ترجمة وتحرير: نون بوست
مع تسارع ثورة المعلومات حول العالم، وما تسببه من قلبٍ لموازين القوى الدولية وصولاً إلى مستقبل العمل، تشهد الثقافة الأمريكية والسياسة الأمريكية ربما أعمق اضطراب لها منذ 250 عامًا، أي منذ أن أعلنت المستعمرات الثلاث عشرة استقلالها، ولم يكن بالإمكان أن يكون الأمر على غير ذلك.
فأكبر موجة هجرة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث وصل أكثر من 70 مليون مهاجر منذ عام 1965، تعيد تشكيل التركيبة السكانية والثقافة في جميع أنحاء أحياء البلاد. وقد أحدث صعود وسائل التواصل الاجتماعي اضطرابًا في النظام الإعلامي والأحزاب السياسية. وتتقلب الأسواق المالية، وتنهض الصناعات وتنهار بوتيرة مذهلة، فيما تظهر تقنيات تغيّر الحياة بسرعة تفوق قدرتنا على التكيف معها. وتتوالى الطعون القانونية ضد المبادئ الدستورية التي يقوم عليها جهاز الدولة الإداري الحديث عبر محاكم باتت أكثر تعاطفًا معها، مما يبشر بتغييرات جذرية في طريقة عمل أهم مؤسساتنا. كما تبدو الأسس المالية لبرامج الحكومة مقلقة، إذ يرى نحو 40 بالمئة من الأمريكيين وفق استطلاعات الرأي أن كلاً من “ميديكير” و”الضمان الاجتماعي” لن يستمرا لأكثر من عشر سنوات أخرى. وفي الوقت نفسه، يثير الصعود المقلق للقوى العظمى المعادية، واستمرار المخاوف من الإرهاب والهجمات الإلكترونية، والشعور العام بأن أسس السلام الذي أعقب الحرب الباردة تتداعى بسرعة، ظلالاً ثقيلة على العقل الأمريكي.
إن الصعود المذهل لدونالد ترامب هو نتيجة أكثر منه سببًا لهذه الاضطرابات الكبرى. لكنه ليس مجرد ومضة برق في سماء عاصفة؛ فالتحالف السياسي الذي تشكّل تحت رايته يملك القدرة على إعادة تشكيل السياسة الأمريكية. وقد انضم جزء كبير من وادي السيليكون إلى حملة ترامب، وهذا التحالف بين طليعة الرأسمالية الأمريكية النابضة وقلب الشعبوية الأمريكية، يُعدّ تطورًا بالغ الأهمية. وحتى بعد أن يغادر ترامب نفسه المشهد، سيظل مصير التحالف الذي ساهم في تشكيله عاملاً رئيسيًا في دفع مسار التاريخ الأمريكي والعالمي.
كل هذا حدث مؤخرًا؛ ففي حملة 2016، برز بيتر ثيل بين قادة التكنولوجيا بدعمه العلني لترامب، بينما أعلن المستثمر المغامر مارك أندريسن أن هيلاري كلينتون هي “الخيار الواضح” للرئاسة. أما الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”، سام ألتمان، فقد وصف ترامب بلا مواربة بأنه “غير مؤهل للرئاسة” و”تهديد للأمن القومي”.
وقد دخل ترامب في خلافات علنية مع إيلون ماسك خلال ولايته الأولى وبعدها، وتجادل كثيرًا مع جيف بيزوس، واصفًا مؤسس “أمازون” بـ”جيف بوزو”. كما هدد غاضبًا الرئيس التنفيذي لـ”ميتا”، مارك زوكربيرغ، بالسجن المؤبد “إذا ارتكب أي مخالفة هذه المرة” بسبب دوره المزعوم في انتخابات 2020.
لقد تغيّر المشهد، ففي حفل تنصيب ترامب لولايته الثانية، حضر عمالقة التكنولوجيا مثل زوكربيرغ وبيزوس وماسك والرئيس التنفيذي لـ”غوغل” سوندار بيتشاي والرئيس التنفيذي لـ”آبل” تيم كوك، وهم يضحكون ويتبادلون المصافحات مع الدائرة المقربة من ترامب داخل قاعة “الكابيتول روتوندا”. وقال ترامب مازحًا في أواخر عام 2024: “في ولايتي الأولى كان الجميع يحاربني، أما في هذه الولاية فالجميع يريد مصادقتي”. ومع انضمام شخصيات مثل بالمر لاكي من “أندوريل”، وأليكس كارب وجو لونسدايل من “بالانتير”، ومارك أندريسن، وديفيد ماركوس، ومارك بينكوس إلى قطار ترامب، تحوّل وادي السيليكون من معقلٍ لمعارضي ترامب إلى أحد أبرز مصادر الدعم للرئيس المثير للجدل.
لكن ليس كل من ينتمي إلى عالم “ماغا” سعيدًا بهذا التحول؛ فقد أعلن ستيف بانون بتحد في البودكاست المؤثر الخاص به “وور روم”: “أنا شعبوي، ولن أنحني لزوكربيرغ. إنه مجرم. بيزوس؟ إنه غريب الأطوار. ماسك؟ لا، لن أفعل ذلك. غوغل؟ … يوتيوب حظرنا إلى الأبد”. ويرى بانون أن الهدف الأساسي من حركة “ماغا” هو معاقبة وسحق النخبة الحاكمة – من ممولي وول ستريت، وطبقة المانحين الحزبية في واشنطن، إلى مليارديرات وادي السيليكون – الذين يعتبرهم مسؤولين عن تحويل الأمريكيين العاديين من الطبقة العاملة إلى ما يشبه الخدم المقيدين بعقود طويلة الأمد. وبالنسبة لبانون، فإن طرد “أصحاب رؤوس الأموال الماسكيين” من معبد ترامب مهمة مقدسة.
والمشاعر متبادلة؛ فقد أعاد إيلون ماسك في ديسمبر/ كانون الأول 2025 نشر صور لستيف بانون برفقة جيفري إبستين بتغريدة قال فيها: “إن عودة بانون إلى السجن مسألة وقت فقط”، وذلك عبر منصته للتواصل الاجتماعي.
غير أن دونالد ترامب يسعى إلى الحفاظ على السلام داخل هذا التحالف المتناحر، ويبدو أنه يُكنّ قدراً من الود لأصحاب رؤوس الأموال. وهو ليس وحده في ذلك؛ ففي مارس/ آذار، ألقى نائب الرئيس جي. دي. فانس كلمة في قمة “الديناميكية الأمريكية” التي ترعاها شركة رأس المال المغامر “أندريسن هورويتز”. وقد عرّف نفسه بأنه “عضو فخور” في كل من التحالف التكنولوجي المتفائل واليمين الشعبوي ضمن تحالف ترامب، مؤكدًا أن هذا التحالف ليس سطحيًا ولا مؤقتًا، وقال فانس: “الفكرة القائلة إن أنصار التكنولوجيا والشعبويين سيصلون حتمًا إلى صدام هي فكرة خاطئة”.
