شهدت منظومة العدالة في مصر الساعات الماضية حلقة جديدة من مسلسل التوتر دائم العرض بين جناحيها، القضاء والمحاماة، وذلك على خلفية الإجراءات التي اتخذها مدير نيابة النزهة بمصر الجديدة بالقاهرة، بحق ثلاثة من المحامين، وما تبعها من حالة احتشاد واسعة داخل صفوف المحامين احتجاجًا على ما اعتبروه مساسًا بكرامة المهنة وإهانة غير مقبولة لمنتسبيها.
لا يمكن التعامل مع هذه الواقعة باعتبارها خلافًا مهنيًا عابرًا أو سوء تفاهم إجرائيًا قابلًا للاحتواء عبر اعتذارات متبادلة أو بيانات رسمية دبلوماسية، إذ تعكس في جوهرها أزمة أعمق تتصل ببنية منظومة العدالة ذاتها، وبطبيعة العلاقة بين سلطاتها المختلفة، وبالتوازن الحاكم لأدوارها داخل النظام القانوني والسياسي للدولة.
كما أن هذا التوتر المتجدد لا يمثل استثناءً طارئًا، بل يأتي امتدادًا لسجل طويل من الاحتكاكات بين طرفي العدالة؛ القضاء ممثلا لسلطة الدولة، في مقابل المحاماة بوصفها الامتداد المهني والاجتماعي لحق الدفاع الشعبي، وهو ما يطرح تساؤلات سياسية وقانونية مشروعة حول حقيقة هذا الصراع المستتر: هل هو خلاف حول حدود الاستقلال وتكافؤ الأدوار، أم انعكاس لمعركة نفوذ وهيمنة داخل المجال العام؟
ما التفاصيل؟
وفقًا لما أورده أحد المحامين، تعود وقائع حادثة نيابة النزهة إلى توجه أحد المحامين إلى مقر النيابة بقصد مقابلة السيد مدير النيابة، حيث طلب من أفراد الحراسة السماح له بالدخول، إلا أن أحدهم طلب منه الانتظار لحين الانتهاء من تدخين سيجارة، وقد قوبل هذا التصرف باعتراض من المحامي، ما أدى إلى نشوب مشادة كلامية وارتفاع نبرة الحديث بينه وبين أفراد الحراسة.
على إثر ذلك، تدخل السيد رئيس النيابة وتحدث مع المحامي بصوت مرتفع، فيما حاول الأخير عرض ملابسات الواقعة وشرح ما تعرض له، غير أن محاولاته لم تلقَ استجابة.
لاحقًا، تم استدعاء المحامي إلى مكتب رئيس النيابة، وبعد فترة وجيزة خرج مدير النيابة متوجهًا إلى أفراد الحراسة، حيث صدرت عنه عبارة اعتبرها المحامون مسيئة وغير متسقة مع حرمة مقر النيابة أو معايير التعامل المؤسسي المفترض.
وإزاء تطورات الموقف، بادر عدد من المحامين بطلب الإذن بالدخول إلى مكتب مدير النيابة في محاولة لاحتواء التوتر وتهدئة الأجواء، إلا أنهم ووجهوا بأسلوب وصفوه بغير اللائق، وخلال النقاش، وجه أحد المحامين ملاحظة إلى مدير النيابة بشأن العبارة الصادرة عنه، فجاء الرد حادًا، وتبعه طلب مباشر بمغادرة المكتب، مع تقدم جسدي أثار استياء الحاضرين.
وقد أسفر هذا التصعيد عن ارتفاع حدة التوتر وتبادل الأصوات بين المحامين من جهة، ومدير النيابة وعدد من أعضاء النيابة من جهة أخرى، لتنتهي الواقعة باحتجاز ثلاثة من المحامين، وهو ما أضفى على الحدث أبعادًا تتجاوز كونه خلافًا إجرائيًا محدودًا، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات أوسع حول طبيعة العلاقة بين مؤسسات العدالة وحدود إدارة الخلاف داخلها.
المحامون غاضبون
فجّرت هذه الواقعة موجة واسعة من الغضب داخل صفوف المحامين، الذين انتفضوا دفاعًا عما وصفوه بـ”كرامة المحامي”، مطالبين هذه المرة باتخاذ موقف حاسم إزاء ما اعتبروه تجاوزات متكررة، ومؤكدين أن ما جرى لا يمكن التعامل معه باعتباره خطأً فرديًا عابرًا، بل بات يُنظر إليه كظاهرة تستوجب مواجهة مؤسسية جادة.
وفي هذا السياق، دعا عشرات المحامين إلى الاحتشاد داخل مقار النقابات العامة والفرعية، إلى جانب التجمع أمام مكتب النائب العام، تضامنًا مع زملائهم المحتجزين واحتجاجًا على ما وقع، مع توجيه مطالب مباشرة إلى نقيب المحامين بضرورة تبني موقف رادع يحفظ حقوق المحامين ويصون كرامتهم، لاسيما في ظل تكرار وقائع مماثلة خلال الفترة الماضية.
