تجاوز التوتر السعودي–الإماراتي في الآونة الأخيرة الخطوط الحمراء التي كانت مرسومة له مسبقًا، حتى وإن ظلّ — شكليًا — محصورًا في نطاق السجال الإعلامي، فقد شنّ الإعلام السعودي حملة غير مسبوقة على أبوظبي، أعاد من خلالها فتح سجلّ طويل من الانتهاكات والجرائم المنسوبة للإمارات في عدد من ساحات الإقليم خلال السنوات الماضية.
وعلى نحو شبه يومي، تبث قناة «الإخبارية» والتلفزيون الرسمي السعودي تقارير موسّعة تتناول الدور الإماراتي في المنطقة، مستحضرة ملفات قديمة ومتداخلة. تارةً تتعلق بالجنوب اليمني، من خلال اتهامات بدعم النزعات الانفصالية، وتنفيذ عمليات اغتيال، وإدارة سجون سرية منذ عام 2017؛ وتارةً أخرى تتناول الانتهاكات في القرن الأفريقي، وربطها بتنفيذ أجندات تخدم المشروع الصهيوني في تلك المنطقة الحيوية، كما امتد الخطاب إلى المشهد السوداني، مع اتهام أبوظبي بتغذية النزعة الانفصالية عبر دعم ميليشيا «الدعم السريع» وتأجيج الصراع الداخلي.
غير أن اللافت في هذا التصعيد الإعلامي أنه لم يعد محصورًا في تلك الساحات التقليدية، بل انتقل مؤخرًا إلى الساحة المصرية. إذ بدأ الإعلام السعودي يتناول ما وصفه بـ”العبث الإماراتي بالأمن القومي المصري”، متهمًا أبوظبي بالسعي للهيمنة على مفاصل الدولة المصرية والسيطرة على أصولها الاستراتيجية، وهو تطور يضع القاهرة أمام مأزق سياسي بالغ الحساسية، ويطرح تساؤلات جدية حول مقاربات الدولة المصرية الممكنة في التعامل مع هذا التصعيد غير المسبوق بين حليفين إقليميين مؤثرين، وشريكين أساسيين خلال العقد الأخير تحديدًا.
خنجر في خاصرة الدولة المصرية
في مقال وُصف بالصادم والكاشف في آن واحد، نشرته صحيفة «الجزيرة» السعودية في 22 يناير/كانون الثاني الجاري، شنّ الأكاديمي والبرلماني السعودي السابق أحمد التويجري هجومًا لاذعًا على أبوظبي، واصفًا إياها بأنها “خنجر في خاصرة الأمة العربية”، و”أداة طيّعة سخّرتها الصهيونية لتحقيق أطماعها في المنطقة وعلى مستوى الأمة”.
ولم يقف التويجري عند هذا التوصيف العام، بل أسقطه صراحة على الحالة المصرية، متناولًا ما اعتبره تغلغلًا إماراتيًا ممنهجًا في مفاصل الدولة المصرية، وأشار إلى أن أبوظبي استغلت الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها مصر، لتتسلل تدريجيًا إلى قلب الاقتصاد الوطني، وفي مقدمته الموانئ، ساعية إلى الاستحواذ على حصص مؤثرة في عدد من المؤسسات والشركات المالية والصناعية والزراعية الكبرى.
مقال للدكتور أحمد بن عثمان التويجري يتصدر منصات التواصل الإجتماعي الغربية 📌
بعنوان الإمارات التي في قلوبنا
الرابط 📎 @al_jazirah https://t.co/LXGkH0cNAL pic.twitter.com/FsedMifgAR
— Ayda News (@AydaNews) January 23, 2026
وسرد التويجري قائمة طويلة من الكيانات التي قال إن الإمارات استهدفتها أو باتت تمتلك نفوذًا داخلها، من بينها البنك التجاري الدولي (CIB)، وشركة بلتون المالية القابضة، وشركة فوري للتكنولوجيا المالية، وشركة أبو قير للأسمدة، وشركة موبكو، وشركة الإسكندرية لتداول الحاويات (AlexCont)، فضلًا عن استثمارات عقارية ضخمة تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات، مثل مشروع “عين الحلوة” وغيره، واعتبر أن مجمل هذه التحركات تصب في إطار السيطرة على مفاصل الاقتصاد المصري، تمهيدًا — بحسب تعبيره — للتأثير في القرار السياسي المصري والتحكم في توجهاته.
