كان عمر جاسر سبع سنوات فقط حين فتحت ثورة يناير عينيه على العالم، لم يكن يعرف آنذاك معنى كلمة “ثورة”، ولا ماذا تعني عبارة “سقوط النظام”، لكن الحدث تسلل إلى وعيه مبكرًا عبر حكايات والديه، اللذين آمنوا بالحلم، حتى وإن لم يكتمل، ومن تلك الروايات الأولى، تشكّلت ملامح فهمه ليناير، لا كتجربة عاشها، بل كذاكرة منقولة.
الحكاية لا تختلف كثيرًا مع معاذ، الذي قُدّر له أن يولد في عام الثورة نفسه، اليوم، وهو في الصف الثالث الإعدادي، يتحدث عنها بارتباك واضح، لم يشهد الميادين، لكنه يقف بين روايتين متناقضتين، واحدة يرويها شقيقه الأكبر الذي شارك في الأحداث، ويرى فيها لحظة تاريخية فارقة، وأخرى يسمعها داخل فصله الدراسي، تصوّر يناير بوصفها فوضى ومؤامرة كادت تعصف بالبلاد.
وبين جاسر ومعاذ، يمتد جيل كامل لم يعش ثورة يناير، لكنه حمل صورتها المشوشة في وعيه، متلقّيًا إياها عبر نوافذ متباينة وأحيانًا متصادمة من البيت والمدرسة والإعلام، وبعد مرور خمسة عشر عامًا على هذا الحدث المفصلي في تاريخ مصر الحديث، يظل السؤال مطروحًا: ماذا تبقّى من ذاكرة الثورة في وعي من لم يعايشوها؟
صراع الرمزية والتشويه
لم تدرك ريم المظالم الاقتصادية أو التعقيدات السياسية التي خرج المتظاهرون لأجلها في يناير، لكنها، بحسّها الطفولي، كانت تعرف أن من في ميدان التحرير أبطالها الحقيقيين، ومن هنا بدأت الثورة تتشكّل في وعيها، رغم أن عمرها لم يتجاوز آنذاك عشرة أعوام.
صورة الميدان، واللحمة الشبابية، والتناغم الاجتماعي، وحالة الدفء التي خيّمت على الأجواء، والتضحيات التي قدّمها شباب آمنوا بقضيتهم؛ كلها تفاصيل حُفرت في ذاكرتها، حفرتها عائلتها وجيرانها، وظلّت تكبر معها عامًا بعد عام.
في تسجيل سابق عام 2014.. الناشط المصري علاء عبد الفتاح: “المطلوب مننا إننا نُصرّ أن ننتصر للحق ونتمسك بذلك”. pic.twitter.com/FqhNOG2aIx
— نون بوست (@NoonPost) January 25, 2026
“وعدونا بوطن أجمل، وبإيمان طفلة صدّقتهم”، تقول ريم، قبل أن تضيف أن الزمن كشف لها ما تعتبره محاولة لطمس هوية الثورة ومحو رمزيتها، التي تجسدت في الميدان والتكاتف وتشارك الأحلام، وخلال زيارتها لميدان التحرير بعد خمسة أعوام من الثورة، تصف شعورًا بالاغتراب.
فالميدان، بما طرأ عليه من تغييرات، مسلة وكباش انتزعت من مكانها في معبد الكرنك، لتجميل التحرير أو بالأحرى طمس هويته الثورية، فلم يعد يشبه صورته الراسخة في وجدانها، فتقول: “كلما مررت به، أشعر أنني أمام مشهد مصطنع، لا يمتّ لذاكرتي بصلة”.
وتضيف: “ما إن أبتعد عن الزحام، حتى تتلاشى صورته الجديدة، وتفرض صورته القديمة نفسها في خيالي؛ طوفان من البشر يتقدم بثبات في مواجهة الرصاص، وأنا أراقب من بعيد”، هكذا يبدو حال جيل تفتّح وعيه في مصر ما بعد الثورة، شهود على مشهد لم يُتح لهم يومًا أن يكونوا جزءًا منه.
