في لحظةٍ سورية شديدة التعقيد تتقاطع فيها التحوّلات السريعة مع قرارات مفصلية ويختلط فيها المتوقع بالمفاجئ، تتصدّر العلاقة المتقلّبة بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” واجهة الأحداث، بين تفاهمات معلنة وخروقات متكررة، ثم هدنٍ مؤقتة وتمديدات متلاحقة وبين سعي الدولة إلى استعادة الاستقرار ووحدة القرار وإصرار قسد على خيارات أثقلت المشهد وزادت من التباسه.
يتشكّل وضع هشّ تحكمه توازنات دقيقة وهواجس مفتوحة، في وقت لم يعد فيه تمديد الهدنة بديلاً عن معالجة جوهر الخلاف، ولا إدارة الأزمة تعويضًا عن قرار سياسي يحسم اتجاه البلاد. في هذا الحوار مع نون بوست يقدّم الكاتب والصحفي السوري الكردي محمد عبدالستار إبراهيم قراءة نقدية جريئة للمشهد السوري الراهن، متوقفًا عند جذور الانقسام، وأخطاء المرحلة، ولا سيما الخيارات السياسية التي اتبعتها “قسد”، ودورها في تعميق الشرخ المجتمعي عبر خطاب التعبئة القومية والتحالفات الملتبسة. كما يناقش مسؤولية الدولة السورية في تفويت فرص الحوار الوطني، وانعكاس ذلك على مزاج الشارع الكردي والسوري عمومًا.
محمد عبد الستار إبراهيم صحفي وكاتب وروائي سوري كردي من محافظة الحسكة، يكتب في القضايا السورية والكردية، وله أعمال روائية وقصصية منشورة، ومساهمات في تناول التحوّلات السياسية والاجتماعية في سوريا.
كيف تقرأ المشهد السوري اليوم في ظل التغيرات السريعة و المفصلية؟
يعاني اليوم المشهد السياسي والاجتماعي السوري من تشعّبات معقّدة، ويمكن لأي شخص أن يقرأ المشهد بأنه يعاني من انقسام حاد. ربما يُعتبر هذا الوضع طبيعيًا نتيجة تراكمات منذ وصول البعث إلى الحكم، نتيجة سياساتهم، وتحديدًا سياسة «فرّق تسُد» التي كانت تتبعها الأجهزة الأمنية في زمن الأسديين الأب والابن.
ولا يمكننا قراءة المشهد السوري بعيدًا عن آخر 15 سنة، فكان للثورة الدور الكبير؛ إذ تحوّلت الثورة الشعبية إلى حرب طاحنة، والتي بطبيعتها قسمت الجغرافيا السورية بين جهات عسكرية، كلٌّ منها في صراع عسكري وفكري وإيديولوجي. ولكن إذا ما قرأنا التاريخ سنجد أن كل حاكم جديد له معارضون، بل وتقوم ثورات ضده. وفي المشهد السوري نشهد اليوم رفضًا ممن كانوا مستفيدين من السلطة السابقة، كفلول النظام في الساحل، ومن شخصيات في السويداء في الجنوب السوري. ورغم أن قسد لم تكن مستفيدة من النظام السابق، إلا أنها استفادت أثناء الثورة من حالة الانقسام حتى بنت لنفسها كيانًا كاملًا متكاملًا بمؤسسات وأجهزة أمنية وعسكرية وغيرها.
وللأسف أحمل الحكومة جزءًا من هذه المسؤولية لكونها فوّتت فرصة كبيرة أثناء مؤتمر الحوار الوطني، إذ كان شكليًا ولم يكن المؤتمر حقيقيًا. لربما لو كان المؤتمر يستند إلى برنامج حوار وطني حقيقي لجنّبنا الكثير مما نعانيه من انقسام مجتمعي.
