“والدي ناصري وحدوي، عارض الأنظمة التي انقلبت على الوحدة، وعشنا في بيتنا على النغمة المصرية والانتماء لها”.. هذا جزء من تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع مؤخرًا عن العلاقات السورية المصرية.
“النغمة المصرية” التي يتحدث عنها الرئيس السوري تذكرنا بأغنية صباح “من الموسكي لسوق الحميدية” التي غنتها بعد الوحدة المصرية السورية، وهي أغنية وحدوية في كلماتها التي تتغنى بمعلمين شعبيين في القاهرة ودمشق (الموسكي، وسوق الحميدية)، وكذلك تجلت الوحدة في صناعها أنفسهم؛ فملحنها هو السوري المولد فريد الأطرش، وكاتب كلماتها هو المصري المولد مرسي جميل عزيز، ومغنيتها هي اللبنانية المولد صباح، ولكنهم جميعًا اتحدوا على النغمة المصرية في الأغنية التي احتفت بالوحدة المصرية السورية عام 1958.
ولكن النغمة المقصودة هنا من الشرع لا يمكن تفسيرها بالمعنى الضيق، وإنما تلك الروح السارية بين الشعبين والدولتين، وهذا الاندماج الحضاري الذي خلق علاقة خاصة بين البلدين، تختلف عن أي بلدين عربيين آخرين، الأمر الذي جعل هناك حشد من الدراسات الأكاديمية التي تتعلق بهذا الرباط المتين.
ونستطيع عدّ عشرات العناوين الأكاديمية في هذا الشأن قديمًا وحديثًا، منها:
“السوريون في مصر” لإلياس زخورة، “هجرة الشوام إلى مصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين” لماهر محمد سعيد درويش، و”الشوام في مصر في القرن التاسع عشر” لعبد الله محمد عزباوي، و”الشوام في مصر منذ الفتح العثماني حتى أوائل القرن التاسع عشر” لسمير عبد المقصود.. وغيرها مما لا يتسع المقام لسرده، والتي تعني برصد وتحليل تلك الظاهرة الفريدة.
ما هي النغمة المصرية التي يقصدها الشرع؟ ما هذا الرباط السوري المصري؟ لماذا مصر وسوريا تحديدًا؟
الوحدة كانت قبل عبد الناصر والقوتلي وبعدهما
قد تتكشف الإجابة عن الأسئلة المطروحة أعلاه، من خلف تصريحات الشرع نفسه، فقد قال في سياق حديثه إلى وفد من اتحاد الغرف التجارية المصرية الذي يزور دمشق، إن مصر كانت من أكثر البلاد التي عاش فيها السوريون المهجّرون بأريحية بعد قيام الثورة السورية، مشيدًا بالكرم الذي لاقوه من المصريين.
وهذا الترحيب المصري بالسوريين لم يكن جديدًا وإنما نتيجة تراكمات متجذرة في التاريخ، أنتجت مظاهر حياة مشتركة، وارتباط كبير بين شعبي البلدين، حد أن المؤرخ نعوم شقير (توفي 1922) أفرد فصلًا كاملًا بعنوان “السوري في مصر”، ضمن كتابه “تاريخ سينا والعرب”، الصادر عام 1916، وقال فيه:
“إن في مصر أمورًا كثيرة تحبب للسوري المهاجرة إليها واستيطانها، أهمها أن لغة مصر هي لغتنا، وجنسها جنسنا، وعاداتها عاداتنا، وهي على ليلة من بلادنا، فضلًا عن أن مصر بلاد غنية، واسعة الأطراف، وافرة الخيرات، وتحتاج على الدوام إلى أيدٍ كثيرة نشيطة مخلصة كالأيدي السورية.”
وينقل المفكر السوري محمد سعد أطلس في كتابه “مصر والشام في الغابر والحاضر”، عن عالم المصريات الفرنسي جاستون ماسبيرو، أن النزوح السوري إلى مصر بدأ منذ الفراعنة، بل إن البلاط المصري الفرعوني ضمَّ سوريين، خاصة بعد زوال التوترات والحملات العسكرية بين الطرفين في العهد “الفرعوني/ الحيثي”، وبعد تعَهُّد الملك الحيثي خيتا سارو (القرن الثالث عشر قبل الميلاد) باستمرار السلام والإخاء الدَّائم بين البلدين، وقوله: “سيكون ملك مصر أخًا لي وأكون أخًا له، كأن لنا قلبًا واحدًا”، بحسب أطلس.