جيل مُرتبك
“ثورة يناير أعظم ما شهده تاريخ المصريين الحديث.. شرفٌ لمن انتسب إليها، ولحظة قال فيها الشعب: لا”.. هكذا ظلّت كلمات شقيقه الأكبر، الذي شارك في الثورة، عالقة في ذهن معاذ رغم مرور سنوات على سماعها، بالنسبة له، لم تكن يناير مجرد حدث سياسي، بل لحظة فاصلة بين تاريخ طويل من الخضوع وبداية وعي جمعي حاول أن ينهض.
يقول معاذ في حديثه لـ “نون بوست”: “عندي إعجاب كبير بالثورة، لدرجة إنّي تمنّيت أكون شاب وقتها وأشارك فيها، اللي سمعته من أصحاب أخويا، واللي شوفته بنفسي في فيديوهات على يوتيوب، كان كفاية يخلّيني أؤمن بيها، حتى من غير ما أعيشها”.
لكن هذه القناعة لا تمرّ بلا مقاومة، فهناك صوت أخر دوما كان حاضرًا، يضيف معاذ، مشيرًا إلى معلمه في المدرسة، وعمدة القرية التي يعيش فيها، وأحيانًا والده، “كلهم بيشوفوا يناير بشكل مختلف، ويعتبروها مؤامرة لتخريب البلد، والسبب الرئيسي في الأزمات اللي بنعيشها دلوقتي”.
بين روايتين متناقضتين، يقف معاذ في منطقة رمادية، لا يملك تجربة شخصية تحسم موقفه، ولا رواية واحدة يثق بها بالكامل، يتساءل: “هل كانت يناير ثورة خالصة كما يراها شقيقه، أم مؤامرة كما يصفها عمدة القرية؟”.
“قلبي دايمًا يميل لكلام أخويا”، يقول الطالب المصري، “عمره ما خذلني في رأي ولا موقف. وكمان اللي بنعيشه دلوقتي من أزمات معيشية بيخلّيني أميل أكتر لتصديقه. بس لحد دلوقتي… مش عارف فين الحقيقة”.
توريت يناير فريضة
“بعد 15 عامًا، لا يبدو أن يناير تركت ما يكفي ليقول إنها مرّت من هنا، الشوارع تغيّرت؛ صارت أوسع، والناس باتوا أبعد عن بعضهم وأكثر انعزالًا، الوجوه تبدّلت، وحتى اللغة التي كنا نستخدمها صارت محل ريبة، مُحي أي أثر مادي يشير إلى أن أحدًا وقف هنا يومًا وقال: لا”.. بهذه الكلمات يحاول جاسر استدعاء ما تبقّى في ذاكرته عن يناير.
ويضيف أن الذاكرة أُعيد تشكيلها بما يتناسب مع “الجمهورية الجديدة”، فيما تسللت ذرات الشك بين يناير وجيلها إلى الأجيال اللاحقة، لا لأن يناير لم تكن حقيقية، ولا لأن جيلها يعيش أسير لحظته الأسطورية، بل لأن الاشتباك مع تلك التجربة كان، ولا يزال، بالغ الصعوبة.
نشطاء ومرشحون سابقون وقادة أحزاب سياسية تصدّروا ثورة يناير، لكن السيسي غيّبهم في السجون بعد انقلابه في 2013. pic.twitter.com/FdR5ls4ucG
— نون بوست (@NoonPost) January 25, 2026
يرى جاسر أن جيل يناير خرج من التجربة مثقلًا بـ”صدمة”، جيل صنع معجزة حين اكتشف أن الصف البشري الموحد يمكن أن يكون أقوى من الحديد والنار، قبل أن يكتشف، في لحظة أخرى، أنه قد يُسحق بعربة مدرعة أو رصاصة مجهولة المصدر، وحتى الآن، لم تُفك شيفرة المعادلة كاملة: متى يكون الصف أقوى من الرصاص؟ ومتى يصبح أكثر هشاشة منه؟
ربما آن الأوان، بحسب جاسر، أن يتنحّى جيل يناير خطوة إلى الخلف، لا بوصفه مهزومًا رغم الهزيمة بل باعتباره جيلًا أدّى دوره ودفع ثمنه، أما الفاتورة الممتدة حتى اليوم، فنحن نتشارك سدادها، فعلى هذا الجيل أن يكتب، وأن يروي، وأن يعترف بأخطائه، لا من باب جلد الذات، بل لمنح من يأتون بعده أرضًا أكثر صلابة، أن يقدّم دروسًا أو نظرية يمكن الاتكاء عليها، أو الاحتماء بها، حين يأتي الرصاص من طرف ثالث… من حيث لا يُحتسب.