ما أبرز الأخطاء السياسية التي وقعت فيها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) خلال السنة الماضية؟ وما المسارات التي كان يمكن اعتمادها لتفادي الوصول إلى الواقع المعقّد الذي نراه اليوم؟
لقد كان لتشكيل قوات قسد غاية واحدة، وهي محاربة تنظيم الدولة، ولكن مع تفاقم الوضع العسكري والأمني السوري، فُرض واقع اجتماعي على الجميع حتى تشكّلت خرائط النفوذ، وكان منها قسد. إلا أن قسد، بمؤسساتها العسكرية والأمنية والخدمية والسياسية، ارتكبت أخطاء كبيرة، كانتهاكات والقبول بدخول مناطق غير كردية منذ البداية.
وكان ذهاب قسد للقتال في منبج والرقة والطبقة وريف دير الزور أمرًا مستهجَنًا من قبل الشارع الكردي، وحتى من قبل أحزاب المجلس الوطني الكردي المعارض لقسد، خوفًا من الفتنة التي نشهدها اليوم. إلا أن إصرار قيادات قسد حال دون رغبة الشارع والمعارضين. لكن بعد التحرير ارتكبت قسد أخطاء كبيرة، منها استقبال فلول النظام السابق الذين كانوا أدوات في قمع الشعب الكردي، وهو أمر غير مفهوم، وعقد تحالف مع الشيخ غزال غزال في الساحل، ودعم وتحالف مع حكمت الهجري في السويداء، وما عُرف بتحالف الأقليات. وهو تحالف مستغرَب وخطأ كبير ارتكبته قسد، لا يقع فيه من طالب سنة أولى في ألف باء السياسة.
وفي الوقت الذي كانت تتجه فيه الدول العربية والولايات المتحدة للاعتراف بالرئيس السوري أحمد الشرع، اتخذت قسد خطوات أخرى برفضه والتعنّت ومماطلة اتفاق 10 آذار. وكان على قسد عدم الانصياع لأي ضغوط من دول خارجية أو قيادات قنديل، لأنهم هم من أوصلوها اليوم إلى الوضع الراهن، وخريطة النفوذ تتحدث عن نفسها. مشكلة قسد تقع في تعدد القيادات، والكلمة الفصل لمن هم في قنديل، ولولاهم أعتقد أن الوضع كان سيكون مختلفًا.
إلى أي حد ساهم الخطاب السياسي لبعض قيادات قسد في شحن المزاج الكردي ضد الدولة السورية، بدل الدفع باتجاه مقاربة وطنية جامعة؟ وما النتائج التي ترتّبت على هذا الخيار؟
من خلال متابعتنا لوسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الكردية سنجد أن المزاج العام يتجه نحو رواية قسد. أنا هنا لا أبرّئ الحكومة ولا الرئيس، على العكس كما قلت سابقًا يتحمّلون جزءًا من المسؤولية، ولكن حتى تحمي قسد نفسها توجّهت نحو دعاية مثل «إبادة الكرد» لتجييش الشارع كله حتى خارج الحدود السورية.
فمع دخول الهدنة توجّهت قيادات قسد والإدارة الذاتية نحو الإعلام المحلي، وصبّوا جهودهم للتجييش، وهذا نوع من الحماية الذاتية والاختباء خلف الشعب، مما تسبّب في رعب حقيقي داخل الشارع الكردي. وكما نوّهت، سبب ذلك هو تعدّد القيادات، وتفرّد قيادات قنديل المناوئة لحكومة الشرع والرافضة لأي تقارب مع دمشق، ما يعمّق الخلاف ويُبعد وجهات النظر، وهو ما يعقّد المشهد أكثر.
وفي الوقت ذاته نجد أن أحزاب المجلس الوطني الكردي المعارض للإدارة الذاتية في ثبات؛ لا هم يستطيعون مواجهة قسد خوفًا من غضب الشعب، ولا يبادرون نحو دمشق، مما أفقدهم المبادرة وحتى لعب دور في المرحلة المقبلة. وأتمنى أن أكون مخطئًا لأنهم بديل الإدارة الذاتية في حال تمت الإطاحة بها. ونتيجة كل ذلك، شعب قَلِق لا يعرف ما ينتظره.