ولم تقتصر اتهامات البرلماني السعودي السابق على مسألة الهيمنة الاقتصادية فحسب، بل تجاوزتها إلى اتهام أبوظبي بالعبث المباشر بالأمن القومي المصري بأبعاده الأمنية والمائية والسياسية، وفي هذا السياق، اتهمها بالتآمر مع إثيوبيا ودعمها ماليًا في مشروع سد النهضة، الذي وصفه بأنه يشكل أخطر تهديد استراتيجي لمصر، معتبرًا أن هذه السياسات تندرج في نهاية المطاف ضمن خدمة “الأطماع الإسرائيلية الكبرى” في المنطقة.
ماذا تريد الرياض؟
قد يذهب بعض المراقبين إلى أن هذه الاتهامات، وتلك المقالات، لا تعبّر بالضرورة عن موقف رسمي سعودي، باعتبارها تندرج ضمن الآراء الإعلامية غير الملزمة سياسيًا، غير أن هذا الطرح يفتقر إلى قدر معتبر من الموضوعية، إذ يصعب تصوّر أن يصدر عن أحمد التويجري — وهو أكاديمي وبرلماني سعودي سابق — خطاب تصعيدي بهذه الحدة ضد حليف وشريك تاريخي، دون وجود ضوء أخضر من دوائر القرار السياسي.
وبالمثل، لا يمكن النظر إلى تبنّي قناة “الإخبارية” السعودية والتلفزيون الرسمي خطابًا هجوميًا تجاه الإمارات باعتباره أمرًا عفويًا أو معزولًا عن السياق السياسي والأمني، فخطاب من هذا النوع من شأنه، بطبيعته، أن يعكّر صفو العلاقات بين دولتين خليجيتين ترتبطان بشراكة استراتيجية طويلة، وهو ما يعني أن خروجه عبر منصات رسمية — حتى وإن حمل توقيع إعلاميين — يعكس، بصورة أو بأخرى، توجّهًا سعوديًا محسوبًا، وإن لم يُقدَّم في صيغة موقف رسمي معلن.
في هذا السياق، يفرض تساؤل جوهري نفسه: ما الذي تسعى إليه السعودية من خلال هذا الخطاب الإعلامي، الذي يحرّض القاهرة ضمنيًا ضد أبوظبي، بعد توجيه اتهامات لها بالعبث بالأمن القومي المصري؟
يمكن حصر الإجابة في مسارين رئيسيين، المسار الأول سياسي، ويتمثل في محاولة الرياض تسخين الموقف المصري واستقطاب القاهرة إلى صفّها في هذا الاشتباك مع النفوذ الإماراتي، حتى وإن كان اشتباكًا محدود المدى.
وفي هذا الإطار، تبدو المملكة وكأنها تسعى إلى تدشين تحالف إقليمي مضاد للدور الإماراتي، يضم إلى جانبها كلًا من تركيا وباكستان، مع الرهان على ثقل مصر الإقليمي وقدرتها على ترجيح الكفة.
أما المسار الثاني، فيتصل بالبعد الاقتصادي، حيث تشعر الرياض بأن التمدد الإماراتي في السيطرة على الموانئ والأصول الاستراتيجية المصرية يمثّل تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية ولمشروعها الطموح “رؤية السعودية 2030”.
فهذه الرؤية تقوم، في أحد مرتكزاتها الأساسية، على تحويل المملكة إلى مركز لوجستي وتجاري وبحري إقليمي، في وقت تمتلك فيه الإمارات بالفعل شبكة نفوذ متقدمة في مجال الموانئ والخدمات اللوجستية على مستوى المنطقة.