حلم جميل لم يكتمل
بالنسبة لقطاع واسع من الشباب الذين لم يعاصروا ثورة يناير، لم تكن الثورة تجربة شخصية بقدر ما كانت حلمًا جميلًا، انتقل إليهم عبر روايات المقرّبين ممن شاركوا فيها، أو من خلال منصات رقمية وثّقت لحظة فارقة في التاريخ المصري الحديث، هكذا تحوّلت يناير في وعيهم من حدث معيش إلى حكاية منقولة، محمّلة بالرمزية والأمل.
هذا الجيل لم يهتف في ميدان التحرير بشعارات الحرية والكرامة والإنسانية، لكنه يختبر غيابها يوميًا، فلا حريات راسخة، ولا كرامة مصانة، ولا إنسانية مكتملة في ظل أوضاع معيشية ضاغطة، وفساد مستشرٍ، وسلطوية تتحكم في تفاصيل الحياة العامة.
ورغم أنهم لم يشاركوا جيل يناير هتاف “يسقط النظام”، فإنهم عبّروا عن المعنى ذاته بطرق أخرى، عبر تغريداتهم، وأحاديثهم اليومية، وأحلامهم المعلّقة بوطن أفضل، وطن يستحيل تحقيقه، في نظرهم، في ظل أنظمة حاكمة تعامل البلاد كـ”كعكة” يتنافس الجميع على اقتسامها، دون اكتراث حقيقي بمستقبل الشباب.
تقول آية، الطالبة الجامعية التي لم تعش الثورة لكنها احتفظت بها في مخيلتها كحلم مؤجل: “كنت أتمنى أعيش يناير، لا كذكرى، بل كمشروع لبناء وطن مستقل، يضع مصالح شبابه في الصدارة، ويؤمن بأبنائه ويستثمر فيهم بجدية”.
وتضيف في حديثها لـ”نون بوست”: “ما زلنا نرفع الشعارات نفسها التي رفعها ثوار يناير، نحتاج إلى العيش بحرية وكرامة وإنسانية، نحتاج وطنًا للجميع لا لفئة بعينها، نحتاج إلى الانتصار للعلم والباحثين لا للمحسوبية، وإلى شفافية وديمقراطية ومناخ يشجّع على الإبداع. وحتى يتحقق ذلك، ستظل يناير—التي لم نشارك فيها—حلمًا ننتظر يومًا أن يصبح واقعًا”.
لم تسقط الراية بعد
ظنّ البعض أن تضييق الخناق على جيل يناير سواء عبر الاستهداف والاعتقال، أو بدفعه إلى مغادرة الوطن، أو بإخضاع من تبقّى لسلاح الخوف والرعب كفيل بإطفاء الحلم نهائيًا، وأن يناير، بهذه الكلفة الباهظة، ستتحول من ثورة إلى ذكرى، أو إلى كابوس يطارد كل من تجرأ على الإيمان بها.
غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى عكس ذلك، فالإيمان بيناير لا يشترط المشاركة فيها؛ وكما يُورث المال ويُورث العلم، تُورث الثورات أيضًا، فالقضايا الكبرى لا تموت بخسارة جيلها الأول، بل تتسرّب أفكارها عبر الزمن، وتعيد إنتاج نفسها في أجيال لاحقة، كما حدث مرارًا في التجارب الأوروبية خلال القرون الوسطى والحديثة.