ويرى كثير من المراقبين أن هذه العلاقة أقرب إلى صفقة تبادلية؛ فالمساهمة في حفل تنصيب ترامب كانت وسيلة لشركات التكنولوجيا العملاقة – مثل “غوغل” و”أمازون” و”ميتا”، وكذلك لعدد من كبار التنفيذيين في وادي السيليكون من بينهم سام ألتمان والرئيس التنفيذي لـ”أوبر” دارا خسروشاهي – للحصول على دعم في مواجهة الدعاوى القضائية التي رفعتها وزارة العدل والتحقيقات التي أجرتها لجنة التجارة الفيدرالية بشأن قضايا الاحتكار.
وينطبق الأمر نفسه على الشخصيات التي انضمت إلى الإدارة؛ حيث تعد شركة “سبيس إكس” التابعة لإيلون ماسك من أكبر المستفيدين من التمويل الحكومي الأمريكي، إذ حصلت شركات ماسك المختلفة حتى فبراير/ شباط 2025 على ما لا يقل عن 38 مليار دولار من العقود الحكومية والدعم والقروض والاعفاءات الضريبية. أما ديفيد ساكس، المسؤول عن ملف العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، فقد باع استثماراته الشخصية في العملات الرقمية قبل توليه المنصب، لكن شركة رأس المال الاستثماري التي لا يزال شريكًا فيها تواصل الاستثمار بكثافة في شركات مرتبطة بالعملات المشفرة. وفيما يتعلق بوزير التجارة هوارد لوتنيك، فإن شركته السابقة “كانتور فيتزجيرالد” (التي يديرها الآن أبناؤه) تحتفظ بروابط وثيقة مع شركة “تيذر”، وهي شركة التكنولوجيا المالية/ العملات المشفرة التي تخضع حاليًا لتحقيقات من وزارة الخزانة ووزارة العدل بشأن احتمال انتهاكها قوانين التمويل.
إن الاستخفاف بمثل هذه الصراعات باعتبارها مجرد تجميع مشوّه وعديم المعنى من الفضائح – ونتاج علاقة غير شرعية بين فضيحتي “تيبوت دوم” و”ووترغيت” – سيكون خطأً فادحًا. فنحن لا نشهد مجرد حلقات متفرقة من صفقات داخلية مثيرة للقلق والفساد، بل نرى النظام القديم وهو يحتضر فيما تبرز حقائق جديدة مقلقة ولكنها أيضًا ديناميكية. وتكافح قوى العرف والقانون لمقاومة شغف وسلطة جيل كامل من قادة الأعمال والسياسة. لقد شهد “العصر الذهبي” اندلاع الفضائح والفساد الذي رافق، بل وسهّل، تحوّل الاقتصاد الأمريكي إلى جانب التغيرات التكنولوجية الهائلة. أما واشنطن في عهد دونالد ترامب فتبدو وكأنها “العصر الذهبي” ولكن على جرعات مضاعفة.
منذ تأسيسها، كانت الولايات المتحدة أكثر انفتاحًا من أي دولة كبيرة أخرى على النشاط المكثف، التنافسي أحيانًا والتعاوني أحيانًا أخرى، لاثنين من أقوى القوى في العالم الحديث. إحداهما هي القوة المضطربة، الصاخبة، والفظة والفوضوية في كثير من الأحيان، ولكنها في النهاية لا تقاوم، والتي أطلق عليها ألكسيس دي توكفيل اسم الديمقراطية. والأخرى هي الرأسمالية، أعظم محرك للتحول الاجتماعي الثوري شهده العالم على الإطلاق.
الديمقراطية نمرٌ وليست قطة أليفة؛ حيث إن المزج المنظم والتدريجي والمؤسسي للغاية بين السياسة الانتخابية والدول الإدارية المستقرة، الذي هيمن على السياسة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة خلال نصف القرن الماضي، لا يكاد يشبه هذه القوة الفظة والثورية؛ حيث تنبثق الديمقراطية من مطلبٍ الناس العاديين الذي لا يمكن إرضاؤه ولا يمكن السيطرة عليه، وهو إدارة حياتهم ومؤسساتهم بأنفسهم بعيداً عن رقابة الملوك والنبلاء والمستعمرين، أو حتى النخب الأكاديمية المتعلمة التي تستند في وصفاتها السياسية إلى أحدث الدراسات العلمية التي خضعت للمراجعة.
إن تقدم الديمقراطية – الذي يُصنّف أحيانًا كقوة يسارية (مثل الحركات المناهضة للاستعمار، والمطالب النسوية بحرية المرأة في تشكيل حياتها بعيدًا عن هيمنة الهرميات الذكورية، والحركات العمالية في المجتمعات الصناعية، ومطالب الشعوب الأصلية والأقليات العرقية والإثنية بحق تقرير مصيرها بطريقتها الخاصة)، وأحيانًا يُرمّز كقوة يمينية (مثل الشعبوية الأوروبية المعاصرة، وحركة “ماغا”، والنزعة القومية، وسياسات الهوية الأكثريّة) – هو تقدّم لا يمكن إيقافه بقدر ما هو إشكالي. وقد كان المجتمع الأمريكي تاريخيًا أكثر انفتاحًا على هذه القوة، منحها تعبيرًا مبكرًا وأوسع مما فعلت معظم المجتمعات الكبرى الأخرى حول العالم.
أما الرأسمالية فهي القوة الأخرى التي تعيد تشكيل العالم بلا توقف؛ فهي تملك القدرة على دفع الاكتشاف العلمي والتقدم التكنولوجي، والتغلب على خصومها أو إزاحتهم، وفرض شروطها على هياكل السلطة والثروة الداخلية والعالمية. ومن يتقن ديناميكياتها، ويتكيف مع متطلباتها، ويستخرج مواردها، يكتسب القوة داخل مجتمعه. أما المجتمعات التي تستطيع التقدم إلى حدود القوة الإنتاجية التي تطلقها الرأسمالية مع الحفاظ على تماسكها وحيويتها، فهي التي تتصدر السباق نحو المكانة والسلطة الدولية.
واللافت في التاريخ الأمريكي ليس أن الشعبوية والرأسمالية تتصادمان في بعض الأحيان، بل مدى قدرتهما على العمل معًا، فقد كانت قدرة أمريكا على الحفاظ على الدعم الشعبي للتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المزعزعة – التغييرات التي جعلت البلاد في النهاية أكثر ثراءً وقوة – كانت عاملاً حاسمًا في استقرارها السياسي طويل الأمد. كما كانت الأساس الذي لا غنى عنه لصعود أمريكا إلى قمة النظام العالمي واستمرارها هناك لوقت طويل.
وتتمثل المهمة المميزة لفن الحكم في العالم الحديث فهي منح الرأسمالية الحرية لتتطور وتشتد، مع تلبية التطلعات الديمقراطية للناس العاديين في الوقت نفسه. وفي التطبيق العملي، يعني ذلك أن مكاسب الإنتاجية والثروة التي تولّدها الرأسمالية يجب أن تُسخّر بطريقة تمنح الناس مزيدًا من الوكالة في حياتهم، وتحافظ على نسيج المعنى الذي يوحّد السكان في شعورٍ بالمجتمع والمصير المشترك.
