في خطوة تعيد أحد أكثر الشخصيات جدلًا إلى صدارة المشهد العراقي، رشّح تحالف الإطار التنسيقي (الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان) رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة مجددًا.
يمثّل هذا الترشيح عودة بعد غياب دام 12 عامًا عن المنصب التنفيذي الأول، ويثير تساؤلات ملحّة حول ما تعنيه عودة المالكي للعراق والمنطقة.
فهل يحمل العراق إلى استقرار مأمول أم يعيده إلى حقبة الأزمات الطائفية؟ وما طبيعة النفوذ الذي سيسيطر فعليًا على زمام الأمور في عهده الثالث المحتمل؟
بين ولايتين وعودة محتملة
شغل نوري المالكي (75 عامًا) منصب رئيس الوزراء لدورتين متتاليتين (2006-2014) وكان أول من أكمل ولايتين منذ سقوط نظام صدام حسين.
تولّى الحكم وسط عنف طائفي مستعر عقب الغزو الأمريكي، وتمتع بدعم من واشنطن في بداياته على أمل تحقيق الاستقرار، لكن فترة حكمه اتسمت بنزاعات داخلية حادة: صراع على السلطة مع القوى السنية والكردية، وتصاعد التوتر مع واشنطن لاحقًا.
كما واجه المالكي اتهامات بتهميش السنة وتأجيج التوترات الطائفية، وفشله في منع تمدد تنظيم داعش عام 2014، ففي ذلك العام اجتاح التنظيم ثلث أراضي العراق بما فيها الموصل، مما أجبره على التنحي تحت ضغط داخلي ودولي.
منذ ذلك الحين بقي المالكي لاعبًا مؤثرًا يرأس ائتلاف دولة القانون ويحافظ على صلات وثيقة بالفصائل المسلحة الموالية لإيران. وبعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة (نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، احتدم التنافس داخل البيت الشيعي على المنصب.
وأعلن رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني تنحيه عن الترشح لولاية جديدة مطلع يناير/كانون الثاني 2026، مما أفسح المجال أمام عودة المالكي.

وعقد الإطار التنسيقي اجتماعًا موسعًا في 24 يناير أفضى بالأغلبية إلى اختيار المالكي مرشحًا رسميًا لرئاسة الوزراء بوصفه زعيم الكتلة الأكبر برلمانيًا. وأوضح بيان الإطار أنّ الترشيح جاء استنادًا إلى خبرته السياسية والإدارية ودوره السابق في إدارة الدولة.
هذه العودة لم تكن ممكنة قبل اليوم؛ إذ وُوجهت محاولة المالكي لولاية ثالثة عام 2014 بـ”فيتو” صريح من المرجعية الدينية العليا في النجف ومعارضة قوية من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني وقوى سنّية أخرى.
أما الآن، فيبدو أن تفاهمات وتحولات داخلية سمحت بتغيير المشهد لصالح المالكي، من أبرزها انسحاب السوداني، وتوافق قوى الإطار على تجاوز خلافاتها الداخلية لتحقيق الترشيح.
من يسيطر فعليًا إذا عاد المالكي؟
يطرح ترشيح المالكي تساؤلًا جوهريًا حول مراكز النفوذ الحقيقية في الحكومة المقبلة، فرئيس الوزراء الأسبق يعود هذه المرة بدعم كتلة شيعية واسعة، لكن عليه الموازنة بين قوتين خارجيتين نافذتين في العراق: إيران والولايات المتحدة.
التحالف المدعوم من إيران – الذي يشمل العشرات من الفصائل المسلحة الشيعية – شكّل رافعة أساسية لعودة المالكي، خاصة وأن كثيرًا من هذه الفصائل مقرب منه وتحسب ضمن الإطار التنسيقي.
وتشير تقارير من بغداد إلى أن المرشد الإيراني علي خامنئي أعطى موافقة ودعمًا ضمنيًا لهذه الخطوة، ما يعكس ثقلاً إقليميًا خلف المالكي.
وسيتعين على الحكومة الجديدة التعامل بحذر مع تلك الجماعات المسلحة القوية المقرّبة من طهران (مثل عصائب أهل الحق وغيرها) والتي تتمتع بنفوذ واسع وتعمل أحيانًا بمعزل عن سيطرة الدولة.
في المقابل، تقف واشنطن على الجانب الآخر من ميزان النفوذ؛ فهي تضغط علنًا من أجل تفكيك نفوذ المليشيات وإنهاء سطوتها. وقد شددت الإدارة الأمريكية مرارًا على ضرورة حل الفصائل المسلحة الموالية لإيران أو إدماجها الكامل في مؤسسات الدولة، باعتبارها شرطًا لاستقرار طويل الأمد.
وعُرف المالكي في ولايتيه السابقتين بقدرته على مسايرة طهران وواشنطن معًا لتحقيق مكاسب سياسية. فقد كان بمثابة محور توازن أجبر الجميع على التعامل معه كواقع مفروض في معادلة الحكم.
لكن الظروف تغيّرت اليوم؛ فالفصائل المسلّحة أضحت أكثر قوةً ونفوذًا ضمن مؤسسات الدولة (عبر الحشد الشعبي وغيره)، والولايات المتحدة أكثر تشككًا حيال المالكي بسبب سجله السابق.
لذلك يخشى محللون من أن الحكومة المقبلة، وإن ترأسها المالكي اسميًا، قد تكون عمليًا مرتهنة لتوازنات القوى داخل الإطار التنسيقي ولإرادات قادة المليشيات الذين دعموا عودته.