ومن هذا المنطلق، تحاول السعودية الدخول بقوة على خط المنافسة، عبر توسيع حصتها الاستثمارية وبناء تحالفات بحرية ولوجستية في البحر الأحمر ومحيطه، وهو مجال بات يُشكّل نقطة تقاطع واضحة لتنافس إقليمي ودولي متصاعد.
بين الانحياز والحياد.. مأزق القاهرة الحرج
أمام هذا المشهد بالغ التعقيد، ومع تصاعد ما بات يُنظر إليه بوصفه عبثًا إماراتيًا واضحًا ومعلنًا بالأمن القومي المصري في أكثر من ساحة، داخلية وخارجية، تجد القاهرة نفسها في مأزق سياسي شديد الحساسية. إذ أصبحت، على نحو متزايد، مطالَبة بتبني موقف واضح وصريح لا يخرج عمليًا عن مسارين رئيسيين، لكل منهما كلفته السياسية والاقتصادية الباهظة.
المسار الأول يتمثل في الانحياز إلى أحد طرفي النزاع، وعلى الأرجح هنا إلى الموقف السعودي. وتستند هذه القراءة إلى حزمة من المؤشرات، في مقدمتها إعلان القاهرة توافق مواقفها الرسمية مع الرياض بشأن ضرورة الدفع نحو تسويات سلمية لأزمات المنطقة، بما يضمن الحفاظ على وحدة الدول وسيادتها وسلامة أراضيها، ولا سيما في السودان واليمن والصومال وقطاع غزة. وجاء ذلك عقب استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوم الاثنين 5 يناير/كانون الثاني الجاري، لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في القاهرة.
ويعزز أنصار هذا الاتجاه قراءتهم بما ورد في خطاب الرئيس السيسي على هامش الاحتفال بعيد الشرطة المصرية، حيث وجّه رسالة غير مباشرة إلى الدول الداعمة للميليشيات المسلحة، مؤكدًا أن هذه السياسات لم تحقق أهدافها، وأن الأنظمة التي تنتهجها ستدفع ثمنها. ورغم أن الرئيس لم يسمِّ أطرافًا بعينها، فإن قراءات سياسية متعددة ذهبت إلى أن الإمارات كانت المقصودة بتلك الرسائل الضمنية.
ويتعزز هذا المسار بالتطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة الإقليمية حيث تقاطع التحركات الإماراتية مع اعتبارات الأمن القومي المصري، من اليمن إلى الصومال والقرن الأفريقي، ومن السودان إلى سد النهضة في أديس أبابا.
رسالة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي كانت واضحة ومباشرة للدول التي تنشئ وتدعم الميليشيات داخل الدول العربية. 🇪🇬 pic.twitter.com/8DB1LTUT1b
— عبدالله البندر (@a_albander) January 24, 2026
غير أن تبني القاهرة موقفًا صريحًا بالانحياز إلى الرياض لا يخلو من كلفة مرتفعة. فالعلاقات الشخصية والسياسية الوثيقة التي تجمع الرئيس السيسي بنظيره الإماراتي، إلى جانب حجم الاستثمارات الإماراتية الضخم في الاقتصاد المصري، فضلًا عن الدور المحوري الذي لعبته أبوظبي في دعم النظام الحالي منذ عام 2013 وحتى اليوم، كلها اعتبارات ضاغطة تجعل أي قطيعة أو تصعيد مع الإمارات خيارًا محفوفًا بالمخاطر، ويدفع صانع القرار المصري إلى حساب خطواته بدقة بالغة.
أما المسار الثاني، فيتمثل في التزام الحياد، عبر محاولة القاهرة التزام الصمت إزاء تصاعد التوتر بين الرياض وأبوظبي، والاكتفاء بالمراقبة من مسافة محسوبة. ويجد هذا التوجه تفسيره في تجنّب الإعلام الرسمي المصري الانخراط في هذا السجال بأي قدر من الانحياز، مع إفساح المجال لأصوات تدعو إلى تهدئة التوتر، وتؤكد عمق العلاقات التي تجمع الطرفين الخليجيين.
