تخطط شركة ميتا (Meta) حاليًا لاختبار اشتراكات مدفوعة في منصّاتها الاجتماعية (إنستغرام وفيسبوك وواتساب)، بحيث يحصل المشتركون على مزايا حصرية وتحكّم أكبر في التجربة، إلى جانب قدرات موسّعة للذكاء الاصطناعي.
تشمل خطط ميتا دمج منصة الذكاء الاصطناعي Manus AI – الوكيل الذكي الذي استحوذت عليه مقابل ملياري دولار – في حزم الاشتراك الجديدة، بحيث يتمكّن المستخدم المشترك من الاستفادة من أدوات “إنتاجية وإبداعية” مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
هذه الخطوة من عملاق التواصل الاجتماعي تأتي في ظل توجّه أوسع في صناعة التكنولوجيا نحو اقتصاد الاشتراك؛ إذ سبقتها خدمات أخرى في تبنّي نماذج مدفوعة. على سبيل المثال، أثبتت سناب شات وجود سوق للاشتراكات المدفوعة في شبكات التواصل، حيث حققت خدمة Snapchat+ مدفوعة الثمن نموًا تجاوز 16 مليون مشترك خلال أقل من عامين.
فما المقصود باقتصاد الاشتراك؟ وكيف انتشر بهذه السرعة ليغيّر شكل الأعمال التجارية؟ وما جوانبه المضيئة والمظلمة بالنسبة لكل من الشركات والمستهلكين؟
ما هو “اقتصاد الاشتراك” ومتى بدأ؟
اقتصاد الاشتراك مصطلح يصف تحول نموذج الأعمال من بيع المنتجات والخدمات لمرة واحدة إلى تقديمها عبر اشتراكات دورية متجددة.
يدفع العميل مبلغًا ثابتًا (شهري أو سنوي مثلًا) مقابل الوصول المستمر إلى منتج أو خدمة، بدلاً من شرائها ملكًا بشكل نهائي.
هذا النموذج ليس جديدًا تمامًا – فقد عرفت المجلات وخدمات الهاتف مثلًا نظام الاشتراك منذ عقود – لكن الجديد هو انتشاره الأفقي الواسع عبر قطاعات متعددة في العصر الرقمي.
خلال العقود القليلة الماضية، تبنّت شركات التكنولوجيا الريادية هذا النهج بشكل متزايد. يُشار غالبًا إلى شركات مثل Salesforce (في البرمجيات السحابية) ونتفليكس (في بثّ المحتوى) وSpotify (الموسيقى) كروّاد في موجة اقتصاد الاشتراك منذ مطلع الألفية. ومع تقدم الإنترنت وزيادة سرعات الاتصال، أصبح النموذج أكثر رواجًا.
بحلول منتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بدأ الحديث عن اقتصاد الاشتراك كتحول جذري في طريقة كسب الشركات للإيرادات.
إذ اعتُبر انتقال المستهلكين من مبدأ امتلاك المنتجات إلى مجرد الاشتراك في الخدمات بمثابة طفرة في أسلوب الاستهلاك قد لا تحدث إلا مرة كل قرن.
ويظهر الانفوجراف التالي حجم الإقبال على الاشتراكات ومدى نموها والتوقعات القادمة بشأنها، اعتمادا على بيانات من “هارفارد بيزنس” و”بيزنس كولومبيا” و”juniper research”.

كيف انتشر النموذج سريعًا؟
انتشار اقتصاد الاشتراك بهذه السرعة لم يكن محض صدفة، بل وراءه أسباب وجيهة تتعلق بكل من الشركات والعملاء. فمن جهة الشركات، أدركت المؤسسات أن الإيرادات المتكررة أكثر استقرارًا وقابلية للتنبؤ مقارنة بالاعتماد على مبيعات متفرقة.
يوفّر نموذج الاشتراك تدفقًا نقديًا مستمرًا يمكن التعويل عليه، مما يمكّن الشركات من تخطيط مواردها واستثماراتها بشكل أفضل على المدى الطويل.
كما أن الاحتفاظ بالعميل لفترة أطول من خلال الاشتراك أقل كلفة من محاولة استقطاب عملاء جدد كل مرة؛ فنجاح الشركة لم يعد قائمًا فقط على جذب العميل للشراء لمرة واحدة، بل على الحفاظ عليه مشتركًا راضيًا لأطول فترة.
وقد أثمرت هذه المعادلة؛ إذ شجّع النمو السريع الذي حققته روّاد الاشتراكات شركات أخرى على اللحاق بالركب. وشهدنا خلال السنوات الماضية تنوّعًا هائلًا في المجالات التي تبنّت الاشتراكات، من برامج الحاسوب إلى خدمات الترفيه، بل وحتى المنتجات الاستهلاكية اليومية.
وتشير بيانات حديثة إلى أن نحو 75% من الشركات التي تبيع مباشرة للمستهلكين باتت تقدّم شكلاً من الاشتراكات ضمن عروضها، ما يؤكد أننا أمام تحوّل نمطي واسع في أساليب كسب الإيرادات.
من جهة المستهلكين، ساعد تغيّر السلوك والتفضيلات في تسريع انتشار النموذج. فالكثيرون – لا سيما من الأجيال الشابة – لم يعودوا يرون ضرورة امتلاك الأشياء بشكل دائم، بقدر ما يهمهم الوصول السهل إليها عند الحاجة.