ورأت وكالة رويترز أن الحكومة المقبلة ستضطر إلى المناورة في توازن دقيق بين النفوذ الأمريكي والإيراني في العراق، الأمر الذي سيختبر براعة المالكي السياسية وخبرته في إدارة دفة البلاد.
تحديات ومخاطر داخلية
داخليًا، أثار احتمال عودة المالكي لرئاسة الوزراء انقسامًا في الشارع السياسي العراقي، وسط تحذيرات من تجدد الأزمات التي شهدتها البلاد خلال حكمه السابق. أبرز هذه الأزمات والمخاطر:
1- احتقان طائفي متجدد: اتهم المالكي مرارًا بانتهاج سياسات إقصائية ضد المكوّن السني وتهميشه تحت ستار اجتثاث حزب البعث ومكافحة الإرهاب. ويخشى منتقدوه أن تصاعد نهجه الطائفي مجددًا سيؤدي إلى تفاقم الاحتقان الأهلي وتقويض جهود المصالحة الوطنية.
2- عودة “الإرهاب”: حذّر المجلس السياسي الوطني السني (ائتلاف لقوى سنّية) قادة الإطار التنسيقي من إعادة تدوير شخصيات سياسية ارتبطت حقب حكمها بـ”إخفاقات أمنية جسيمة” ما زالت آثارها ماثلة. وذكّر بأن مرحلة المالكي شهدت اجتياح الإرهاب لمساحات واسعة وتهجير ملايين المواطنين وتدمير مدن بأكملها، في إشارة إلى سقوط الموصل وبروز تنظيم داعش.
3- تدهور العلاقات الخارجية: أشار البيان السني إلى تعقيدات كبيرة سادت علاقات العراق الإقليمية والدولية وتراجع فرص التنمية الاقتصادية في عهده السابق، داعيا إلى عدم العودة للتجارب الفاشلة التي قد تعزز الانقسام الداخلي وتعمّق فقدان الشارع ثقته بالعملية السياسية.
4- تصعيد شعبي: يلوح في الأفق شبح التصعيد الشعبي بقيادة التيار الصدري الذي رفض عودة غريمه التقليدي نوري المالكي، محذرًا من أن الإصرار على المضي في ترئيسه سيُفاقم إحباط الشارع، ولوّح بإمكانية تحريك أنصاره في احتجاجات واسعة إذا تجاهلت القوى السياسية دعوات التغيير الحقيقي.
5- تفاقم الفساد: لا يخفى أن فترة حكم المالكي ارتبطت أيضًا بتفاقم ملفات الفساد المالي والإداري؛ حيث شهدت البلاد هدرًا هائلًا للثروة الوطنية واستشراء المحسوبية، مما يجعل الكثير من المواطنين ينظرون بعين الريبة إلى وعود الإصلاح القادمة من عرّاب مرحلة اعتُبرت من الأكثر فسادًا.
تداعيات إقليمية ودولية
إقليميًا، يُنظر إلى عودة المالكي على أنها انتصار لمعسكر النفوذ الإيراني في العراق، فإيران التي تربطها بالمالكي علاقات وثيقة ستكون المستفيد الأكبر من توليه السلطة مجددًا.
بالنسبة للدول الخليجية وتركيا، فإن عودة المالكي قد تثير بعض القلق. تاريخيًا، اتسمت علاقته مع السعودية ودول الخليج بالتوتر والجفاء على خلفية اتهامه بتهميش السنة والتقرب الشديد من إيران.
ورغم التحسن النسبي في العلاقات العراقية الخليجية خلال عهد الحكومات الأخيرة، يخشى أن تؤدي سياسات المالكي إلى برود جديد مع محيطه العربي. وقد تسعى الدول الخليجية إلى إعادة تقييم انخراطها الاقتصادي والدبلوماسي مع بغداد إذا شعرت أن النفوذ الإيراني تعزّز بشكل يفوق الحد المقبول بالنسبة لها.
أما تركيا، التي لها مصالح إستراتيجية في شمال العراق، فقد تتابع الوضع بحذر؛ إذ سبق أن شهدت علاقتها بالمالكي فتورًا وخلافات حادة خصوصًا بشأن ملفات كركوك ونفوذ حزب العمال الكردستاني.
لكن وجود تفاهمات بين المالكي وقيادة إقليم كردستان (وخاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة بارزاني) ربما يطمئن أنقرة جزئيًا بأن مصالحها (في ما يتعلق بكبح نفوذ حزب العمال مثلًا) ستؤخذ بالاعتبار من قبل حكومة المالكي المتحالفة مع حلفاء أنقرة في أربيل.
ويُنظر إلى المالكي في الولايات المتحدة على أنه رمز لحقبة ساهمت في صعود تنظيم داعش عبر سياسات طائفية أضعفت اللحمة الداخلية، وليس خافيًا أن إدارة باراك أوباما عام 2014 ضغطت لاستبداله كشرط لتقديم الدعم العسكري للعراق ضد التنظيم.
واليوم، أمام إدارة دونالد ترامب معضلة التعامل مع حكومة محتملة بقيادة المالكي، فعلى الأرض، لا يزال لدى واشنطن نحو 2500 عسكري في العراق في مهمة استشارية ضد الإرهاب.
وإذا شعرت بأن حكومة المالكي غير متعاونة في كبح جماح الفصائل المسلحة، فقد تتجه الولايات المتحدة إلى تقليص دعمها لبغداد أو فرض شروط أكثر صرامة للتعاون الأمني. وقد ألمحت واشنطن مرارًا إلى استيائها من تنامي نفوذ الحشد الشعبي مطالبه بحله. هذا المطلب قد يصطدم برفض المالكي وحلفائه، مما ينذر بتوتر في العلاقة الأمريكية العراقية في المرحلة المقبلة.