لأول مرة على الإطلاق، قفز سعر الذهب إلى مستوى قياسي جديد متجاوزًا 5000 دولار للأوقية، بفعل اندفاع المستثمرين نحو هذا المعدن النفيس باعتباره ملاذًا آمنًا وسط تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية.
وقد جاء هذا الارتفاع التاريخي في ظل مخاوف متزايدة من سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تنذر بقلب العلاقات الدولية رأسًا على عقب مع الحلفاء الرئيسيين من أوروبا إلى كندا.
ويُنظر إلى الذهب تقليديًا بوصفه ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين ومقياسًا لمستوى القلق في الأسواق. وقد صعد بحوالي 15% خلال الأسابيع الأولى من عام 2026 وحدها، مما أضاف إلى مكاسب قياسية حققها في 2025 بنسبة تقارب 65%، وهي أكبر زيادة سنوية له منذ أواخر السبعينيات عام 1979.
ما الأسباب الرئيسة؟
1- الاضطرابات الجيوسياسية وسياسات ترامب
على مدى الأشهر الأخيرة، تسببت قرارات ترامب السياسية المتقلبة على الساحة العالمية في تغذية حالة عدم اليقين ودفع المستثمرين نحو أصول الملاذ الآمن. فقد شهد شهر يناير/كانون الثاني سلسلة خطوات أمريكية غير اعتيادية زادت المخاوف من تأجج أزمات جيوسياسية جديدة، أبرزها:
- تنفيذ عملية عسكرية أدت إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
- التهديدات الأمريكية باتخاذ إجراءات ضد النظام الإيراني على خلفية قمع الاحتجاجات هناك.
في الوقت نفسه، فتح ترامب جبهات مواجهة اقتصادية حتى مع أقرب حلفاء واشنطن.
- هدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الواردات الكندية إذا أقدمت أوتاوا على إبرام صفقة تجارية مع الصين.
- لوّح برسوم عقابية ضد شركاء أوروبيين اعتراضًا على رفضهم خطته لشراء جزيرة غرينلاند الدنماركية.
ورغم تراجع ترامب بشكل مفاجئ عن بعض تلك التهديدات وإعلانه التوصل إلى تسويات في اللحظة الأخيرة، أبقت مواقفه المتقلبة الأسواق العالمية في حالة ترقب وقلق دائم.
ولم تقتصر عوامل عدم الاستقرار على السياسة الخارجية، إذ زادت الاضطرابات السياسية داخل الولايات المتحدة من مخاوف المستثمرين أيضًا.
- جدد ترامب انتقاداته اللاذعة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول.
- وصل الأمر إلى فتح تحقيق جنائي غير مسبوق بحق باول، ما أثار تساؤلات خطيرة حول استقلالية البنك المركزي الأمريكي.
- هدد نواب ديمقراطيون في الكونغرس بعرقلة تمويل الحكومة الفيدرالية، مما أجج المخاوف من احتمال الدخول في إغلاق حكومي جديد.
وقد جاءت هذه التهديدات على خلفية حادثة إطلاق نار على مواطن أمريكي ثان، تورطت فيها وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية خلال ملاحقتها للمهاجرين وتصديها للمظاهرات المناهضة لسياساتها، لتضيف عاملًا جديدًا من عدم اليقين في المشهد السياسي الداخلي.

2- السياسة النقدية وتراجع الدولار
على الصعيد الاقتصادي، لعبت السياسة النقدية دورًا مهمًا في دفع أسعار الذهب نحو الصعود، فمع تسجيل التضخم معدلات أعلى من المتوقع مؤخرًا وزيادة التوقعات بأن يُقدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة مجددًا هذا العام، تراجعت جاذبية العوائد الاستثمارية البديلة وعزز ذلك الإقبال على الذهب كأداة للتحوط وحفظ القيمة.
في الوقت ذاته، أدى تراجع سعر الدولار إلى زيادة جاذبية الذهب. فهبوط قيمة العملة الأمريكية يجعل المعدن النفيس أرخص ثمنًا للمشترين بالعملات الأخرى ويرفع بالتالي الطلب عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن دوائر داخل الإدارة الأمريكية لم تُخفِ رغبتها في دولار أضعف لدعم الصادرات، بل إن الاحتياطي الفيدرالي نفسه أثار تكهنات حول تدخل محتمل في سوق الصرف بعد أن أفادت تقارير بأنه تواصل مع بنوك لمراقبة سعر صرف الدولار أمام الين الياباني المتصاعد.
3- مشتريات البنوك المركزية وتدافع المستثمرين
كذلك لعب الطلب المؤسسي دورًا بارزًا في صعود الذهب، فقد عمدت العديد من البنوك المركزية حول العالم إلى زيادة احتياطياتها من المعدن الأصفر بوتيرة غير معهودة خلال السنوات الأخيرة كنوع من التأمين في ظل عالم مليء بالاضطرابات.
بل إن حصة الذهب في إجمالي احتياطيات المصارف المركزية تضاعفت خلال العقد الماضي لتتجاوز 25%، وهو أعلى مستوى لها في نحو 30 عامًا.
ووفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي، ارتفعت مشتريات البنوك المركزية من الذهب بنسبة 10% على أساس سنوي حتى الربع الثالث من عام 2025، وتصدرت بولندا وكازاخستان وأذربيجان والصين قائمة الدول الأكثر شراءً للمعدن الأصفر.
وهذا التوجه تقوده قوى اقتصادية صاعدة وأسواق ناشئة – إذ واظبت الصين مثلًا على شراء الذهب للشهر الرابع عشر على التوالي حتى ديسمبر/كانون الأول 2025 – بهدف تنويع أصولها وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
إلى جانب ذلك، شهدت الأدوات الاستثمارية المرتبطة بالذهب إقبالًا كثيفًا من قبل المستثمرين في القطاع الخاص. فقد سجلت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب تدفقات مالية قياسية خلال العام الماضي، مما عكس شهية مرتفعة للتحوط بالمعدن الأصفر.
ويرى بعض الخبراء أن سياسات ترامب أحدثت “قطيعة دائمة مع الأعراف السابقة”، بحيث بات “الجميع يهرع إلى الذهب بوصفه الخيار البديل الوحيد” في ظل أزمة ثقة متفاقمة تجاه الأصول التقليدية.
التوقعات المستقبلية
وعلى الرغم من أن الذهب تجاوز بالفعل حاجز 5000 دولار، لا تزال معظم التوقعات ترجح استمرار منحنى الصعود، إذ يرى محللون أن الأسعار مرشحة للارتفاع باتجاه مستوى 6000 دولار للأونصة خلال الأشهر المقبلة إذا تواصلت حالة عدم الاستقرار العالمي وظل الطلب الاستثماري قويًا.
وقد قدّرت شركة “ميتالز فوكس” الاستشارية مثلًا أن الذهب قد يبلغ ذروة تقارب 5500 دولار قبل نهاية العام.
في المقابل، ينبّه محللون إلى احتمال تعرض السوق لعمليات تصحيح وجني أرباح على المدى القصير، لكنهم يرجحون أن أي تراجعات ستكون محدودة وقصيرة الأجل سرعان ما تعقبها موجات شراء جديدة.
وبشكل عام، طالما ظلت حالة الضبابية تخيم على المشهدين الاقتصادي والجيوسياسي، سيبقى الذهب مستقطبًا للسيولة بوصفه ملاذًا آمنًا وأداة فعالة لتنويع المخاطر.