تنفّست الدول الأوروبية الصعداء حين تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تلويحه باستخدام القوة العسكرية للسيطرة على جزيرة غرينلاند وعدم فرض رسوم على معارضي خططه بالقطب الشمالي، لكن ذلك لم يبدد قناعة متنامية بأن واشنطن لم تعد شريكًا يمكن الاعتماد عليه.
ومع تزايد تحركات واشنطن المتقلّبة على الساحة العالمية – من حروب رسوم تجارية تطال الحلفاء إلى طرح مطالب تمس سيادة شركائها – باتت بعض الدول الغربية تبحث عن الاستقرار لدى قوة يعتبرها كثيرون في واشنطن تهديدًا وجوديًا: الصين. فما أبرز مؤشرات التوجه الأوروبي نحو بكين؟
أولا: تصريحات متتالية
شهدت الشهور الأخيرة تصاعدًا حادًا في التوترات التجارية بين الولايات المتحدة من جهة وأوروبا وكندا من جهة أخرى. فقد فرضت واشنطن رسومًا عقابية على واردات أوروبية (كالصلب والألومنيوم) ولوّحت بأخرى شاملة.
واستخدمت واشنطن الرسوم كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية، مما أثار استياء العواصم الأوروبية التي رأت في هذه السياسات تهديدًا مباشرًا لازدهارها الاقتصادي ولتحالفاتها التقليدية.
خلال منتدى دافوس 2026، وصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بأنه بُني على “نوع من الوهم الجزئي”، حيث تعفي الدول الأقوى نفسها من القواعد حين تناسبها ويُطبق القانون الدولي بانتقائية شديدة.
وأكد كارني، الذي انتُخب بناءً على وعود بالتصدي للتنمّر الأمريكي، أنه لم يعد بالإمكان الاستمرار في “هذا التظاهر” – إذ “يفعل الأقوياء ما يشاؤون ويعاني الضعفاء ما عليهم أن يعانوه”، محذّرًا من أن الامتثال لقواعد مجحفة وتقديم التنازلات لن يوفر الأمان لأي دولة.

هذا الواقع المهتزّ دفع كارني للدعوة إلى تكاتف الدول المتوسطة القوة دفاعًا عن نظام عالمي أكثر عدلًا وتعددية، معتبرًا أن النظام القائم يقف عند “نقطة تمزّق… لا مجرد مرحلة انتقالية”.
واعتبر أن “الدول المتوسطة القوة”، مثل كندا، مطالَبة بالتكيّف مع هذا الواقع الجديد، ولهذا تسعى بلاده إلى توسيع تجارتها مع شركاء غير الولايات المتحدة، عبر اتفاقات كتلك التي وقّعتها مؤخرا مع الصين وقطر.
وفي كلمته أمام منتدى دافوس 2026، انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشدّة ما سماها المنافسة غير العادلة من جانب الولايات المتحدة، معتبرًا أن بعض الاتفاقات التجارية الأمريكية “تقوّض مصالحنا التصديرية، وتطالبنا بتنازلات قصوى، وتهدف صراحةً إلى إضعاف أوروبا وإخضاعها”.
ووصف ماكرون “التراكم اللامتناهي للرسوم الجمركية الجديدة” من قِبل واشنطن بالأمر المرفوض تمامًا، لا سيما عندما تُستخدم “كورقة ابتزاز تمس السيادة الإقليمية” – في تلميح إلى ربط الرسوم الأمريكية بقضية غرينلاند وغيرها.
كيف عكست تصريحات قادة وسياسيين في دافوس ملامح تفكك النظام العالمي وصعود منطق القوة على حساب القانون؟ pic.twitter.com/erkw94GSvV
— نون بوست (@NoonPost) January 23, 2026
أمام هذا الواقع، دعا ماكرون إلى اتباع نهج جديد يقوم على “المزيد من التعاون وبناء مقاربات جديدة” مع قوى مثل الصين كسبيل وحيد للخروج من دوامة الاحتكاكات. ولم يتردد في توجيه رسالة ترحيب واضحة لبكين اقتصاديًا، مشيرًا إلى أن أوروبا “بحاجة إلى المزيد من الاستثمارات الصينية المباشرة” للمساهمة في النمو ونقل التكنولوجيا، وليس فقط استيراد المنتجات الصينية.
وعلى المنوال نفسه، كثّف الاتحاد الأوروبي مساعيه لتنويع شراكاته التجارية عالميًا في مواجهة النزعة الحمائية الأمريكية.
فبعد ربع قرن من المفاوضات توصل الاتحاد إلى اتفاق للتجارة الحرة مع تكتل الميركوسور في أمريكا الجنوبية، وأبرم اتفاقًا آخر مع إندونيسيا عام 2025، كما استأنف محادثات تجارية مع كل من ماليزيا والفلبين والإمارات، وأعاد إطلاق المفاوضات المجمدة مع الهند.
