ترجمة وتحرير: نون بوست
في البداية، جاء غوتنبرغ وفكّ قيد الكلمات فنقلها من يد الناسخ إلى الآلة. أصبح الفكر المدوَّن قادرًا على التنقل والبقاء، وبدأ نشاط العقل يتحوّل من الحفظ إلى التفسير. ثم جاء الإنترنت ليفكّ قيد الحقائق. اختفت المكتبة في صندوق بحث، وحلّ استرجاع المعلومات وتوليفها مكان التذكر. أصبحت المعرفة أقلّ شيء نحمله وأكثر شيء يمكن استدعاؤه.
لطالما قلت إن نماذج اللغة الضخمة تفك قيد الفكر نفسه. فهي تولّد محتوى ببلاغة تشبه الفهم. ويبدو أن المهمة الإدراكية تتحوّل مرة أخرى، هذه المرة من التوليف إلى التفكير نفسه. إن هذا التطوّر يبدو بديهيًا، إذ يقترب أكثر فأكثر من جوهر الإدراك. كلّ تقنية تبدو وكأنها تمدّ طبقة أعمق من النشاط العقلي.
ومع ذلك، فإن هذه الخطوة الأخيرة تبدو مختلفة، بل ومنفصلة. فهي ليست أكثر قوة فحسب، بل مختلفة على مستوى جوهري. أشعر أننا لم نعد نضيف درجة أخرى إلى السلم، بل نغيّر البنية الأساسية ذاتها.
من الامتداد إلى التعبير الخارجي
كانت كلّ التقنيات المعرفية السابقة امتدادًا لعقلٍ قد تَشكَّل بالفعل. فالكتب مدّت نطاق الذاكرة البشرية، والفهارس ومحركات البحث مدّت نطاق استدعاء المعلومات، والآلات الحاسبة مدّت نطاق الحساب. ببساطة، كانت هذه التقنيات بمثابة أطراف صناعية للفكر، لا بديلاً عنه. أمّا ما يظهر الآن فهو شيء مختلف تمامًا. للمرة الأولى، لم يعد لزامًا أن يتم الوصول إلى إجابة متماسكة داخل العقل البشري. يمكن أن تُنتَج الإجابة في مكان آخر وتُقدّم كاملة.
هذا ما أطلقتُ عليه “اللا الذكاء“. فهو يصف شكلاً من المخرجات التي تتميّز بالطلاقة، وغالبًا ما تكون صحيحة، لكنه تُنتَج دون الصراع الداخلي أو لحظة الاستيعاب التي لطالما رافقت المعرفة البشرية. اللا ذكاء هو لغة منفصلة عن الداخل المعرفي. لهذا السبب، انتقل تاريخ الأدوات إلى تاريخ الإدراك نفسه.
من أداة إلى شريك إلى بيئة
مرّت علاقتنا بهذا التحوّل بعدة مراحل. في البداية ظهر الذكاء الاصطناعي كأداة نستخدمها. وبعد وقت قصير، بدأ يُنظر إليه كشريك، يساعد في الصياغة والبرمجة والتشخيص وتوليد الأفكار، حضور يمكنه أن يشارك في إنتاج الفكر.
لكن بالنسبة للجيل الذي ينشأ اليوم في ظلّ الذكاء الاصطناعي، لكن يكون أداة ولا شريكاً بالمعنى التقليدي، بل سيكون بيئة.
فالطفل الذي يوجّه سؤالا لروبوت محادثة لا يستخدم مجرد أداة، بل يتشكّل عقله من خلال وسيط يوفر له إجابة جاهزة قبل أن تبدأ حيرة التساؤل. يكبر الطفل في بيئة تسبق فيها الإجابات النشاط العقلي، ويُقدّم فيها التوليف قبل التجربة.
هذا هو البُعد الأعمق للنمو في عالمٍ اللا الذكاء. المسألة لا تتعلق بالكسل أو التبعية، بل تتعلق بتطور الذات، والظروف التي يتعلم فيها العقل معنى أن يجهل الأشياء، ويتعايش مع الفهم الجزئي، ويراجع ويشك ويأخذ وقته في بناء تصوره الخاص عن العالم.