وفق هذا المنطق، برز إلى السطح ما يُعرف بـ”جيل زد” (مواليد ما بين 1997 و2012)، جيل قلب المعادلة في أكثر من مكان، وتمكّن خلال أشهر قليلة من قيادة حراكات احتجاجية هزّت أركان نظم ديكتاتورية في دول متباعدة جغرافيًا، من كينيا وبنغلاديش، إلى إندونيسيا ونيبال، قبل أن تمتد الشرارة، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلى المغرب.
“الجدع.. أيقونة الثورة المصرية”.. شاب مصري يقف بكل قوة وجرأة أمام مدرعة للأمن المركزي خلال ثورة يناير 2011، وأجبرها على الوقوف رغم استخدامها خرطوم مياه لتفريق المتظاهرين. pic.twitter.com/WaonpOHFfZ
— نون بوست (@NoonPost) January 25, 2026
ويعلّق كثيرون آمالهم على أن يحمل هذا الجيل، ومن بعده “جيل ألفا”، راية يناير، حتى وإن لم يشاركوا فيها، وحتى وإن لم تكن بالنسبة لهم تجربة شخصية، فمؤشرات الحراك الحالي ميدانيًا وافتراضيًا تشي بأن الفكرة لم تُدفن، بل أعادت الظهور بمصطلحات جديدة وأشكال مختلفة، إلى حد تحوّلها مجددًا إلى مصدر قلق يؤرّق الأنظمة القائمة.
مع هذا الجيل، تبدّلت معادلة الضبط السلطوي للإيقاع السياسي على نحو جذري، فهو جيل ظل لسنوات خارج حسابات النظام، لا يعترف بالأحزاب التقليدية، ولا يرى في النقابات أو مؤسسات المجتمع المدني الموروثة أطرًا تمثّله، فاختار التحرك منذ البداية خارج هذه القوالب، معتمدًا على شبكات رقمية مفتوحة وعابرة للحدود، لا تخضع لقواعد السيطرة الكلاسيكية.
هذه التوليفة جعلته عصيًّا على أدوات الضبط المعتادة؛ فلا الترهيب وحده قادر على ردعه، ولا الإعلام الرسمي مؤهل لاحتوائه أو تشكيل وعيه، إذ يمتلك وعيًا سياسيًا مركّبًا، تشكّل جزئيًا بفعل الاطلاع الواسع الذي أتاحه عصر “السماوات المفتوحة”، وتغذّى جزئيًا آخر من أزمات معيشية خانقة كالفقـر والبطالة والتهميش، فضلًا عن كونه جيلًا أكثر تعليمًا وأكثر احتكاكًا بتجارب احتجاجية إقليمية ودولية.
وتشير الإحصاءات إلى أن عدد الشباب في مصر، ضمن الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا، يبلغ نحو 21.3 مليون شاب وشابة، بما يمثل 19.9% من إجمالي السكان، منهم 51.9% ذكور و48.1% إناث، أما الفئة العمرية من 15 إلى 24 عامًا، فيبلغ عددها 18.8 مليون نسمة، بنسبة 17.5% من إجمالي السكان، وذلك وفقًا لتعريف الشباب المعتمد في إحصاءات الأمم المتحدة. هذه الأرقام لا تعكس فقط ثقلًا ديموغرافيًا، بل تبرز أيضًا حجم الرهان والقلق المرتبطين بدور الشباب في الحاضر والمستقبل.
في النهاية، يوجّه أبناء جيل زد وجيل الألفية رسالة واضحة إلى جيل يناير العظيم، تتجاوز العتاب لتصبح دعوة صريحة لكسر الصمت، يقولون فيها: لا تتركوا ذاكرة يناير رهينة للفراغ أو للتشويه، حرّروا الثورة من احتكار “أصحاب الجروح” ومنصّات الخطاب الواحد، وامنحوها لأصحاب “الأحلام”.
احكوا لنا يناير كما كانت حقًا، بانتصاراتها وانكساراتها، بجمالها وقبحها، حتى نعرف من نحن، ونكمل المسير مستفيدين من الدروس والتجارب، ونحاول تحقيق ما لم يتحقق دون أن نكرر أخطاء الماضي أو نقع في ما سقطتم فيه.