منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وعلى امتداد 27 شهرًا، تفقد عائلات غزة فردًا تلو الآخر، لتتشكّل قصص تُروى بقلوب أثقلها الفقد، وعقول لم تستوعب بعد حجم الخسارة، فخلف كل شهيد عائلة تعيش أثر الغياب، وزوجة فقدت سندها لتجد نفسها فجأة أرملة، وحولها أطفال حُرموا من آبائهم ليُعرَّفوا أيتامًا.
منذ اندلاع الحرب، تغيّرت حياة آلاف النساء والأطفال في قطاع غزة، وتبدّلت أدوارهم ومسمياتهم قسرًا في واقع إنساني بالغ القسوة، فيما لا تزال آثار حرب الإبادة المستمرة تطارد تفاصيل حياتهم اليومية، حتى بعد أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ شكليًا.
المأساة الإنسانية بالأرقام
يشكّل الأطفال نحو 47% من سكان قطاع غزة، أي ما يقارب 980 ألف طفل، ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد نحو 39,384 طفلًا أحد والديهم أو كليهما منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، من بينهم قرابة 17 ألف طفل فقدوا كلا الوالدين، ليواجهوا حياة بلا سند أو معيل. ويصف الجهاز هذه المأساة بأنها أكبر أزمة يُتم يشهدها قطاع غزة في تاريخه الحديث.
كما تشير البيانات ذاتها إلى أن أكثر من 14,300 امرأة فقدن أزواجهن خلال الحرب على القطاع، ليصبحن أرامل في ظروف إنسانية واقتصادية شديدة القسوة.
ما بعد الخبر العاجل..
في قلب غزة، تعيش الأسر التي فقدت معيلها الوحيد واقعًا بالغ الصعوبة، حيث غاب من كان يؤمّن لقمة العيش ويوفّر الحد الأدنى من الاستقرار، لتُترك العائلات في مواجهة مباشرة مع الفقد والحاجة وعدم اليقين.
وللاطلاع على واقع هؤلاء الزوجات والأبناء، التق “نون بوست” بالسيدة نور أبو ندى، زوجة الشهيد بلال. تبدأ نور بوصف زوجها قائلة: “مع وجوده كانت الصعاب ليست صعابًا، والقسوة تهون بوجوده. لم أره يومًا غاضبًا، كان إنسانًا هادئًا وحنونًا جدًا، لم يكن كأي شريك أو كأي أب، كان دائمًا المكان الآمن لي ولأطفاله، لذلك كان فقدانه صعبًا جدًا”.
وتستعيد نور تفاصيل يوم استشهاد زوجها قائلة: “في السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول عام 2023، وتحديدًا في منطقة خانيونس جنوب قطاع غزة، بعد القصف الأول تناثرت الأجساد، كبير وصغير، فاندفع بلال لمساعدة المصابين وإسعافهم، وبعد دقائق فوجئنا بقصفٍ ثانٍ كان أعنف. اندفعتُ إلى الخارج فقط لأراه وأطمئن عليه، وعندما خرجت رأيته وهم يضعونه في سيارة الإسعاف وقد غطّت الدماء أجزاءً من جسده. اشتدّ القصف وطُلب منا المغادرة”.
وتتابع: “ذهب بلال في سيارة الإسعاف، بينما عدتُ أنا إلى البيت. لم أكن يومًا مضطرة للاعتماد على نفسي بوجوده، لكنني فجأة وجدت نفسي وحيدة بين ثلاثة أطفال ومع والد زوجي المقعد، وسط القصف والدمار”.
وتضيف نور: “جاء أحدهم وهمس بشيء، وفجأة عمّ البكاء من حولي. نظراتهم أخبرتني أن هناك أمرًا جللًا، عندها فقط فهمت أن بلال استشهد. توضأت وصليت، ولم يكن لي من دعاء سوى: “يا رب أجرني في مصيبتي””.
وتوضح نور قائلة: “حياة أولادي بعد الفقد صعبة جدًا. أخفيت حزني عنهم، ففقد الأب ليس سهلًا أبدًا ووقعه ليس بسيطًا. وجودهم ساعدني على التكيّف، كان والدهم كل حياتهم، وكان لا بد أن أسد هذا الفراغ، لذلك أحاول دائمًا التحدث معهم، وأشجعهم على الرسم والتلوين. ورغم الحرب واصلنا دراستهم لمدة سنتين، ودائمًا أُحدّثهم عن أبيهم وعن بطولاته، وإذا أخطأوا في شيء أقول لهم إن أباهم شهيد وإن هذا وسام فخر”.
وتختم قائلة: “الآن أسكن في شمال غزة في بيت أهلي، وكان أصعب ما فقدته في الحرب هو زوجي. اليوم أنا من يقود الأسرة، وأنا من أرعى أطفالي ماليًا بمساعدة بعض الأشخاص والجمعيات. مرّ على استشهاده سنتان وشهران، وما زال رحيله أكبر ما فقدته في حياتي. ومن أصعب اللحظات أن أستيقظ لأجد ابني يبكي سرًا تحت الغطاء، أسأله ما به فيقول: اشتقت لبابا. كان أصعب شيء أن أرى ابني حزينًا وأنا غير قادرة على مساعدته. الفقد مؤلم وصفحة صعبة… لكن مش آخر صفحة، الحمد لله”.
أنهت نور حديثها قائلة: “لن نتعافى يومًا مما رأيناه، لكننا نحاول أن نكمل لأن أطفالنا يستحقون الحياة”.