ومن جانبه، علّق المحامي محمد شوقي عبر صفحته على موقع “فيسبوك” معتبرًا أن ما جرى في نيابة النزهة على يد أحد وكلاء النيابة العامة لا يمكن تصنيفه كواقعة عابرة، واصفًا إياه بأنه “طعنة في قلب منظومة العدالة”، التي ـ بحسب تعبيره ـ لا يمكن أن تستقيم بجناح واحد مكسور.
وأضاف أن المحامين لا يتوجهون إلى عملهم يوميًا ليكونوا عرضة للتجاوز أو الإهانة، مشددًا على أن المحامي الذي يعجز عن صون كرامته داخل أروقة العدالة لا يمكن أن يُؤتمن على الدفاع عن حقوق موكليه.
وفي المقابل، أشار إلى أن الدور الأصيل لنقابة المحامين يتمثل في حماية أعضائها أثناء أداء مهامهم، معتبرًا أن غياب موقف حاسم ومباشر وشخصي من نقيب المحامين في مثل هذه الأزمات يدفع المحامين، عن غير رغبة، إلى تبني ردود أفعال فردية قد تتسم بالتصعيد، في محاولة لاستعادة كرامتهم الإنسانية أولًا، والمهنية ثانيًا.
ليست الأولى ولن تكون الأخيرة
هذه المواجهة بين المحامين والقضاة ليست الأولى، ولا يُتوقع أن تكون الأخيرة، إذ شهدت العلاقات بين الطرفين في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في التوترات، وصل بعضها إلى حد الصدام المباشر، وكانت آخر حلقات هذا التوتر في القرارات القضائية الأخيرة التي أقرّت فرض رسوم إضافية أو مقابل خدمات مميكنة داخل المحاكم، وهو ما أثار غضبًا واسعًا داخل صفوف المحامين.
ويُنظر إلى تلك القرارات، من جانب المحامين، باعتبارها تضييقًا عمليًا على دورهم في إجراءات أساسية مثل الاطلاع والقيد والحضور، فضلاً عن أنها أعادت إلى السطح شكاوى قديمة تتعلق بسوء المعاملة داخل بعض المحاكم.
وفي هذا الإطار، يتخذ الصراع أبعادًا أوسع، إذ يُنظر إليه على أنه تهديد لاستقلال منظومة العدالة، وامتداد لتوترات بنيوية تتعلق بحدود العلاقة بين مؤسسات الدولة ومهام الدفاع عن الحقوق.
وينطلق موقف المحامين من مرتكزات عدة، في مقدمها أن المحاماة شريك أصيل في تحقيق العدالة وفقًا للدستور، وأن أي رسوم أو قيود تُفرض دون سند تشريعي واضح تُعد عبئًا على حق التقاضي وانتقاصًا من دور الدفاع، مع مخاوف من تحويل العدالة إلى سلعة مدفوعة الثمن لا يقدر عليها ذوو الدخل المحدود، ما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص في الوصول إلى العدالة.
وعلى الجانب الآخر، يرى قطاع واسع من القضاة أن إدارة المحاكم وتحديثها يتطلب موارد مالية، وأن الخدمات المميكنة أو الإضافية التي تُقدم داخل منظومة القضاء تستلزم تعويضات مادية تُسهم في دعم استدامة هذه الخدمات، لا سيما وأن جزءًا من هذه الرسوم يُستخدم في تمويل خدمات موجهة لأسرة القضاء.
وبين هذا وذاك، تبدو حالة من التربص والاحتقان واضحة لدى تيارين كبيرين من الطرفين، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أداء منظومة العدالة، إذ تأثرت الحركة القضائية بتأجيل الملايين من القضايا نتيجة البيروقراطية والروتين الإداري، فضلاً عن عدم كفاية الموارد البشرية، وتداعيات الصدام المتكرر بين المحامين والقضاة، مما يطرح تساؤلات عميقة حول قدرة النظام القضائي على ضبط التوازن بين تطوير الأداء وضمان حقوق الدفاع دون أن تتحول العلاقة بينهما إلى صراع دائم.
ما الأسباب؟
تُرجع مجموعة من خبراء القانون أسباب التوتر المتكرر بين القضاة والمحامين إلى عوامل عدة، في مقدمتها عدم الالتزام بالقانون والانحياز للأهواء الشخصية، إلى جانب وجود حالة من التربص المتبادل بين الطرفين، ما يجعلهم ينظرون إلى بعضهم كخصوم وليس كشركاء مكملين في منظومة العدالة.