إلى أين تتجه برأيك التفاهمات بين الدولة السورية وقسد؟
هنا يمكن القول كيف إن الحكومة تتحمل جزءاً من المسؤولية، ولماذا يتجه مزاج الشارع الكردي نحو رواية قسد. هناك تيار داخل الدولة يرفض أيضاً حلولاً سياسية، بل يريد إنهاء ملف قسد عسكرياً، إضافة إلى الدور التركي الكبير في سوريا ورفضهم أيضاً بعض شروط قسد، والدفع باتجاه الحل العسكري.
وأيضاً تصدر وزير الخارجية التركي في الشأن السوري يعزز رواية قسد لدى الشارع الكردي في سوريا بأن من يتحكم بالدولة السورية هم الأتراك، وكما هو معروف الحساسية الكردية–التركية.
أنا من أنصار أن هناك دائماً حلولاً، ويمكن الوصول إلى حل سلمي بدلاً من الحلول العسكرية، ويمكن تجنب الحرب. وكباقي الشعب أنتظر بفارغ الصبر لحظة إعلان الوصول إلى اتفاق نهائي يطمئن الناس ويزيل عن هواجسهم شبح الحرب. هناك جهود كبيرة أنا على إطلاع عليها للوصول إلى اتفاق نهائي، وأعتقد سيكون هناك حل يرضي كلا الأطراف.
ما تقييمك، كمثقف وكاتب سوري كردي، للمرسوم رقم 13؟
على الرغم من وجود بعض الثغرات القانونية والحقوقية في مرسوم رقم 13، إلا إنه مرسوم تاريخي يلبي الكثير من مطالب الكرد ويعتبر مرسوم شامل نوعًا ما بين الحقوق الثقافية والسياسية، ولم يتجرأ رئيس سوري منذ الاستقلال على إصدار هكذا مرسوم، فبالتالي خطوة جريئة وذكية جداً من الرئيس الشرع.
ويبنى على هذا المرسوم الكثير ويبقى على الوفد الكردي إذا ما تم مناقشة المرسوم مع الحكومة، أن يتم تضمين المرسوم مع تعديلات في الدستور القادم، إذ أن المرسوم سيبقى ناقصاً في حال لم يكن ضمن الدستور، لأن المرسوم يلغى بمرسوم آخر.
كيف تردّ على الاتهامات التي ترى في مواقفك أو كتاباتك نوعًا من معاداة الهوية القومية التي تنتمي إليها؟
ربما قلت في إحدى الفيديوهات التي نشرتها إن من يقف ضد بني جلدته ينقصه الشرف، ومن يعرفني على الصعيد الشخصي يدرك مدى خوفي وحرصي على القضية الكردية، وقد عملت لسنوات دفاعاً عن هذه القضية العظيمة، بل جل عملي يصب في تحقيق حقوق الكرد. وأقول إن قسد لا تمثل الكرد، وهو ما لا يعجب أنصار قسد وب ك ك، ويتم اتهامي بأنني ضد قوميتي.