إن التوليفة المثمرة بين المتطلبات السياسية لمجتمع يزداد شعبوية والمنطق القاسي أحياناً للتطور الرأسمالي المتسارع على نحو دائم تُعد أمرًا نادرًا وثمينًا. ففي الولايات المتحدة، شكّل التفاعل – الذي يتسم أحيانًا بالتنافس وأحيانًا بالتعاون – بين التقليد السياسي المؤيد للشركات والمؤيد للأعمال الذي يعود إلى ألكسندر هاملتون، وبين النزعة الشعبوية المرتبطة بأندرو جاكسون، المسار الذي حدد طبيعة التوافق المستمر بين هاتين القوتين العملاقتين. وقد آمن “الهاملتونيون” منذ زمن طويل بأن الأمن الدولي لأمريكا، وازدهارها الاقتصادي، واستقرارها الداخلي، يعتمد على علاقة بنّاءة بين دولة صديقة للمشاريع وقطاع خاص ديناميكي. فالهاميلتونيون هم من “دعاة التسريع”، ويرون في الرأسمالية مصدر الثروة والتفوق التكنولوجي الذي يدعم الانسجام الأمريكي في الداخل والقوة في الخارج.
أما الشعبويون “الجاكسونيون”، فيعتقدون أن مصادر عظمة أمريكا الوطنية تكمن في الغرائز السياسية والثقافية للشعب العادي، وأن الهدف الرئيس للسياسة الوطنية، داخليًا وخارجيًا، يجب أن يكون حماية الشعب من التهديدات الخارجية، وتعزيز ازدهاره، وحماية حريته. والكثير من التغيرات التي تجلبها الرأسمالية، بما في ذلك تدمير الصناعات القديمة وصعود الهجرة الجماعية، غير مرحّب بها على الإطلاق لدى الروح الجاكسونية. ومع ذلك، وعلى خلاف الشعبويين في دول أخرى الذين ينظرون إلى الأعمال التجارية والتغير التكنولوجي بعين الريبة الدائمة، يرى الجاكسونيون الأمريكيون أن ريادة الأعمال والقيادة التكنولوجية عناصر أساسية في الإرث الثقافي الذي يسعون إلى الدفاع عنه.
وإلى الحد الذي يمكن فيه الحديث عن “الاستثنائية الأمريكية” كظاهرة تاريخية لا كطموح مثالي أو أسطرة للتجربة التاريخية، فإن جذورها تكمن هنا. فالإحساس بالتقدم والتغيير المتجذر في قلب التقليد الشعبوي الأمريكي يجعل التوصل إلى تسوية مثمرة بين متطلبات الديمقراطية وضرورات الرأسمالية أسهل على الأمريكيين مما هو عليه الحال بالنسبة لشعوب كثيرة أخرى.
لقد عبّرت حملة أندرو جاكسون ضد “البنك الثاني للولايات المتحدة”، على سبيل المثال، عن استياء شعبوي من النظام المصرفي الشرقي لدى الولايات الغربية والجنوبية. لكن ما كانوا يستاؤون منه لم يكن أن بنك نيكولاس بيدل كان رأسماليًا، بل أن البنية المالية التي دعمها البنك وضعت عقبات أمام التنمية الاقتصادية السريعة في المناطق الحدودية المتعطشة للمال. وبلغة عصرنا، كانوا يريدون تحرير التمويل من القيود. ورغم أن البرنامج الجاكسوني ساهم في حدوث كساد ضخم، فإن نية الجاكسونيين كانت تسريع الرأسمالية عبر ديمقراطيتها، لا ترويضها بإخضاعها للتخطيط الحكومي.
ومنذ خمسينيات القرن التاسع عشر، اعتمدت صحة الحزب الجمهوري إلى حد كبير على قدرته في بناء جسور بين أجندات المستثمرين الأثرياء ورجال الأعمال وكبار الشركات من جهة، وبين الشعبويين الساخطين والناقمين من جهة أخرى. فقد أقر الكونغرس الجمهوري “قانون الهومستيد” خلال الحرب الأهلية، مانحًا الأراضي العامة مجانًا تقريبًا للمزارعين، في الوقت الذي دعم فيه شركات السكك الحديدية والتعدين والبنوك والمؤسسات الصناعية التي جعلت الولايات المتحدة أغنى وأقوى دولة في العالم.
وقد اتبع رؤساء من كلا الحزبين هذه الصيغة؛ فبطريقتين مختلفتين تمامًا، شكّل كل من الجمهوري ثيودور روزفلت وابن عمه الديمقراطي البعيد فرانكلين د. روزفلت تحالفات ضمّت الشعبويين والمصالح التجارية لإعادة تشكيل المؤسسات الأمربكية في عصرهما.
ويجب النظر إلى دونالد ترامب وتحالفه الغريب الذي يجمع بين أباطرة التكنولوجيا والشعبويين المتمرّدين، فيجب النظر إليهم في سياق هذا التاريخ. فاليوم، يدعو إيلون ماسك وزملاؤه من عمالقة التكنولوجيا إلى السياسات التي يرون أنها ضرورية لجعل الولايات المتحدة قوية في الخارج وغنية في الداخل. بينما يمثل ستيف بانون وحلفاؤه الشعبويون حالة السخط الجاكسوني المعاصر، إذ يقاتلون ما يعتبرونه امتيازًا اقتصاديًا واجتماعيًا غير مشروع للنخب الساحلية المترابطة جيدًا.
كان تشكيل هذا التحالف المتناحر عاملاً أساسيًا في عودة ترامب إلى السلطة، ويعتمد مصير ولايته الثانية على قدرته في الحفاظ على تماسكه. وقد يفشل في ذلك؛ فالتضخم والبطالة قد يضعفان قبضته على الرأي العام، وقد تنفجر التوترات داخل التحالف، أو يُصاغ برنامجه بطريقة جذرية للغاية أو تنفذ بشكل فوضوي لدرجة أن الشعب يرفضه. وقد يتفكك هذا التحالف بسبب الصراعات الداخلية حول الخلافة، أو قد يتمرد الحلفاء الدوليون، وقد يجد الخصوم المحليون وسائل أكثر جاذبية للتعامل مع الأزمة، كما أن رائحة الفساد قد تصبح طاغية إلى حد يدفع الناخبين الساخطين إلى رفض المشروع برمته.
ولكن، مهما كان مصير إدارة ترامب، فإن اليسار واليمين على حد سواء، من بروكلين إلى بويزي، يختبران حدود التوافق المدني. فثورة المعلومات المتسارعة تعيد تشكيل المشهد المؤسسي الأمريكي، وتفتح آفاقًا جديدة للاكتشاف العلمي، وتهدد ملايين الوظائف، وتثير أسئلة حول مستقبل الإنسانية في عصر الآلات الذكية. وحتى بعد أن يرحل ترامب إلى حكمه الأخير، ستظل الاضطرابات التي أوصلته إلى السلطة السمة المميزة لعصرنا.