وظهر مفهوم “الانتفاع بدلاً من التملك” كتوّجه عام؛ إذ أظهرت استطلاعات عالمية أن
- حوالي 68% من البالغين يفضّلون الاشتراك أو الاستئجار على الشراء المباشر للمنتجات.
- أكثر من 70% يرون أن الاشتراك يمنحهم مرونة ويحرّرهم من أعباء الملكية والصيانة.
هذا التغيّر في العقلية جعل المستهلك أكثر تقبّلًا لفكرة الدفع المنتظم مقابل خدمة مستمرة عالية الجودة. أضف إلى ذلك عامل الراحة؛ فالاشتراك غالبًا ما يوفّر تجربة سلسة: تحديثات تلقائية، محتوى متجدد، ودعم مستمر، بدون عناء عمليات الشراء المتكررة.
الجانب المظلم للاشتراكات
على الرغم من المنافع الواضحة لنموذج الاشتراك، فإن له جانبًا مظلمًا بدأ يثير القلق لدى المستخدمين والمراقبين، أبرزها:
- “إرهاق الاشتراك”: فمع تزايد الخدمات التي تتبنى النموذج، يجد المستهلك نفسه مشتركًا في عدد كبير جدًا من الخدمات وملزمًا بسداد رسومها شهريًا. تكشف الدراسات مثلًا أن المستهلك الأمريكي العادي يدفع نحو 273 دولارًا شهريًا لمجموعة تصل في المتوسط إلى 12 اشتراكًا مدفوعًا (من منصات ترفيه إلى تطبيقات وأنشطة مختلفة).
- صعوبة الإلغاء: تنفذ بعض الشركات ممارسات ملتوية (تُعرف أحيانًا بالأنماط المظلمة) للإبقاء على المشترك وعدم فقدانه. كثير من الخدمات تجعل عملية إلغاء الاشتراك أشبه بالمهمة المستحيلة؛ قد تخفي خيار الإلغاء في قوائم معقدة، أو تطلب منك الاتصال هاتفيًا أو التحدث مع روبوت دردشة بدلاً من السماح بالإلغاء بنقرة بسيطة. بل إن بعضها يستمر في التجديد التلقائي دون تنبيه واضح، على أمل أن ينسى المستخدم موعد انتهاء الفترة التجريبية أو تاريخ الخصم المقبل
- عبء الزيادات السعرية: بعد أن يقع المستخدم في حب الخدمة ويعتاد عليها، تميل بعض الشركات إلى رفع الأسعار تدريجيًا بمرور الوقت. شهدنا في السنوات الأخيرة زيادات متتابعة في رسوم منصات مشهورة مثل نتفليكس وديزني+ وغيرها. كثير من المشتركين يستمرون بالدفع رغم استيائهم من الزيادة بسبب ترددهم في فقدان الخدمة أو ربما عدم انتباههم الفوري للتغيير، وهو ما قد تعتمد عليه الشركات لتمرير الزيادات.
في خضم هذه الصورة، قد يتساءل البعض: من الرابح الحقيقي من اقتصاد الاشتراك؟ الواقع أن الشركات والمستثمرين هم المستفيد الأكبر عند النظر للصورة الكلية. إذ نموذج الاشتراك وفّر للشركات منافع مالية جذابة قفز بقيمتها السوقية. فالإيرادات المتكررة تزيد من ثقة الأسواق والمستثمرين في استقرار أداء الشركة، ما يرفع تقييمها.
كيف نتعامل بوعي مع ثقافة الاشتراك؟
أمام التمدد الكبير للاشتراكات، من المهم أن يتعامل المستهلك معها بوعي وانتباه حتى لا تتحول إلى مصدر إرهاق مالي أو نفسي. ينصح الخبراء بالقيام بخطوات استباقية بسيطة لاستعادة السيطرة على هذا الجانب من الإنفاق.
أولًا، قائمة اشتراكاتك: قم بحصر جميع الاشتراكات التي تدفع لها – شهريًا أو سنويًا – بما في ذلك الخدمات في فترة تجريبية مجانية ستبدأ الدفع لها تلقائيًا وخاصة أن الكثير منا قد يكتشف اشتراكات نسي أنه مشترك بها أصلًا.
ثانيًا، إدارة الفترات التجريبية المجانية بذكاء: الكثير من خدمات الاشتراك تغري المستخدمين بفترة مجانية ثم تبدأ تلقائيًا بالفوترة بعد انتهائها. لتفادي التحوّل غير المرغوب إلى مشترك مدفوع، ضع تنبيهًا في هاتفك أو مفكرتك قبل يومين أو ثلاثة من نهاية الفترة التجريبية لكل خدمة، وذكّر نفسك بتقييم ما إذا كنت ترغب بالاستمرار أم بالإلغاء قبل أن يخصم منك المال.
ثالثًا، لا تشعر بالذنب حيال الإلغاء: أحيانًا يتردد البعض في إلغاء اشتراك خدمة أحبّوها في الماضي كنوع من الولاء أو تقديرًا للشركة، لكن تذكّر أنك كمستهلك من حقك إيقاف الدفع متى ما شعرت أن الخدمة لم تعد تلبي احتياجاتك الحالية بالشكل الكافي.
رابعا، تبنّى بعض الأدوات والتقنيات لضمان المتابعة الدورية وعدم الانزلاق في دوامة النسيان. استخدم تطبيقات إدارة المصروفات أو حتى التنبيهات البنكية التي تخطرك عند حدوث عملية دفع متكررة. راجع كشف بطاقتك الائتمانية أو حسابك المصرفي شهريًا وحدّد أي اشتراكات ظهرت فيه.