الأمر ببساطة أنني أقرأ الواقع والمنطق بعيداً عن العواطف، وأرفض شراء الأوهام التي يبيعونها، ولنا في التاريخ دروس وعِبر. هل المنطق يقول أن أعادي حكومة يعترف بها كل دول العالم، وأذهب لأضع يدي بيد ميليشيات وفلول ولّى عليهم الزمن؟
كما أن قسد والإدارة الذاتية يسيطرون على شمال وشرق سوريا منذ ثلاثة عشر عاماً، وبيدهم ثروات طائلة، لكن المواطن هناك يعاني معاناة شديدة في كسب قوت يومه، الخدمات معدومة، والبنية التحتية منهارة. هذا ما أنا أتحدث عنه: لقد أثبتم فشلكم، وعليكم أن تتنحوا جانباً
ما الدروس التي يمكن أن نستقيها من تجارب أخرى في المنطقة حول إدارة التنوّع ضمن حدود دولة واحدة؟
نحن نعيش سوياً منذ مئات السنين، ولسنا بحاجة إلى دروس من دول أخرى، لأنه يمكننا العيش أيضاً لمئات السنين الأخرى. نعم، نحن نعيش في مرحلة حساسة، وهذا طبيعي لأننا للتو تخلصنا من نظام حكم دام ستين عاماً بأبشع الأساليب والأفكار. وحتى نتخطّى هذه المرحلة نحن بحاجة إلى بعض الوقت، وإلى رجال مخلصين من كل الأطراف ووطنيين.
وأيضاً لنا في التاريخ السوري القريب بعد الاستقلال دروس وعبر؛ كان هناك رجال مخلصون ووطنيون قاوموا الاحتلال وحققوا الاستقلال، وكانوا من كل الطوائف والمناطق والخلفيات. واليوم نحن نستطيع، ولكن الدور الأكبر هنا يقع على عاتق الحكومة وخطابها الإعلامي الوطني الجامع.
فعندما نتحدث عن اللامركزية كمثال، لا يمكن شيطنة من يطالب بها، في الوقت الذي يمكن للإعلام الحكومي أن يلعب دوراً في توضيح الصورة، وعقد ندوات برعاية حكومية لتقريب وجهات النظر. وها هي الإمارات العربية المتحدة مثال حي.
إلى أي مدى يستطيع السرد الأدبي أن يساهم في تشكيل ذاكرة سورية جامعة، تتخطّى الانقسام القومي وتتحرّر من ثقل التاريخ السياسي ؟
طامتنا الكبرى تكمن في ماهية النخبة وتعريفها، إذ أننا نجد اليوم ممن نسميهم النخبة ينجرّون وراء المنشورات الفيسبوكية ويدخلون في مهاترات كيدية لا ينبغي أن تصدر عن هذه الأسماء. بل إن تقييم وقراءة البعض منهم للواقع يثير الدهشة والغرابة، إضافة إلى تموضع كل منهم خلف طائفته وقوميته ومنطقته، وهذا هو الأسف بعينه.
إن تشكيل الذاكرة السورية يمكن أن يتم من خلال تكاتف الجهود الإعلامية والأدبية والفنية والثقافية، مع التأكيد في كل جهد ومشروع على الوجع السوري الواحد دون تمييز، حتى يمكننا العبور من هذه المرحلة المحرجة والمؤسفة.
ما ملامح الخطاب الوطني الذي نحتاجه اليوم؟ وكيف يمكن بناؤه دون إقصاء أو إنكار للتنوّع القومي والديني؟
يبدأ الخطاب الوطني أولاً من الحكومة وينتهي عندها. على الدولة أن تنتهج النهج الوطني في خطابها الإعلامي والسياسي، وأن تكون التعينات والشخصيات من نصيب أصحاب الكفاءة ومن يمتلكون الخطاب الوطني. كما يجب أن يتبنى كل صاحب كلمة، ومن يتمتع بمكانة مهما كانت في هذا البلد، قضية أخيه السوري، أي تصبح القضية الكردية قضية كل السوريين وكل النخب. والأمر نفسه ينطبق على باقي الطوائف والمناطق، ويجب أن نحارب سياسة التعميم.
خلال ستين عاماً، وبسبب سياسة «فرق تسد» التي اتبعها النظام البائد، اكتشفنا أن المجتمعات السورية المتعددة تجهل بعضها البعض. واليوم نحن بحاجة إلى برامج تعيد الشعب السوري ليتعرف كلٌ على بعضه البعض، من خلال برامج إعلامية وثقافية، وورش عمل، وندوات، وغيرها.