ويُعد تخلّي دونالد ترامب عن المبادئ الجمهورية الراسخة منذ زمن طويل في ما يتعلق بالتجارة ودور الدولة من أبرز إنجازاته اللافتة. فقد كانت سياسة تحرير التجارة وإلغاء القيود عن الاقتصاد الوطني محورًا أساسيًا في السياسات الجمهورية منذ عهد رونالد ريغان وحتى حملة ميت رومني عام 2012، ولكن لم يعد الأمر كذلك اليوم.
ورغم أن انقلاب ترامب على هذا التوجه القديم قد نفّر بعض قادة الأعمال، فإنه حصل على دعم أكبر من قطاع الأعمال في عام 2024 مقارنة بما ناله في 2016. ولا ينبغي أن يكون هذا مفاجئًا؛ فالعصور التي تشهد تغيرات ضخمة مدفوعة بالتكنولوجيا كثيرًا ما تجلب معها صراعات داخل عالم الأعمال حول السياسات الاقتصادية.
أما الشخصية التاريخية التي أسهمت أكثر من غيرها في تطوير تقاليد الحكومة الأمريكية المؤيدة للأعمال وترسيخ ذلك في بنية الدولة الأمريكية، فهي ألكسندر هاملتون. فقد تبنّى أفكاره أولاً “الفيدراليون”، ثم “الويغ”، وأخيرًا “الجمهوريون”.
وكان الفيدراليون والويغز يميلون إلى دعم التعريفات الجمركية، جزئياً لأسباب حمائية وجزئياً لتوليد الإيرادات لبناء البنية التحتية المحلية. وواصل الجمهوريون هذا التقليد المتمثل في فرض تعريفات جمركية عالية حتى الثلاثينيات. وتضمن تقليد هاميلتون في الحزب الجمهوري أيضاً دعماً أكبر للحكومة الكبيرة أكثر مما كان حزب ريغان مستعداً للاعتراف به.
وكان هاملتون، طوال مسيرته التي انتهت بشكل مأساوي قبل أوانها، منشغلاً بالعلاقة بين الديمقراطية والسلطة والثروة. ونظرًا للطبيعة الصاخبة للشعب الأمريكي، لم يرَ وسيلة لبناء دولة أمريكية مستقرة من دون الاستجابة لمطلب الحكم الذاتي الشعبي. ومع ذلك، وكما كان واضحًا لكل من درس التاريخ، فإن الحكم الديمقراطي له عثراته؛ إذ يمكن للديماغوجيين استغلال عواطف الجماهير وجهلهم، وكان الفساد المستشري دائمًا قريب المنال.
واعتمد المؤسسون على نظام الضوابط والتوازنات لمواجهة هذه المخاطر. لكن هاملتون ركّز على تهديد آخر وحلّ من نوع مختلف؛ فقد وضع الرأسمالية والتطور التكنولوجي في صميم تفكيره بشأن مستقبل الجمهورية الأمريكية. وكان يؤمن بأن التطور الرأسمالي ضروري للقوة الوطنية والوحدة، وأن الازدهار الداخلي سيعزز الحكومة الفيدرالية ويضفي عليها الشرعية، فيما ستشكّل القوة الاقتصادية الأمريكية أساسًا للقوة العسكرية التي يمكن أن تحافظ على أمن البلاد.
إن التغيير هو النتيجة الطبيعية والحتمية لنجاح “الهاميلتونيين”؛ فالرأسمالية التي يروّجون لها تغيّر الاقتصاد، ويجب عليهم إعادة تعريف أجندتهم باستمرار لمواكبة الظروف الجديدة. فقد دعم “الهاميلتونيون” بناء قناتي “إيري” و”تشيسابيك وأوهايو” في السنوات الأولى للجمهورية، ثم تحوّلوا إلى السكك الحديدية، وفي النهاية إلى الطرق السريعة بين الولايات والمطارات. وكل واحدة من هذه التقنيات تطلبت مؤسسات جديدة، وأطر قانونية، وحوافز مالية مبتكرة؛ أما إدارة نتائجها فقد استلزمت، من بين أمور أخرى، تطوير الدولة الإدارية التي يندد بها كثير من المحافظين اليوم.
هذا التغير المستمر والمتسارع بمرور الوقت في طبيعة الاقتصاد هو ما يدفع إلى تغييرات متواصلة في تعريف السياسة المؤيدة للأعمال التجارية في الولايات المتحدة. فما كان مناسبًا للسكك الحديدية لم يكن مناسبًا للقنوات، وما كان ملائمًا لإنتاج القطن القائم على العبودية لم يكن ملائمًا لنظام العمل الحر الصناعي. أما الاقتصاد المنظم بشدة بعد الحرب العالمية الثانية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي فكان جيداً للاحتكارات مثل “إي تي & تي”، لكن شركات الاتصالات الناشئة وتكنولوجيا المعلومات كانت بحاجة إلى تحرير من القيود لتصل إلى إمكاناتها في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين.
وكان الأمر نفسه ينطبق على السياسة التجارية؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، تغيّر حساب “هاميلتون” بشأن الرسوم الجمركية؛ إذ وفّر ضريبة الدخل الفيدرالية قاعدة مالية أكبر بكثير لمشروعات مثل نظام الطرق السريعة بين الولايات الذي أطلقه دوايت أيزنهاور، مقارنة بما يمكن أن توفره الرسوم الجمركية. وفي الوقت ذاته، كانت الشركات الأمريكية المموّلة جيدًا والمدارة باحترافية والمتقدمة تكنولوجيًا تهيمن على العالم. ومع تعافي أوروبا الغربية واليابان من الحرب، أصبحت الشركات الأمريكية أكثر اهتمامًا بالوصول إلى هذه الأسواق المتنامية من اهتمامها بمنع مصدّريها من المنافسة في السوق الأمريكية. كما أن أهمية التكامل الاقتصادي في بناء تحالف قوي خلال الحرب الباردة لكبح انتشار النفوذ السوفياتي كانت جزءًا أساسيًا من هذا الحساب.
ومع نهاية الحرب الباردة، أولى جيل من صانعي السياسات “الهاميلتونيين” أولوية أكبر للتجارة الحرة. وبفضل التقدم الثوري في الاتصالات والحواسيب والشحن، خفّضت الشركات متعددة الجنسيات تكاليفها بشكل كبير ووسّعت أسواقها عبر تطوير سلاسل توريد وتوزيع عالمية. وقد تبنّت الشركات الأمريكية فكرة اقتصاد عالمي سلس تتحرك فيه المعلومات والسلع ورؤوس الأموال حول العالم بأقل قدر من الاحتكاك.
واليوم، ومع تحوّل المجتمع الأمريكي بفعل ثورة المعلومات، يبرز نوع جديد من الأجندة المؤيدة للأعمال التجارية. فزعماء وادي السيليكون لا يكتفون بالتقارب مع ترامب، بل يقترحون أيضًا رؤية جديدة للمصلحة الوطنية. ويشترك “الهاميلتونيون التكنولوجيون” مع أسلافهم في الاعتقاد بأن السياسة الاقتصادية والاستقرار السياسي والأمن القومي مترابطة بعمق، لكنهم يقترحون السعي وراء هذه الأهداف التقليدية بطرق جديدة وجذرية.