وكانت العلاقات قد توترت وقامت حروب بين المملكة المصرية في عهد الدولة الحديثة (1570 – 1069 ق.م) من العصر الفرعوني، والحيثيين حكام وأمراء الشام، وكثيرًا ما حدثت سيطرة متبادلة على أراضي الطرفين، ولكن بعد الاحتلال الروماني للبلدين، والصراع بين الفرس والروم على أراضي المنطقة، صار النضال واحدًا ضد المعتدي الخارجي.
وينقل أطلس عن المؤرخ البريطاني ألفريد بتلر، أن مصر كانت الملجأ للسوريين الذين هربوا إليها بعد الغزو الفارسي عام 615 م، ولاسيما الإسكندرية، التي ارتفع عدد سكانها بشكل ملحوظ نتيجة استيطانها من السوريين.
وبعد الدخول في العهد الإسلامي صارت مصر وسوريا جزءًا من دولة الخلافة في المدينة المنورة، التي انتقل مقرها لاحقًا إلى دمشق ثم بغداد، فاقترب الشعبين أكثر، بفعل وحدة اللغة والدين وبالطبع بفعل الانضواء تحت دولة الخلافة.
وزاد الأمر في عهود الدول المستقلة الإسلامية، حيث صارت مصر وسوريا وحدة عضوية واحدة (دولة واحدة) طيلة العهود الفاطمية والأيوبية والمملوكية، فكان السلطان في القاهرة ونائبه في دمشق، وخلال تلك العهود واجه المصريون والسوريون الحملات الصليبية والمغولية معًا، فاختلطت دماؤهم في مواجهة الغزاة.
وفي العهد العثماني دانت الدولتان للخليفة في إسطنبول، حتى جاء محمد علي واستقل بمصر، ولكن لفترة طويلة كانت سوريا جزءًا من دولته، ثم عادت إلى الحكم العثماني المباشر. وأخيرًا وفي عام 1958 قامت الجمهورية العربية المتحدة، باتحاد مصر وسوريا في دولة واحدة، حتى حدث الانفصال عام 1961.
وفي ظل الصراع العربي الإسرائيلي وبعد هزيمة 1967، وجد البلدان نفسهما أمام وحدة محتومة، فالعدو واحد، والمصاب واحد، فتشكلت 3 جيوش تحت قيادة مشتركة، وهي الجيش الأول في سوريا، والثاني والثالث في مصر، وجرى التنسيق، فكان الهجوم الموحد لاستعادة الأرض في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973.
ثم توترت العلاقات المصرية السورية (الرسمية) لفترة بعد توقيع الرئيس أنور السادات اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، ثم عادت لطبيعتها في عهد الرئيس حسني مبارك.
عاد التوتر مرة أخرى بعد الثورة السورية، ولكن تصريحات الرئيس أحمد الشرع الأخيرة في حضور وفد أعمال مصري يزور سوريا للاستثمار فيها، تبدو وكأنها تمهيد لعودة العلاقات لطبيعتها.
ومن هذا الموجز التاريخي يتبين أن مصر وسوريا ظلتا لقرون طويلة في وحدة عضوية سياسية واحدة، حتى وإن حدث انفصال أو توتر لفترة تعودان مرة أخرى.
أما على المستوى الشعبي فلم تغلق الحدود بين البلدين في أي عهد حتى العصر الحديث، ولم تتوقف النغمة المصرية عن الرنين في الأذن السورية أو العكس.
توأمان في مواجهة قضية واحدة
ربما النغمة المصرية الحاضرة في البيوت السورية، بجانب أسبابها السياسية التاريخية المباشرة التي أشرنا إليها، لها أسبابها الاجتماعية والإنسانية، التي تتجلى في التفاعل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، الناتج عن هجرة السوريين لمصر.