انتقال عملية الإدراك
في مثل هذا المناخ المعرفي، يبدأ مركز الثقل بالتحوّل. يتخلى العقل عن تشكيل الفهم داخلياً ويستبدله بنماذج خارجية جاهزة. وتُستبدل القدرة الإنسانية على تحمّل الغموض بتقنيات تهدف إلى إزالته تماما. وفي النهاية تتحول عملية بناء المعنى داخل العقل بشكل بطيء، إلى مجرد مهمة اختيار ذات طابع إداري. يبدأ الذكاء، أو على الأقل مظهره الخارجي المصقول، بالانتقال من شيء نكتسبه بالجهد إلى شيء نستدعيه عبر التفاعل.
تُسهم كل حقبة تكنولوجية في إعادة تشكيل الإدراك، لكننا نعيش أول حقبة يتم فيها نقل عملية الإدراك نفسها إلى الخارج، لا مجرد تخزينها أو نقلها.
ما يجب أن يبقى إنسانيًا
إذا كان بالإمكان الاستعانة بمصادر خارجية للحصول على إجابات متماسكة، فما الذي يبقى فريدًا ولا غنى عنه في الإنسان؟ هذه أسئلة مثيرة للاهتمام، لكنها مُقلقة في الآن ذاته، ويجب أن نواجهها.
- ليس المعلومات، فهي وفيرة اليوم.
- ليست الطلاقة، فالآلات تعرضها بسهولة.
- وليست سرعة حلّ المشكلات الخام.
ما يبقى هو التكاليف التي لا يمكن أتمتتها:
- القدرة على التعايش مع عدم اليقين بدلاً من التسرع في التوصل إلى استنتاجات سابقة لأوانها.
- التواضع الذي ينشأ من معرفة أن المعتقدات مؤقتة وقابلة للمراجعة.
- الحكمة المطلوبة حين تكون المعلومات ناقصة والرهانات حقيقية.
- البناء البطيء للنماذج الداخلية التي تحمل ثقلاً عاطفياً وأخلاقياً.
يكمن جوهر كل هذا في مفهوم التأليف، أي الشعور بأن قناعاتك ملك لك لأنها خضعت للاختبار والمراجعة، واكتُسبت من خلال التجربة العملية، ولم تأت جاهزةً ومُصاغةً بشكلٍ كامل. هذه ليست كفاءات، بل أعباء. وهي تحديدًا ما يجعل الفهم عملية تكوينية وليس مجرد أداء آلي.
عصر جديد
فلنعد إلى القصة البسيطة التي بدأنا بها، ولكن من منظور مختلف تمامًا:
- غوتنبرغ حرّر الكلمات.
- الإنترنت حرّر الحقائق.
- نماذج اللغة الكبيرة حرّرت الفكر.
- الذكاء الاصطناعي حرّر الإدراك من العقل.
التحرير الذي يحدث الآن أكثر راديكالية، عالم لا تحتاج فيه عملية الإدراك إلى أن تتم داخل العقل البشري.
نحن لا نغيّر الأدوات فحسب، بل نغيّر البيئة التي تتشكّل فيها العقول. والسؤال الحاسم في هذه الحقبة الجديدة لم يعد: “ما الذي تستطيع الآلات التفكير فيه؟”، فهذا السؤال تجيب عنه التطورات التقنية المتراكمة عاما بعد آخر. نحن ندخل مرحلة تغيّر المناخ المعرفي، وهو تحوّل جديد لكنه عميق في البيئة التي تتشكّل فيها العقول، وتُمارس فيها عملية التفكير، وتتعلم أن تثق باستنتاجاتها.
أما السؤال الأعمق فهو: ما الذي سيحدث للجنس البشري حين يصبح التفكير ذاته بيئة لا فعلًا داخليًا، وعندما يحدث الاتساق خارج العقل؟ حينها، قد لا يصبح المخاض الذهني الذي كان يشكّل الفكر ويفرز الأحكام في السابق ضروريًا من الناحية البنيوية.
المصدر: سايكولوجي توداي