ومع تغيّر تعريف السياسات المؤيدة للأعمال التجارية، لا بد أن يتغيّر أيضًا ارتباط ذلك البرنامج بالسياسات الشعبوية. فأباطرة التكنولوجيا الذين التفّوا حول ترامب يرون قدرًا كافيًا من التداخل بين الشعبوية المتمثلة في حركة “اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً” وبين أجندتهم الناشئة المسماة “الهاملتونية التكنولوجية” في القضايا الاقتصادية وقضايا الحرب الثقافية، بما يكفي لبناء، كما يأملون، تحالف دائم.
وكانت الشركات متعددة الجنسيات والمثقفون والساسة المرتبطون بها هم من صاغوا الأجندة الهاملتونية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وذلك عبر تبنّي نهج التجارة الحرة والسوق الحرة والضرائب المنخفضة والقوانين التنظيمية الميسرة، الذي يُطلق عليه غالبًا “النيوليبرالية”. وقد رأوا أن القيادة الأميركية ترتكز بأمان أكبر إلى شبكة عميقة من التحالفات والمؤسسات متعددة الأطراف، وركّزوا اهتمامهم بشكل أساسي على العلاقة عبر الأطلسي مع حلفاء أميركا في أوروبا. وفي السياسة الداخلية، وجد الهاملتونيون النيوليبراليون شركاءهم الأكثر موثوقية بين المثاليين الويلسونيين الساعين لبناء النظام، وعلى مدى 25 عامًا حاول هذا التحالف أن يبني ما أطلقوا عليه “النظام الليبرالي” أو “النظام القائم على القواعد”، الذي يرفع شعار حقوق الإنسان، وثقافة نخبوية عالمية ما بعد قومية، وبيئة عالمية سلسة لحركة السلع ورؤوس الأموال.
وعلى الرغم من أن “الهاملتونيين التكنولوجيين” اليوم ما زالوا يتبنون بعض عناصر تلك الأجندة، ولا سيما تفضيل الضرائب المنخفضة والقوانين التنظيمية الميسرة، فإنهم يرفضون معظم ذلك النهج؛ فهم قوميون أكثر من كونهم دعاة للعالمية، ولا يرون الاتحاد الأوروبي شريك أميركا المفضل في الخارج، ويركّزون على المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية مع الصين. وعلى الصعيد المحلي، يعتبرون الشعبويين “الجاكسونيين”، لا المثاليين “الويلسونيين”، هم حلفاءهم الأهم. وبينما كان المديرون التنفيذيون في قطاعات التصنيع والتجزئة والمصارف الذين قادوا كبرى الشركات الأميركية في حقبة ما بعد الحرب الباردة يرون أنفسهم مدراء علميين، فإن “الهاملتونيين التكنولوجيين”- وهم غالبًا مؤسسو شركات تكنولوجيا متقدمة ناجحون للغاية – يرون أنفسهم أصحاب رؤى وقادة، لذلك فهم غير معتادين على الانصياع للأساتذة والباحثين في مراكز التفكير وكتّاب المقالات النظرية في السياسات العامة.
ورغم وجود اختلافات بين قادة عالم التكنولوجيا الهاميلتونية، فإن ما دفع الكثيرين منهم إلى الانضمام إلى حركة ترامب هو رؤية مشتركة للتحديات التي تواجه الولايات المتحدة؛ فهم يعتقدون أن الثورة المعلوماتية، التي عززها بشكل كبير صعود الذكاء الاصطناعي، ستقلب الحياة والسياسة الأميركية على نطاق واسع، ويرون الولايات المتحدة والصين في طليعة هذه الثورة، تتسابقان لتطوير التكنولوجيا وتوظيف قوتهما الإنتاجية، ويعتقدون أن قدرة الحزب الشيوعي الصيني على توجيه موارد هائلة نحو مجالات مختارة من العمل، وفرض تغييرات ضخمة على مجتمعه، تمنحه مزايا سيكون من الصعب على الولايات المتحدة التغلب عليها.
ويرى “الهاملتونيون التكنولوجيون” أن المشاكل السياسية تعتبر أهم مشاكل أمريكا؛ فعلى المدى القصير، ستؤدي الأتمتة المدفوعة بالتكنولوجيا إلى تقليص الوظائف اليدوية وكذلك الوظائف الإدارية في البيروقراطيات الحكومية والشركات الخاصة. وفي الوقت نفسه، ستواصل وسائل التواصل الاجتماعي تقويض الأحزاب السياسية والأيديولوجيات، مما قد يؤدي إلى تنامى الدعم السياسي للوائح التنظيمية الخانقة مع تزايد الاضطراب.
ويرى “الهاملتونيون التكنولوجيون” أوروبا كنموذج تحذيري. ففي عام 2024، أقرت الهيئات التنظيمية الأوروبية، مدفوعة جزئيًا بقلق الناخبين من المعلومات المضللة على الإنترنت والاستقطاب الذي أججته وسائل التواصل الاجتماعي، الإطار التنظيمي الأكثر شمولًا في العالم للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية. وحذّرت صناعة التكنولوجيا حينها من أن هذه اللوائح التنظيمية الجديدة ستدفع الشركات إلى الهجرة إلى الخارج، مما سيسرع الانسحاب الجماعي لرؤوس الأموال من قطاع التكنولوجيا والشركات الناشئة الذي يعاني بالفعل من الركود.
لقد كانت العواقب الاقتصادية والجيوسياسية لرهاب التكنولوجيا الأوروبي وخيمة، سواء بين النخب أو بين عامة الناس؛ فبين عامي 1990 و2023، انخفضت حصة الاتحاد الأوروبي من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 23.8 بالمائة إلى 14.6 بالمائة. ومن المتوقع أن يصبح الناتج المحلي الإجمالي للهند أكبر من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بأكمله خلال السنوات الاثنتي عشرة المقبلة. وفي 16 يناير/ كانون الثاني 2026، كانت 33 شركة أميركية وأربع شركات أوروبية فقط من بين أكبر خمسين شركة تكنولوجيا مدرجة في البورصة في العالم من حيث القيمة السوقية. علاوة على ذلك، كانت هناك خمس شركات فقط من دول الاتحاد الأوروبي من بين 65 شركة ناشئة حول العالم تبلغ قيمتها ما لا يقل عن 10 مليارات دولار، بينما كانت هناك 44 شركة أميركية و10 شركات صينية.
وتعد المهمة السياسية المركزية لأولئك الذين يرون أن التطور السريع للقدرات التكنولوجية أمرًا بالغ الأهمية لمستقبل الولايات المتحدة (ولثروتهم ورفاههم الشخصي) هي تهيئة بيئة مواتية للثورة التكنولوجية حتى مع اتساع نطاق عواقبها المدمرة وزيادة وطأتها المؤلمة. لقد شعر عدد كبير من أباطرة التكنولوجيا أن الحزب الديمقراطي عديم الجدوى في هذا الصدد، وبغض النظر عن تعاطفاتهم مع بعض قيمه، فإن “الهاملتونيين التكنولوجيين” يرون الحزب الديمقراطي مرتبطًا بقاعدته الانتخابية – الآليات السياسية في المدن الكبرى، والبيروقراطيون بمختلف أصنافهم، والأكاديميون المحافظون، ونقابات العمال في القطاع العام، والمجمّع الصناعي للمنظمات غير الحكومية – التي تعتمد على النظام القديم وستقاوم التغييرات التي تحتاجها أمريكا بشدة.