فمنذ القرن التاسع عشر ومصر جاذبة للهجرة السورية، بفعل الاستقلال النسبي لمصر منذ عهد محمد علي (1805 – 1848م) ونهوضها على كافة المستويات، في مقابل وقوع سوريا في أزمات مختلفة وهي ولاية عثمانية، ناهيك عن أن محمد علي ضمّها لحكمه المباشر لفترة من الفترات.
وظلت هذه الهجرة حتى القرن العشرين مستمرة حسبما تتفق المصادر التي أشرنا لبعضها أعلاه، وبعض المهاجرين كان يعود لسوريا، ناقلًا تأثره بمصر، أو يبقى بمصر مؤثرًا فيها بعاداته وتقاليده وأفكاره.
ازدهر السوريون خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حد أن ثرواتهم قدرت في مصر عام 1907 بحوالي 50 مليون جنيه مصري، وهو رقم ضخم جدًا قياسًا بوقتها، وقدِّر بأنه يعادل “عُشْر الثروة القومية المصرية”، حسبما يوضح المفكر السوري الشهير كرد علي في “المذكرات“، وكان كرد علي من السوريين الذين استوطنوا مصر في بدايات القرن العشرين، وأصدر أكثر من صحيفة في القاهرة، قبل عودته لسوريا.
ونشاط السوريين الاقتصادي في مصر كان على كافة المستويات التجارية والصناعية، حسبما يوضح ماهر سعيد درويش، واشتهرت لهم علامات تجارية ضخمة، منها ما يزال قائما حتى اليوم مثل سلسلة متاجر “صيدناوي” لصاحبيها سليم وسمعان صيدناوي، والتي تأسست عام 1913، وامتدت فروعها حتى تجاوزت السبعين في أغلب مدن مصر، لتبيع كل السلع الاستهلاكية “من الإبرة للصاروخ” كما يقال في مصر، بعد أن كانت مجرد محل واحد صغير لبيع الخردوات بمنطقة الحمزاوي بالأزهر في القاهرة.
أضف إلى صيدناوي آخرين مثل عيسى أفتيموس صاحب محلات “أفتيموس إخوان”، الذي بدأ بالعمل كمترجم صغير في شركة أجنبية بمدينة بورسعيد بعد افتتاح قناة السويس (1869)، واستغل علاقاته عن طريق الترجمة للحصول على توكيلات تجارية أوروبية، صارت نافذتها لمصر محلاته.
ومن التجار السوريين أيضًا كان داوود حبيب، الذي بدأ موظفًا صغيرًا في محل تجاري لبيع الملابس في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، ثم استقل وافتتح تجارته الخاصة في القاهرة عام 1893، وصار من أكبر الأسماء العاملة في تجارة المنسوجات والأقمشة في مصر.
ووصل الأمر إلى سيطرة بعض السوريين على أنشطة بعينها في مصر، مثل آل كرم الذين سيطروا على تجارة الأخشاب من خلال شركتهم “الشركة التجارية العقارية المصرية” التي تأسست عام 1904، وتوسعت تجارتهم حتى قال عنهم المصريون “ملوك الخشب”، خاصة بعد أن صاروا المورِّد الرئيسي للخشب للحكومة المصرية.
ومن رجال الأعمال السوريين من كان مقربًا من دائرة الحكم في مصر حد أنه صار مصريًا، وعلى رأسهم حبيب السكاكيني، الذي بدأ حياته موظفًا في مشروع حفر قناة السويس، حسبما يحكي إلياس زخورة، ثم تدرج وصار من أكبر مقاولي البناء والإنشاءات، ما جعل الحكومة المصرية تسند إليه مهمة بناء “دار الأوبرا المصرية”، فأنجز بناءها بسرعة كبيرة، وبإتقان جعل الخديوي إسماعيل يمنحه مكافأة مالية ضخمة.
وصار السكاكيني بعدها مقربًا من الأسرة الحاكمة، كما صارت له علاقة قوية بالسلطان العثماني عبد الحميد، الذي وهبه القصر المنيف الذي ما زال قائمًا بقلب القاهرة حتى اليوم (سرايا السكاكيني)، بل صار اسمه يطلق على الحي الذي يقع به قصره في القاهرة، حتى اليوم.