وفي هذا الإطار، يتوقع كثيرون استمرار سياسة التجاهل الإعلامي الرسمي أو الاكتفاء بردود منخفضة السقف، إذ درجت القاهرة تقليديًا على تجنّب فتح اشتباك علني بين حليفين خليجيين، نظرًا لحاجتها المستمرة إلى خطوط التمويل والاستثمار من الطرفين، وسعيها الدائم إلى طمأنتهما بأن علاقاتها مع كل منهما ستظل بمنأى عن هذا الخلاف.
غير أن هذا الخيار، وإن كان قد يلقى قبولًا لدى أبوظبي، لا يبدو مريحًا للرياض، فنهج الحياد النسبي الذي التزمت به القاهرة في محطات سابقة، ولا سيما في الملف اليمني، لم يحظَ بارتياح سعودي، وكان أحد مصادر التباين بين البلدين في تلك المرحلة. واليوم، تشير تطورات المشهد الراهن إلى انتقال الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا وتشابكًا، لم يعد فيه الحياد خيارًا استراتيجيًا مريحًا، في ظل تحديات متراكمة باتت تمسّ بشكل مباشر الأمن القومي لكافة الأطراف المنخرطة في هذه المعادلة الإقليمية.
استثمار الخلاف
أمام هذا المأزق، تحاول القاهرة الاستثمار في حالة الخلاف المتصاعدة بين حليفيها الخليجيين، في مقاربة براغماتية تعكس إدراكها لحساسية التوازنات الإقليمية. فبرغم القناعة الراسخة لدى القيادة المصرية بوجود ممارسات إماراتية تمسّ أمنها القومي، فإن ذلك لم يصل، من وجهة النظر الرسمية حتى الآن، إلى مستوى تبرير تبنّي موقف حاسم أو صدامي تجاه أبوظبي.
وانطلاقًا من هذه المعادلة المعقّدة، تسعى مصر إلى تحقيق هدف مزدوج، كبح المسار الإماراتي الذي تعتبره مقلقًا لأمنها القومي، دون خسارة الإمارات كحليف إقليمي موثوق، وفي الوقت ذاته التماهي مع الموقف السعودي وتجنّب إغضاب الرياض أو الظهور بمظهر الطرف المتردد.
وعلى هذا الأساس، بدا أن القاهرة قد ارتأت أن المسار الدبلوماسي هو الخيار الأنجع، عبر إبداء دعم محسوب للتحرك السعودي الرامي إلى تقليص النفوذ الإماراتي في الإقليم، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع أبوظبي.
وفي هذا السياق، يرى كثير من المراقبين أن القاهرة ستسعى بشكل أو بأخر إلى استثمار هذا الخلاف لتحقيق جملة من المكاسب الاستراتيجية، يأتي في مقدمتها فتح السوق المصري أمام توازنات إقليمية أوسع، تشمل إلى جانب الإمارات كلًا من السعودية وقطر، بما يحدّ من الهيمنة الإماراتية من جهة، ويتيح المجال لشراكات اقتصادية واستثمارية جديدة مع قوى خليجية أخرى من جهة ثانية، وهو ما من شأنه تقليل درجة الاعتماد المصري على طرف واحد، وتحقيق مكاسب مزدوجة ذات طابع اقتصادي وسياسي على المديين المتوسط والطويل.
وفي ضوء ما سبق، يُستبعد أن تنحاز القاهرة انحيازًا كاملًا إلى طرف على حساب الآخر، حتى وإن بدا هذا الانحياز نسبيًا في بعض المواقف أو الخطابات. بل من المرجّح أن تواصل مصر سياسة الموازنة الدقيقة، والسعي إلى كسب الطرفين، مع محاولة لعب دور الوسيط بينهما بما يحفظ شبكة علاقاتها الإقليمية ويحقق أكبر قدر ممكن من المكاسب.
غير أن هذه المقاربة، على ما تنطوي عليه من نجاح تكتيكي مؤقت، قد تحمل في طياتها كلفة مستقبلية محتملة، سواء في حال انحسار التوتر بين الحليفين، أو إذا ما انزلق الخلاف إلى مستويات أكثر حدّة وتصعيدًا.