غير أن أجندة الهاملتونيين النيوليبراليين التقليدية التي تتبناها المؤسسة الجمهورية التقليدية لن تصلح أيضًا، فالتقدير الأساسي للرأسمالية، والتفاؤل التكنولوجي، والقوة الأميركية في صميم الأجندة الجمهورية القديمة تبقى قِيمًا مهمة، لكن الأيديولوجيا المناهضة للشعبوية والنيوليبرالية لدى الجمهوريين المناهضين لترامب تجعلهم، في نظر “الهاملتونيين التكنولوجيين”، دون أهمية سياسية؛ فالجمهوريون المناهضون لترامب لا يملكون ببساطة الوزن السياسي اللازم للمضي قدمًا في أجندة تحوّلية. وربما يكون الأسوأ من ذلك أن القيادة في أوقات الاضطراب تتطلب قدرًا من المسرحية والإبداع الارتجالي الذي يفتقر إليه السياسيون الجمهوريون التقليديون عادةً.
ما يراه “الهاملتونيون التكنولوجيون” ولا يراه “الهاملتونيون” التقليديون هو إمكانية تشكيل تحالف مع الشعبوية المتمثلة في حركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً”، وطريقة للعمل بفعالية مع دونالد ترامب. فغضب حركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً” ضد الطبقة المتعالية من خبراء الطبقة الوسطى العليا يمكن أن يوفر دعمًا سياسيًا للاضطراب والتدمير الشامل الذي يعتقد “الهاملتونيون التكنولوجيون” أن كثيرًا من البيروقراطيات تحتاج إليه، كما أنها تحتاج للتغييرات الثورية في الرعاية الصحية والتعليم التي يعتقدون أن التكنولوجيا الجديدة ستسهلها وستجعلها ضرورية أيضاً. وبينما يلوح اضطراب آخر في سوق العمل يحركه العمال ذوي الحرف اليدوية، يشعر “الهاملتونيين التكنولوجيين” بالراحة تجاه إستراتيجيات التعامل مع سخط العمال التي لم يكن الجمهوريون التقليديون ليقبلوا بها أبداً.
وتبرز التجارة الحرة باعتبارها نقطة الاختلاف الأكثر وضوحًا. فمن الناحية النظرية، تبقى مزايا التجارة الحرة عظيمة كما كانت دائمًا، لكن بما أن شركات التكنولوجيا لا تستورد أو تصدّر الكثير من السلع الصناعية أو المواد الخام، فإن التجارة الحرة في السلع من الناحية العملية تعد أقل أهمية بالنسبة لشركات مثل “ميتا” مقارنة بشركات مثل “وولمارت” أو “جنرال موتورز”. وحتى أباطرة التكنولوجيا الذين يعترفون بالحجج الفكرية المؤيدة للتجارة الحرة يرون الآن أنه لا بد من قدر من الحمائية لحماية لخطوط الإمداد الأساسية والحفاظ على بعض القدرات التصنيعية داخل الولايات المتحدة.
وبالمثل، فإن الهجرة قضية حاسمة للغاية بالنسبة للجمهوريين المؤيدين للأعمال التجارية التقليدية، بينما يعتبرها “الهاملتونيون التكنولوجيون” قضية يمكن التراجع فيها. فإذا كنت تعتقد، كما يعتقد معظم دارسي الثورة التكنولوجية، أن التكنولوجيا ستحل على المدى القصير محل وظائف العمال، فمن غير المرجح أن ترى أن الهجرة واسعة النطاق للعمالة منخفضة المهارة ضرورة اقتصادية حيوية. وبينما يرغب أباطرة التكنولوجيا في الحصول على أكبر عدد ممكن من تأشيرات العمال المهرة في التكنولوجيا، إلا أنهم يوازنون ذلك الهدف مع أهمية الحفاظ على تماسك تحالفهم السياسي بشكل معقول. قد تناضل شركات البناء، وسلاسل مطاعم الوجبات السريعة، وتجار التجزئة، وغيرهم ممن تعتمد أعمالهم على وفرة العمالة منخفضة الأجر من أجل الهجرة الجماعية. لكن “الهاملتونيين التكنولوجيين” يرون الأمور بشكل مختلف، وهم منفتحون على تقليص الهجرة إذا كان ذلك سيخفف من سخط العمال ذوي الحرف اليدوية.
لا تتسبب النقابات العمالية القوية في القطاع الخاص أيضًا بنفس المشكلات لشركات التكنولوجيا ذات القوى العاملة الصغيرة والمحترفة والتي تتلقى أجورًا جبدة المهنية، كما تفعل بالنسبة للشركات الكبرى في التصنيع والتجزئة. وإذا أدّى الجمع بين الحمائية وتقييد الهجرة إلى نقص اليد العمالة ورفع الأجور، فمن المرجح أن تستفيد شركات التكنولوجيا من ذلك. فمع ارتفاع الأجور، ستنفق الشركات المزيد من الأموال على الأتمتة، مما سيوجه السوق الأميركية المحلية إلى كل ما ينتجه عالم التكنولوجيا. إن الأجندة الاقتصادية الشعبوية تبدو وكأنها هجوم على كل ما هو مقدّس بالنسبة للجيل السابق من الجمهوريين المؤسسيين، لكنها لا تبدو معادية للأعمال التجارية بالنسبة لعالم التكنولوجيا.
ويجد رواد الثورة التكنولوجية سهولة في التكيّف مع تفضيلات وأولويات حركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً” في القضايا الثقافية أيضًا. فعلى الرغم من الآراء الليبرالية لدى عدد كبير من موظفي القطاع التكنولوجي، إلا أن العديد من شركات وادي السيليكون حريصة على التخلّص من بيروقراطيات التنوع والإنصاف والشمول والانسحاب من “حروب الضمائر”. وقد تشعر شركة تكنولوجية تعتمد على الملكية الفكرية وتقاتل منافسين صينيين بالسعادة لرؤية قيمة كالوطنية متأصلة لدى موظفيها. وقد سئم العديد من المديرين التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا مما اعتبروه تمرداً من الموظفين “المستيقظين” الذين يعارضون التعاون مع وزارة الدفاع أو غيرها من مؤسسات الحكومة الأميركية.