ويشير هؤلاء الخبراء إلى أن هذا الخلاف ليس نتيجة حادثة عابرة، بل تعبير عن خلل بنيوي في طبيعة العلاقة بين السلطة القضائية ومهنة الدفاع، وهو ما ينعكس على أداء النظام القضائي ككل.
وفي هذا السياق، يرى مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، جمال عيد، أن فقدان المؤهلات والخبرة اللازمة لدى بعض القضاة يُعد من أبرز أسباب هذا الصدام، مشيرًا إلى أن الدولة تُجامِل القضاة أحيانًا على حساب العدالة، وأن بعضهم ينظرون إلى أنفسهم كطبقة مهنية أعلى من غيرهم، بما ينعكس سلبًا على سيادة القانون.
وأضاف أن القضاة يستفيدون من امتيازات كبيرة، بينما تستفيد الدولة من تغاضي بعضهم عن العدالة، ما يضر بمبدأ سيادة القانون، وهو ما أكدته تقارير دولية بوضع مصر في المرتبة 135 من أصل 140 دولة في مؤشر غياب سيادة القانون.
كما لفت إلى أن غياب دور نقابة المحامين في حماية كرامة أعضائها والارتقاء بمستواهم المالي والمهني، والحد من تجاوزاتهم، يساهم في تفاقم الصدامات، ويجعل المحامين الطرف الأضعف في مواجهة أي احتكاك مع القضاء.
معركة نفوذ في المقام الأول
يرى فريق من القضاة والمحامين أن صراعهم قائم في جوهره على الاستقلال، وهو ما قد يكون مقبولًا بدرجة محدودة، لكن الواقع يشير إلى أن المعركة في المقام الأول تتعلق بالنفوذ، خاصة من جانب القضاة الذين يسعون لتعزيز مركزهم داخل منظومة العدالة بوصفهم الضلع الأكبر، وربما الوحيد الذي لا تستقيم منظومة العدالة بدونه.
ومن هنا ينبع الخطاب الاستعلائي الذي يطرحه بعض القضاة، ويترتب عليه توتر العلاقات بين القضاء والمحامين، بل وأحيانًا مع الشرطة والمواطنين، ما يجعلهم في صدام مستمر مع قطاعات واسعة من المجتمع.
ولا يمكن فصل هذا الصراع عن معركة أخرى يخوضها القضاة مؤخرًا، تتعلق بملف التعيينات، بعد الحديث عن انتقال صلاحيات التعيين من مجلس القضاء الأعلى إلى الأكاديمية العسكرية، وهو ما يراه كثير من القضاة تهديدًا لمكانتهم، ومساسًا بما يشبه “عرش” القضاء، ويضعف فرص استمرار ظاهرة التوريث التي باتت ظاهرة ملحوظة داخل السلك القضائي.
وفي هذا السياق، جاء تسريب مذكرة صادرة عن مكتب التعيينات بمكتب النائب العام، تضمنت أسماء 790 مرشحًا للتعيين بدرجة معاون نيابة عامة من دفعة عام 2022، بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء على قبولهم، بحسب ما نشرته منصة “متصدقش”.
وأظهرت الوثيقة أن نسبة كبيرة من المرشحين من أبناء قضاة وقيادات أمنية وعسكرية، بما يعادل 30% لأبناء القضاة و30% لأبناء القيادات العسكرية والأمنية، إلى جانب بعض أبناء أعضاء مجلس النواب، الأمر الذي يفضح وبشكل معلن ظاهرة التوريث التي ينكرها الجميع على طول الخط.
يرى البعض أن تزامن معركة المحامين والقضاة الراهنة مع تلك الوثيقة المسربة يخدم القرار الذي تتوارد الأنباء حول اتخاذه بشأن سحب صلاحيات تعيين القضاة وأعضاء النيابة من مجلس القضاء إلى الأكاديمية العسكرية، والذي قوبل بتحفظ من نادي القضاة الذي دعا لانعقاد طارئ لمناقشة هذا الأمر.
في المحصلة، وبغض النظر عن جدلية الاستقلال والنفوذ في تفسير معارك القضاة والمحامين، يظل الأهم والأخطر ما تنطوي عليه هذه المواجهات من تداعيات على منظومة العدالة في مصر، فالتصعيد المتكرر يكشف عن خلل بنيوي واضح داخل النظام القضائي، يدفع ثمنه المواطن أولًا، عبر تراجع معايير النزاهة والشفافية وتآكل الثقة في قدرة الدولة على تحقيق العدالة، ثم عبر بطء الإنجاز القضائي وتراجع مستوى الحقوق المنجزة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الأساسي ليس من يفوز في صراع النفوذ الجدلي بين أجنحة العدالة تلك، بل كيف يمكن استعادة التوازن المؤسسي الذي يضمن للقضاء والمحاماة أداء أدوارهما دون أن يتحول الخلاف إلى أزمة تضر بالحق العام وتضعف من سيادة القانون.