وبعيدًا عن التجار ورجال الأعمال، كان للمهنيين السوريين، والشوام عمومًا، مكانة كبيرة في مصر، من أطباء ومهندسين ومحامين وغيرهم، وكانت الوظائف مفتوحة أمامهم بلا قيود، كما يؤكد زخورة.
كما نشط السوريون في مصر سياسيًا، وامتلكوا وأصدروا الصحف، بفضل الاستقلال النسبي لمصر وهامش الحرية الأوسع مما كان بسوريا في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، ومنهم عبد الرحمن الكواكبي، أحد رواد النهضة العربية السياسية، وصاحب كتاب “طبائع الاستبداد” الشهير، وفرنسيس مراش، صاحب كتاب “غابة الحق”، وحقي العظم أول رئيس وزراء لسوريا في العهد الجمهوري، وأديب إسحاق، الصحفي والأديب الشهير، وغيرهم ممن أصدروا الصحف وأقاموا الأنشطة السياسية التي نادت بالاستقلال والحرية والإصلاح من قلب القاهرة.
ومن الكتاب والسياسيين من كانت له علاقات وثيقة بالسلطة في مصر مثل حبيب لطف الله الذي كان قريبًا جدًا من الخديوي إسماعيل ودائرة صنع القرار في مصر، وابنه ميشيل الذي صار عضوًا في البرلمان المصري معينًا من الخديوي عباس الثاني، بحسب زخورة.
وكان دور السوريين كبيرًا في الحركة الوطنية المصرية نفسها، باعتبارها لا تنفصل عن القضية السورية التي جاؤوا لمصر دفاعًا عنها، ومنهم من مارس المعارضة ضد الحكومة المصرية، وبالطبع ضد الاحتلال الإنجليزي، ما جعل الزعيم المصري عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية يقول في مقال له بمجلة الأستاذ “ما الشام ومصر إلا توأمان أبوهما واحد، ويسوء الاثنين ما ساء أحدهما”، بحسب ماهر سعيد درويش.
الاشتباك المصري السوري الناعم
بعد الثورة السورية عام 2011 وما تبعها من أحداث عنف، توافد السوريون على مصر، حتى قُدِّرت أعدادهم الإجمالية بمليون ونصف مليون لاجئ، بحسب إحصاءات غير رسمية، لأن أغلبهم غير مسجلين على قوائم مفوضية شؤون اللاجئين.
وهذه الأعداد الضخمة نقلت إلى مصر عادات وتقاليد سورية أصيلة، على رأسها الأطعمة ولا سيما الشاورمة السورية والكنافة النابلسية، وغيرها من أطباق سرعان ما صارت جزءًا من نسيج الطعام المصري.
وقدر الباحث السياسي السوري جوزيف ضاهر الاستثمارات السورية في مصر بحوالي 800 مليون دولار حتى عام 2018، وازدادت بشكل كبير بعد جائحة كورونا، ليشكل السوريون شبكة اقتصادية متنامية داخل مصر، أشاعت بدورها عادات وتقاليد سورية -خاصة في الطعام والملابس- بين المجتمع المصري، ناهيك عن اللهجة والفنون.
وفي المقابل اندمج السوريون في العادات والتقاليد المصرية، كأساليب الاحتفال بالأعياد، بل واندمجت العائلات السورية والمصرية وصاروا كالأهل، كما توضح الصحفية السورية لجين عبد الرزاق، التي تؤكد أنه لا يوجد سوري ليس له أصدقاء مصريين.
هذا الاندماج أدى إلى اتجاه مصري على مواقع التواصل الاجتماعي يرفض عودة السوريين إلى بلادهم بعد سقوط بشار الأسد.
وفي المقابل شاع اتجاه بين كثير من السوريين في مصر برفض العودة إلى بلادهم، وهو اتجاه ربما ليس سببه الأساسي التعامل الحكومي معهم، وإنما الاحتضان الشعبي المصري الذي جعل بعضهم يبكي تأثرًا بشهامة المصريين ونبلهم.