قد يرى “الهاملتونيون التكنولوجيون” أن أعظم فرصة للتعاون مع الشعبويين في حركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا” تكمن عند تقاطع الثقافة والطبقة الاجتماعية. فالذكاء الاصطناعي والتقنيات المرتبطة به يعدان بتقليص حجم البيروقراطيات من جميع الأنواع بشكل جذري، وزعزعة القطاعات الاقتصادية مرتفعة التكلفة مثل التعليم العالي، وإعادة هيكلة تقديم الخدمات عالية القيمة مثل الرعاية الصحية. ومن المؤكد أن أولئك الذين يستفيدون من الوضع القائم، والذين ترتبط هوياتهم ومصالحهم بالرواتب العالية والوظائف ذات المكانة الرفيعة سيخوضون مقاومة ماهرة وحازمة وطويلة الأمد، وربما تكون تلك المعارضة هي العقبة الرئيسية في طريق الأهداف الاقتصادية لصناعة التكنولوجيا والاستراتيجية الوطنية التي يعتقدون أنها ضرورية. لكن التغلب على تلك المقاومة يصب أيضاً في المصلحة الاقتصادية والاجتماعية لعشرات الملايين من الأميركيين الذين يعتمدون على الخدمات مرتفعة التكلفة التي يقدّمها المحامون والبيروقراطيون والأساتذة والأطباء وغيرهم من المهنيين ذوي التدريب العالي والأجور المرتفعة.
لقد وفّر هجوم وزارة الكفاءة الحكومية على البيروقراطية الفيدرالية في بداية الولاية الثانية لترامب لمحة مبكرة عن مستقبل الإصلاح السريع والتقليص الجذري للبيروقراطيات العامة الراسخة والمتجذّرة. أما الهجوم الأكثر جوهرية على الوكالات المستقلة، الذي يجري حاليًا عبر المحاكم، فيؤكد أهمية الهجوم على البيروقراطية بالنسبة لحركة ترامب. وقد يسهل النظر إلى الأخطاء والارتباك والقسوة العرضية والزلات التي ارتكبها عناصر وزارة الكفاءة الحكومية المراهقون – وهم يصلحون وكالات لا يفهمون دائمًا تاريخها أو وظيفتها أو موقعها القانوني – واعتبار المشروع بأكمله عبثيًا.
لكن هذا سيكون خطأً جسيمًا، فالمعارضة الأيديولوجية لبعض القرارات أو اللوائح البيروقراطية ليست هي فقط ما يقود هجوم “الهاملتونيين التكنولوجيين” على الدولة الإدارية. فمن وجهة نظر تكنولوجية، البيروقراطية شكل بدائي من الذكاء الاصطناعي؛ حيث يطبّق مهنيون بشريون يتقاضون أجوراً عالية الخوارزميات – أي القوانين واللوائح – على الحقائق. ويرى العديد من المتحمسين للتكنولوجيا أنه لا يوجد سبب يمنع الذكاء الاصطناعي من القيام بمعظم الأعمال التي تقوم بها هذه المنظمات البيروقراطية حاليًا. ومن المرجح أن تكون النسخ المعتمدة على الذكاء الاصطناعي من البيروقراطية أرخص وأسرع وأسهل في إعادة البرمجة عند تغيّر الظروف مقارنةً بنظيراتها البشرية.
ويتمتع أعضاء الطبقة البيروقراطية ذوي التعليم العالي بقدرة أكبر بكثير على إيصال صوتهم وإحساسهم بالألم إلى النظام السياسي مقارنة بالعمال الذين فقدوا وظائفهم في موجات التحديث السابقة، ووقد وجد “الهاملتونيون التكنولوجيون” حليفًا لا يقدر بثمن في حركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا” التي تحشد العمال الأمريكيين حول الاستياء العرقي الطبقي من النخبة لإحداث تغييرات كبيرة في مجال المهن الخدمية.
لا توجد أي أيديولوجية سياسية، مهما كانت متماسكة، ولا أي تحالف سياسي، مهما كان قويًا، قادر على تحقيق نصر كامل في السياسة الأمريكية. ولن يكون “الهاملتونيون التكنولوجيون”، الذين يقدمون برنامجًا طموحًا مع تحالف هش في عصر مضطرب، استثناءً من هذه القاعدة.
قد يتدهور تحالفهم مع دونالد ترامب على المدى القصير؛ فقد تتراجع شعبية ترامب ويصبح أصدقاؤه وحلفاؤه عرضة للانتقاد بسبب ارتباطهم بشخصية يفضل معظم سكان البلاد نسيانها. أو قد يدفع سعي ترامب وراء مصالحه السياسية إلى قطع علاقاته مع “الهاملتونيين التكنولوجيين” بنفس الحماس الذي احتضنهم به من قبل. ففي عصر ترامب، لا توجد تحالفات مستقرة.
أما على المدى الطويل، فإن علاقة “الهاملتونيين التكنولوجيين” بأفكار ومصالح مجتمع الأعمال الأوسع، ومدى الكفاءة والتماسك الذي يمكنهم إضفاؤه على تنفيذ أجندتهم، وقدرتهم على صياغة روابط عميقة وبنّاءة مع الشعبويين في حركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا” ستكون أكثر أهمية من علاقتهم بالرئيس الحالي.
إن “الهاملتونيين التكنولوجيين” هم صوت جزء واحد فقط من مجتمع الأعمال الأميركي، وإن كان ربما الأكثر ديناميكية والأسرع نموًا. لكن مجتمع الأعمال الأميركي لن يتحدث بصوت واحد في المستقبل المنظور؛ فالشركات متعددة الجنسيات التقليدية ستظل موجودة بيننا، وسيظل لشركات البناء والضيافة التي تعتمد على العمالة الرخيصة صوت مسموع. وإذا تبيّن أن جنون الذكاء الاصطناعي في وول ستريت مجرد فقاعة ستنفجر، وإذا فشل الذكاء الاصطناعي في الوفاء بالادعاءات الواسعة التي قُدمت باسمه، فقد يتغير ميزان القوى في عالم الأعمال بسرعة.
لقد كان صعود عالم التكنولوجيا إلى هيمنته الاقتصادية الحالية سريعَا بشكل مذهل. فحتى عام 2005، لم يكن هناك سوى ثماني شركات تكنولوجيا معلومات ضمن قائمة أكبر 100 شركة في تصنيف “فورتشن 500″، وحتى عام 2013 كانت شركة “إكسون موبيل” لا تزال الشركة الأكثر قيمة في العالم بين الشركات المتداولة علنًا. أما اليوم، فقد أصبحت أسهم التكنولوجيا قوة دافعة رئيسية داخل مؤشر ستاندرد آند بورز 500، حيث تمثل تسع شركات من بين أكبر 10 شركات من حيث القيمة السوقية فيه.
ويمثل أيضًا ما يُسمّى بـ”السبعة العظماء”- آبل، مايكروسوفت، أمازون، وألفابت، وميتا، وتسلا، وإنفيديا – نحو 35 بالمائة من مؤشر ستاندرد آند بورز 500، وهو ارتفاع مذهل مقارنة بحصتهم البالغة نحو 12 بالمائة عام 2015. وفي عام 2008، حين ظهر مارك زوكربيرغ لأول مرة في قائمة “فوربس” لأغنى الأشخاص، كان واحدًا من قلة قليلة من المليارديرات الأميركيين الذين جمعوا ثرواتهم أساسًا من التكنولوجيا. أما في عام 2025، فقد استمد تسعة من أصل أغنى عشرة رجال أعمال في البلاد ثرواتهم، التي تبلغ أكثر من 2.2 تريليون دولار، من شركات التكنولوجيا.