تهدف هذه الخطوات إلى تقليل الاعتماد الأوروبي على السوق الأمريكية وإيجاد بدائل تعزّز الموقع التفاوضي لأوروبا في ظل سياسة “أمريكا أولًا” التي تبنّاها ترامب.
ثانيا: زيارات واتفاقات
لم تقتصر إعادة ضبط البوصلة باتجاه بكين على الخطابات؛ بل تجسّدت في سلسلة زيارات وتحركات أوروبية ملموسة.
- رئيس وزراء كندا زار بكين منتصف يناير/كانون الثاني 2026 وأعلن أن بلاده “تنشئ شراكة إستراتيجية جديدة” معها، كما وقع اتفاقات تمنح الصين امتيازات في الأسواق الكندية من بينها خفض الرسوم الجمركية بشكل حاد على واردات السيارات الكهربائية الصينية، مقابل تخفيف بكين للقيود على صادرات الكانولا الكندية. وصرّح كارني بأن بكين برهنت أنها شريك “أكثر قابلية للتنبؤ” من واشنطن، في إشارة إلى استقرار تعاونها التجاري مقارنةً بنهج الإدارة الأمريكية الحالي.
- الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زار بكين في ديسمبر/كانون الأول 2025، في رابع زيارة رسمية للزعيم الفرنسي إلى العاصمة الصينية. هدفت الزيارة إلى معالجة “اختلالات التجارة العالمية”، إذ بلغ العجز التجاري لفرنسا مع الصين نحو 47 مليار يورو (55 مليار دولار) في عام 2024، وفقاً لوزارة الخزانة الفرنسية. وأمل ماكرون في جذب المزيد من الاستثمارات الصينية إلى فرنسا، التي تشمل صادراتها الرئيسية الطيران والسلع الفاخرة لكن لم يعلن عن اتفاقيات رغم الود المتبادل خلال الزيارة.
- أجرى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز زيارة إلى بكين في أبريل/نيسان 2025 (هي الثالثة له في ثلاث سنوات) لـ “ترسيخ العلاقات الاقتصادية والسياسية”. ولم تُلقِ مدريد بالًا لتحذيرات واشنطن، إذ رفضت صراحة تنبيهًا أمريكيًا بأن الانفتاح على بكين سيكون “بمثابة أن يقطع المرء حنجرته بيده”. وعلى النقيض، شدّد سانشيز عقب لقائه بالرئيس الصيني شي جينبينغ على ضرورة إيجاد “علاقة أكثر توازنًا” بين أوروبا والصين تعالج الخلل الكبير في الميزان التجاري (الذي تجاوز 300 مليار دولار لصالح بكين).
- يستعد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لزيارة تاريخية إلى الصين خلال الأيام المقبلة، ستكون الأولى من نوعها منذ عام 2018، وذلك بهدف إعادة الدفء للعلاقات وإحياء حوار الأعمال الذي ازدهر خلال ما سُمّي بـ“العصر الذهبي” للشراكة بين لندن وبكين قبل نحو عقد. وبحسب مصادر حكومية، سيصطحب معه وفدًا من كبار رجال الأعمال البريطانيين، مع التوقعات بالإعلان عن مجلس تنفيذي مشترك جديد لتعزيز الاستثمار والتجارة بين البلدين.
- أما في ألمانيا، التي تعد الشريك التجاري الأوروبي الأكبر مع بكين، فتتجه الأنظار إلى زيارة يُتوقع أن يجريها المستشار الجديد فريدريش ميرتس إلى الصين أواخر فبراير/شباط 2026 في أول رحلة له إلى هناك منذ تولّيه المنصب. وبحسب تقارير في برلين، تأتي هذه الزيارة استمرارًا للنهج البراغماتي الألماني في التعامل مع الصين، ومن المرجح أن تركز على تأمين مصالح قطاع الأعمال الألماني وتعزيز الاستثمارات المتبادلة.
الصين ترحّب وتعزّز موقعها
لاقى التقارب الأوروبي مع الصين صدى إيجابيًا في بكين، التي كثّفت رسائل التطمين بأنها شريك اقتصادي منفتح وليست تهديدًا.
في منتدى دافوس 2026، حرص نائب رئيس الوزراء الصيني هو ليفنغ على تقديم بلاده كـ“شريك موثوق في التجارة والاستثمار” في وقت أربكت فيه الرسوم الأمريكية الأحادية حلفاء واشنطن قبل خصومها.
وأكد هو ليفنغ أن “الصين شريك تجاري لكافة الدول وليست خصمًا، وأن نموّها يمثل فرصة للاقتصاد العالمي وليس تهديدًا”، مشددًا على أن بكين راغبة بأن تكون “مصنع العالم وسوقه” في آن واحد عبر توسيع وارداتها ومواصلة سياسة الانفتاح.
