الأمريكية وبدأ عقلك بطريقة ما يربط ذلك بـ’الموجة الرقمية الفاشية’ أو ‘النازية الجديدة’، فقد تكون مصابًا بالفصام أو بمتلازمة ترامب”.
قد نظريا يكون استخدام هذه المنشورات للغة والصور التي يستخدمها دعاة تفوق العرق الأبيض سلسلة من المصادفات غير المقصودة. ومع ذلك، فإن الرسالة تنبع من الإدارة بطرق أخرى. وسط الصور الساخرة وصور المجرمين التي تنشرها وزارة الأمن الداخلي عادةً، يظهر ميكا بوك، نائب مساعد الوزير للاتصالات الاستراتيجية، من حين لآخر في مقاطع فيديو توضيحية ليقدم وجهات نظر قومية. في نوفمبر/ تشرين الثاني، في مقطع فيديو لوزارة الأمن الداخلي نُشر على موقع إكس، حاول “دحض كذبة” مفادها أن “أمريكا أمة من المهاجرين”.
وفي عيد الشكر، قدّم بوك العبارة المعتادة “شكرًا للعمل الدؤوب للوزارة في عهد الرئيس ترامب والوزيرة نوم”، لكنه قال للمشاهدين بعد ذلك “لن يكون هناك المزيد من الفرص للغزاة”.
لا يتسم خطاب بوك بالصراحة اليمينية المتطرفة التي تتسم بها العديد من الميمات التي تنشرها وزارة الأمن الداخلي، لكنه يطرح أفكارًا مشابهة. يقول بوك للمشاهدين إن عيد الشكر “ليس حفلًا عالميًا لتناول الطعام. إنه احتفال لأشخاص محددين يتذكرون النعم المحددة التي أنعم بها الله عليهم وعلى أمتهم فقط”.
لا يذكر بوك من هم “الأشخاص المحددون” الذين ينبغي أن يتمتعوا بالامتياز الحصري لتناول الديك الرومي والبطاطس المهروسة في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام. لكنه يشير في مقطع آخر من الفيديو إلى المستوطنين الأوائل في نيو إنغلاند الذين لم يتحملوا شتاء القرن السابع عشر القارس “حتى يأتي أحفادهم بعد أربعة قرون ليسلموا المائدة إلى غرباء لم يشكروا أبدًا التضحيات التي قُدمت لأجلها”.
يعكس خطابه ما قاله نائب الرئيس فانس الصيف الماضي: “أمريكا ليست مجرد فكرة. هي مكان محدد، لشعب محدد، ومجموعة محددة من المعتقدات، وأسلوب حياة محدد”. وأضاف: “أولئك الذين قاتل أجدادهم في الحرب الأهلية لهم حق أكبر بكثير في أمريكا من أولئك الذين يقولون إنهم لا ينتمون إليها”. هذه نسخة مخففة من تلك الميمات، لكنها أكثر تفصيلا.
تمثل هذه الرسائل بشكل عام محاولة لإعادة تعريف معنى أن تكون أمريكيًا من أجل تبرير طرد الأشخاص الذين لا يتناسبون مع هذا التعريف، وينبع هذا مباشرة من مفهوم ناشئ في اليمين، يُشار إليه أحيانًا باسم “أمريكا التراثية” أو “أن تكون أمريكيًا تراثيًا“.
لا يستخدم جميع المنتمين لليمين القومي هذه المصطلحات أو يحبذونها، لكنهم يتفقون بشكل عام على المبدأ: أمريكا ليست في الواقع “أرضا” للمساواة والحرية، كما وصفها أبراهام لينكولن في خطاب جيتيسبيرغ، بل هي مكان محدد، بثقافة محددة، تتكون في الغالب من أنغلو-بروتستانت يمكنهم تتبع نسبهم في الولايات المتحدة لعدة أجيال متعاقبة، في تصور يقدم نسخة من أمريكا لا تستند إلى القيم، بل إلى رابطة الدم والأرض.
المصدر: ذي أتلانتك