بل وجدنا أغنيات سورية حديثة تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، أعدت خصيصًا للتغني بحب مصر، سواء كانت شعبية ارتجالية، أو احترافية، نابعة من واقع ما حدث من المصريين تجاه السوريين المقيمين في مصر بعد 2011.
وهذا التأثر والتأثير المتبادل ليس بجديد، وإن نشط جدًا خلال السنوات الأخيرة، ولكنه كان موجودًا قبل ذلك، فلطالما توافد الطلاب السوريون خلال القرون الماضية للدراسة في الأزهر، وكان لهم رواقًا خاصًا بهم هو “رواق الشوّام” وبعد استكمال دراستهم كانوا يعودون لبلادهم لتولي وظائف الإفتاء أو التدريس في الجامع الأموي أو غيره من الجوامع التي كانت بمثابة معاهد للتعليم العالي، حسبما يوضح الدكتور عبد الله عزباوي.
ويشير عزباوي إلى أن كثير منهم كان يفضل البقاء في مصر، فيعمل بالتجارة أو بالتدريس في الأزهر، أو غيرها من أعمال، ومن هؤلاء الشيخ عبد اللطيف الكتبي (توفي 1749م)، الذي ترك دمشق واستقر في مصر، بل وصار شيخ الركب المصري للحج برفقة أي أمير، بعد دراسته في الأزهر.
وفي المقابل استقر مصريون في سوريا، في عهد محمد علي، وخاصة من جنود الجيش المصري الذي ضمّ سوريا لدولته، ومن هؤلاء الجندي علي إبراهيم الذي كان ضمن قوام الجيش المصري في الشام، واستقر في حلب وجاء من نسله الموسيقار السوري الشهير الشيخ علي الدرويش، وللمفارقة جاء الدرويش إلى مصر عام 1927 كأستاذ للتدريس في نادي الموسيقى الشرقي.
وتأثر الفن المصري على مستوى المسرح والموسيقى بالسوريين، ولاسيما بأبي خليل القباني الذي أعاد بعث المسرح المصري بعد قدومه إلى مصر عام 1884، وسبقه شاكر الحلبي الذي جاء إلى مصر عام 1840 ومنه تعلم المصريون الموشحات والقدود، حتى إنهم كانوا يغنوها باللهجة الحلبية، حتى جرى تمصيرها على يد عبده الحامولي، حسبما يوضح كامل الخلعي في “كتاب الموسيقي الشرقي“.
وبعد النهضة الفنية المصرية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، صارت المدرسة الفنية المصرية هي المهيمنة على السوريين والوجدان العربي عمومًا؛ فهي الينبوع الكبير وحجر الزاوية كما يصفها المايسترو اللبناني الفلسطيني سليم سحاب.
ونتيجة لهذه الهيمنة المصرية توافد الفنانون السوريون إلى مصر، وكثير منهم تمصروا، كما يسرد الناقد السوري صميم شريف في كتابه “الموسيقى في سوريا”، حيث أعد قائمة طويلة للفنانين السوريين الذين تمصروا ومارسوا الغناء باللهجة المصرية، على رأسهم فريد الأطرش وأسمهان وفايزة أحمد.
وفي التمثيل جاء من نسل السوريين الذين استوطنوا مصر نجوم ونجمات مثل أنور وجدي الذي يعود أصل والده إلى حلب السورية، وسعاد حسني التي كان والدها دمشقيا، وأختها المطربة نجاة الصغيرة.
وحديثا هناك قائمة من السوريين الذين استوطنوا مصر وصارت أغلب أعمالهم مصرية، مثل جمال سليمان، كندة علوش وغيرهما قديمًا وحديثًا.
وما سبق من حديث عن التأثير والتأثر في الدراسة الدينية، والاقتصاد، واللغة، والفنون، والعادات والتقاليد، والوحدة السياسية، يمكن أن نسميه إجمالًا “النغمة المصرية” التي تحدث عنها الرئيس أحمد الشرع، والتي عبر عنها الفنان معاذ محمد في أغنيته “اسمي سوري واسمي مصري”.