وانتقد المسؤول الصيني ما وصفه “ممارسات أحادية واتفاقات تجارية” تنتهك مبادئ منظمة التجارة العالمية وتقوّض النظام التجاري الدولي – في تلميح مبطن إلى سياسات واشنطن.
وحذّر من عودة منطق “القوي يأكل الضعيف” في الاقتصاد العالمي، مؤكدًا ضرورة تطبيق القواعد بعدالة على الجميع دون امتيازات لقوى معينة.
وفي السياق نفسه، تعهّدت الصين بمواصلة انفتاح أسواقها وجذب الاستثمارات الأجنبية، مشيرةً إلى أنها لم تسعَ يومًا لتحقيق فائض تجاري بشكل متعمّد وأنها “مستعدة لأن تكون سوقًا للعالم” مثلما هي مصنعه.
وحرصت بكين على ترجمة خطابها إلى أفعال؛ فبعد أيام من إعلان كندا خفض رسومها الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية، بادرت بكين بتخفيض تعريفاتها على واردات الكانولا الكندية ضمن اتفاق متبادل جديد.
هذه التحركات الصينية – إلى جانب خطابها في المحافل الدولية – تهدف إلى ترسيخ صورة بكين كفاعل اقتصادي مسؤول ومستعد لملء أي فراغ تتركه سياسات واشنطن المتقلبة.
إلى أين تتجه أوروبا؟
يحاول الاتحاد الأوروبي تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح على الصين من جهة والحفاظ على التحالف الراسخ مع الولايات المتحدة من جهة أخرى.
فعلى الصعيد الأمني والسياسي، تبقى واشنطن شريكًا لا غنى عنه لأوروبا ضمن حلف شمال الأطلسي “الناتو” وفي مواجهة تحديات عالمية كالنزاعات مع روسيا.
إلا أن التجارب الأخيرة – من الحرب التجارية إلى أزمة شراء غواصات أوكوس ثم قضية غرينلاند – عزّزت الدعوات الأوروبية لقدر أكبر من الاستقلالية الإستراتيجية وعدم الارتهان الكامل للقرار الأمريكي.
وفي هذا الإطار، تروّج بروكسل لمبدأ “خفض المخاطر” في العلاقة مع الصين بدلًا من القطيعة التامة، ساعيةً إلى تنويع شراكاتها التجارية والتكنولوجية مع الحفاظ على قيمها ومصالحها الإستراتيجية.
ويعبّر مسؤولو الاتحاد الأوروبي عن رؤيتهم للصين بعبارات مركّبة – فهي “شريك في مجالات، ومنافس اقتصادي في مجالات أخرى، وخصم منظومي في جوانب ثالثة” – بما يعكس مزيجًا من فرص التعاون ومكامن القلق.
فلا تزال ملفات مثل موقف بكين من حرب أوكرانيا أو سجل حقوق الإنسان تلقي بظلالها على الثقة المتبادلة، الأمر الذي يحدّ من إمكانية تحالف صريح بين أوروبا والصين في المدى المنظور.
مع ذلك، تؤكد عواصم أوروبية رئيسية كبرلين وباريس أنها لا تعتزم “فك الارتباط” اقتصاديًا عن الصين، بل تسعى لعلاقات أكثر توازنًا واستدامة معها.
ويشدد المسؤولون الألمان على انتهاج “تنويع ذكي” لتقليل أي اعتماد مفرط على بكين بالتوازي مع معالجة المشكلات البنيوية في العلاقات الثنائية.
في المقابل، حذّر ماكرون مرارًا من مخاطر انقسام العالم إلى تكتلات متصارعة، معتبرًا أن مصلحة أوروبا تكمن في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع جميع الأطراف بدل الانجرار إلى حرب باردة جديدة.
وبينما يدرك الأوروبيون أن الاندفاع نحو الصين ينطوي على تحديات ومخاطر – منها زيادة الاعتماد على الموردين الصينيين أو التهاون في بعض الملفات القيمية – إلا أنهم يبعثون عبر تحركاتهم المتسارعة برسالة واضحة إلى واشنطن: لن تقف أوروبا مكتوفة الأيدي أمام تغوّل تجاري أمريكي يضرّ بمصالحها، بل ستبحث عن بدائل وشراكات تحصّن بها اقتصادها وتوازن بها اختلالات التحالفات التقليدية.
ويبقى مستقبل هذا التوجّه الأوروبي مرهونًا إلى حد كبير بتطور سياسات واشنطن في السنوات القليلة المقبلة، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستعدّل سلوكها إزاء حلفائها أم تدفعهم أكثر فأكثر نحو الشرق – وهو مسار لا يخلو بدوره من مخاطر زيادة الارتهان الأوروبي لبكين على المدى البعيد.