لكن لا يزال نحو 65 بالمائة من قيمة مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في شركات غير تكنولوجية. قد تكون أمازون واحدة من “السبعة العظماء”، لكن نموذج أعمالها يعتمد على الواردات الرخيصة، وعلى العمالة المهاجرة الرخيصة إلى أن تتمكن من أتمتة شبكتها التوزيعية بالكامل. ولا تزال العديد من الشركات، بما في ذلك بعض أهم البنوك في وول ستريت، ترى أن المنافسة مع الصين تكلفة يجب احتواؤها لا قضية يجب تبنيها. قد يهيمن “الهاملتونيون التكنولوجيون” على قطاع التكنولوجيا، لكن جزءًا كبيرًا من المؤسسة الجمهورية وعالم الأعمال الأميركي لا يزال مرتبطاً بالنموذج الأقدم من السياسات الهاملتونية، وترتبط قدرة “الهاملتونيين التكنولوجيين” على تعريف ما تبدو عليه السياسات المؤيدة للأعمال بمدى استمرار صناعة التكنولوجيا في إزاحة الشركات والقطاعات الأقدم.
ثم تأتي المشكلة المزعجة المتمثلة في التنفيذ؛ فمن السهل الاحتفاء بإمكانات الذكاء الاصطناعي في جعل البيروقراطيات أصغر حجمًا وأرخص تكلفة وأكثر فعالية، لكن تحقيق تلك الإمكانات مهمة تتطلب الكثير من الجهد العقلي. قد يجلب الذكاء الاصطناعي تقدمًا في الطب، أو يجعل القانون أقل تكلفة، لكن تحقيق أي من هذه الأمور على نطاق واسع أمر صعب، كما اكتشف عناصر وزارة الكفاءة الحكومية التابعون لإيلون ماسك في وقت مبكر من إدارة ترامب. سيقاوم أولئك الذين قد يُزاحون أو يُجرَّدون من مهاراتهم بفعل الموجة التكنولوجية المتقدمة في المكاتب عبر العدوانية السلبية، وفي الإعلام عبر تسريبات سامة تذاع في أسوأ توقيت، وفي المجالس التشريعية عبر القوة التصويتية للبيروقراطيين ونقابات المعلمين وغيرها من جماعات المصالح.
ويعاني أباطرة التكنولوجيا أيضًا من عيوب فضائلهم؛ فبعد أن بنوا شركات بمليارات الدولارات في سن مبكرة، غالبًا ما تدفعهم ثقتهم بأنفسهم إلى التقليل من تعقيدات السياسة العامة، وإساءة فهم الرأي العام، والمبالغة في تقدير قدرتهم على دفع تغييرات كبيرة بسرعة. ولكن وصول الثورة التكنولوجية إلى إمكاناتها الكاملة يحتاج من قوى الإصلاح والتجديد أن توفر مديرين يفهمون الآليات الداخلية لصناعات مثل نظام الرعاية الصحية الأمريكي المعقد للغاية.
ويعتمد تنفيذ الثورة التكنولوجية في مؤسسة أو دائرة معينة عادة إما على غرباء لا يعرفون كيف تسير الأمور ويحدثون التغييرات السلبية أكثر من التغييرات الإيجابية، أو على أسرى لطرق التفكير القديمة والشبكات المهنية والفكرية القديمة ذات الأفكار الضيقة عن التغيير. في القطاع الخاص، غالبًا ما ترجّح الحاجة الملحة لتحقيق الربح كفة التغيير. أما في الحكومة، فتسود أصوات مختلفة.
ويفتقر “الهاملتونيين التكنولوجيين” ومحبوا وادي السيليكون غالباً إلى الخبرة في شئون عمل الحكومة، كما أنهم غير معتادين على التسوية والدبلوماسية التي يتطلبها تنفيذ السياسات بنجاح. أما المخضرمون الذين يعرفون دهاليز واشنطن فيرون في “الهاملتونيين التكنولوجيين” تهديداً يجب إحباطه، لذلك يستخدمون مواهبهم ومعرفتهم للعمل ضد النظام الجديد لا من أجله.
ويجب على “الهاملتونيين التكنولوجيين” أيضًا أن يجدوا وسيلة للحفاظ على تحالفهم المتوتر مع تنامي سخط الناخبين الساخطين، سواء من اليمين أو من اليسار، الذين يتعاطفون مع شكل من أشكال الشعبوية. فقلة من الشعبويين “الجاكسونيين” توقعت أو رحبت بمشاركة أشخاص مثل إيلون ماسك في ما اعتبروه حركتهم. وعندما أرضى ترامب داعميه من “الهاملتونيين التكنولوجيين” بأمره التنفيذي في ديسمبر/ كانون الأول 2025 الذي يحظر اللوائح الحكومية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات، شعر كثير من أنصار حركة “اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا” بالذعر. إن الفجوات في الرؤية العالمية والمصالح الاقتصادية والسياسية بين الأميركيين من الطبقة العاملة وأباطرة التكنولوجيا الأثرياء حقيقية ولها عواقب وخيمة، وقد تتباعد مصالحهم الاقتصادية أكثر مع إعادة الهيكلة المدفوعة بالتكنولوجيا التي ستلقي بملايين الأميركيين من الطبقة العاملة خارج سوق العمل.
يمكن للتلويح بالأعلام، وتقييد الهجرة، ونداءات الحرب الثقافية أن تدعم تحالف حركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا” وأباطرة التكنولوجيا، لكن الأمر سيتطلب أكثر من ذلك لتحقيق نجاح دائم. في القرن التاسع عشر، قدّم قانون “هومستيد” أراضي عامة مجانية لأي مواطن أميركي يعيش على قطعة أرض لمدة خمس سنوات، مما رسّخ ولاء ملايين الناخبين لحزب جمهوري كان في الوقت نفسه يمنح الموارد العامة لشركات السكك الحديدية والتعدين. وفي القرن العشرين، أدى الجمع بين الرهن العقاري لمدة 30 عامًا وبناء الطرق السريعة إلى تحسين إمكانية العيش في الضواحي، مما خلق روابط قوية بين الطبقة الوسطى الأمريكية والمؤسسات السياسية والتجارية. وسيكون على “الهاملتونيين التكنولوجيين” أن يجدوا طريقتهم الخاصة لربط الرفاه الاقتصادي والاجتماعي للأسر الأميركية العادية بالاقتصاد الجديد الذي يسعون إلى بنائه.
ويحتاج حتى الأميركيون غير المتعاطفين مع هذا التحالف الناشئ إلى الاعتراف بأننا نتعامل مع شيء أعمق وأكثر ديمومة من غرابة أطوار سياسي موهوب بشكل خاص وجشع بعض الشركات. إن نجاح هذا التحالف الجديد ليس مضمونًا بأي حال من الأحوال. لكن سواء فشل أو نجح، فإن نتائج هذه المحاولة الأخيرة لبناء تحالف بين ورثة أندرو جاكسون وألكسندر هاملتون قد تحدد السياسة الأميركية لجيل قادم.
المصدر: ذي أتلانتك
