المرحلة الانتقالية الكبرى التي تعيشها سوريا اليوم بعد تحررها من نظام الأسد الذي حكم البلاد بالحديد والنار نحو 55 عامًا، تعيد إلى أذهاننا حدثًا مفصليًا شبيهًا الذاكرة السياسية السورية قبل مئة عام، إلى سنة 1920 تحديدًا، لحظة ولادة “المملكة السورية العربية” كأول تجربة ديمقراطية برلمانية رائدة في المشرق العربي، تجربة لو سُمح لها بالبقاء لتغيّر وجه بلدنا ومنطقتنا برمتها.
حينها، التأم “المؤتمر السوري العام” عام 1919 بقيادة الملك فيصل الأول ابن الحسين، الذي قَبِل أن يكون أول عاهلٍ عربي يُخضع حكمه الدستور، مُكرّسًا نموذج “الملكية المدنية النيابية” حيث السيادة للأمة لا للحاكم، مسنودًا بحكمة رئيس المؤتمر، المصلح الإسلامي الشيخ رشيد رضا، الذي نجح في تلك الفترة القصيرة في المواءمة بين الهوية الإسلامية وقيم الدولة المدنية، صائغًا دستور عام 1920 الذي أقر المساواة التامة بين السوريين على اختلاف مشاربهم الدينية والقومية.
لكن هذه التجربة البرلمانية الوليدة، التي سبقت عصرها في المنطقة، اصطدمت سريعًا بجدار الأطماع الاستعمارية الغربية؛ إذ لم تقبل فرنسا وبريطانيا بوجود نموذج سيادي حر يهدد مصالحهما، فجاءت مقررات مؤتمر “سان ريمو” لتشرعن الانتداب، تلاها الزحف العسكري بقيادة الجنرال غورو، الذي وأد الحلم السوري في معركة ميسلون في تموز 1920، منهيًا بالقوة العسكرية مشروعًا سياسيًا كان كفيلًا بتغيير وجه المنطقة لقرن قادم.
نستحضر هذا التاريخ اليوم مع مؤرخته الأبرز، البروفيسورة إليزابيث تومسون، صاحبة كتاب “كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب”، في هذا الحوار، نناقش معها كيف يمكن للسوريين اليوم استعادة ذلك “الإرث المفقود”، وكيف يتجنبون في جمهوريتهم الجديدة فخاخ “حماية الأقليات” والوصاية الدولية التي دمرت محاولتهم الأولى قبل مئة عام، واستُخدمت لتمزيق النسيج المجتمعي.
من هي البروفيسورة إليزابيث تومسون؟
باحثة ومؤرخة أمريكية رائدة في دراسات الشرق الأوسط، تشغل كرسي “محمد فارسي للسلام الإسلامي” في الجامعة الأمريكية بواشنطن، تخصصت في تشريح التحولات السياسية والاجتماعية في سورية ولبنان إبان فترة الانتداب.
حازت أعمالها على جوائز مرموقة لنجاحها في تسليط الضوء على تجارب الحكم الدستوري العربي التي غيّبت عمدًا عن السجل التاريخي العالمي.
وتُعد البروفيسورة تومسون واحدة من أهم الأصوات الأكاديمية المعاصرة التي أعادت تفكيك السردية الاستعمارية في المشرق العربي، كما تعُد مؤلفاتها مراجع دولية في فهم العلاقة بين المواطنة، الجندر، والدولة في المجتمعات ما بعد الاستعمارية، وتتركز قيمتها العلمية في كسر القوالب النمطية حول “الاستثناء الديمقراطي العربي”، إذ أثبتت من خلال دراساتها حول سورية ولبنان أن العوائق أمام الديمقراطية لم تكن ثقافية، بل كانت نتيجة تدخلات بنيوية وقانونية فرضها الاستعمار.
أبرز مؤلفاتها:
- كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب: المؤتمر السوري عام 1920 وتدمير التحالف الليبرالي الإسلامي التاريخي.
- العدالة المعطلة: النضال من أجل حكومة دستورية في الشرق الأوسط، صدر عام 2013.
- مواطنون تحت الاستعمار: الحقوق الجمهورية، الامتياز الأبوي، والجندر في سوريا ولبنان الخاضعين للانتداب الفرنسي.

في كتابك “كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب“، توثقين محاولة السوريين تأسيس نظام ديمقراطي عام 1920.
الآن، بعد أكثر من قرن، وسقوط نظام الأسد، هل ترين أن سوريا أمام فرصة تاريخية ثانية؟ أم أن الظروف الدولية -تأثيرات صانع القرار الغربي- ما تزال تعيق هذا المسار كما حدث قبل مئة عام؟
بعد قرن من تدمير الديمقراطية البرلمانية السورية على يد الفرنسيين، يقف السوريون اليوم أمام فرصة لاستعادة الثقافة السياسية الديمقراطية والمتسامحة التي كانت مجتمعهم يتمتع بها قبل الاحتلال الاستعماري. في عام 1920، ترأس زعيم ديني يعتمر العمامة مؤتمرًا صاغ وصادق على ما أُعدّه أكثر الدساتير ديمقراطية في التاريخ العربي الحديث. فقد أنشأ ذلك الدستور حكومة تمثيلية تقوم على المساواة أمام القانون، بغضّ النظر عن الدين أو الطبقة أو العِرق. وقد اقترب المؤتمر حينها من منح النساء حقّ التصويت أيضًا، والأهم أنّ الدستور أُقِرّ من قبل مؤتمر ضمّ محافظين دينيين وليبراليين حداثيين، لقد نسفوا بذلك الادعاء الاستشراقي القائل إن الإسلام والديمقراطية لا يجتمعان.
وقد يُفاجَأ العرب المتديّنون الذين لا يزالون يجلّون كتابات رشيد رضا حين يعلمون أنه قبل أن تؤدي الحقبة الاستعمارية إلى استقطاب سياسي، وافق رضا على إلغاء صفة الدين الرسمي عن الدولة، لصالح مبادئ إسلامية تقوم على المساواة والمصلحة العامة. الملك فيصل، الذي انتخبه المؤتمر، أقسم على احترام الدستور و”الشرائع الدينية”، لا على الإسلام، وكما جادل رضا، فإنّ غير المسلمين لن يكونوا متساوين إذا استندت الدولة وقوانينها إلى الإسلام، ومع ذلك رأى أنّ الدستور الذي نتج كان دولة قائمة على مبادئ إسلامية.
يجب على النظام الحالي في سوريا أن يستوعب دروس عام 1920، التي عبّرت عن توافق سياسي مستند إلى التقاليد المحلية للبلاد. لقد نما التطييف -وبالمثل الإسلاموية- كردّ فعل على الاحتلال الأجنبي المسيحي، ولعله كان طورًا احتجاجيًا لا بدّ منه، لكنه أسهم في عدم الاستقرار السياسي الذي أضعف سوريا في منتصف القرن العشرين، وجعلها عرضة للتدخل الأجنبي والاستبداد.
كان التدخل الدولي آنذاك، كما هو اليوم، تهديدًا للمجتمع السوري، لكن السوريين في عام 1920 واجهوا هذا التهديد بالاتحاد، وعلى السوريين اليوم أن يفعلوا الأمر نفسه إذا أرادوا طيّ صفحة العنف الذي شهدته البلاد في حقبتي الاحتلال الاستعماري والبعث.
تجادلين في كتاباتك أن التدخل الدولي كثيرًا ما يعيد إنتاج الهياكل السلطوية.. هل ثمة خطر بأن يتكرر هذا النمط في سوريا ما بعد التحرير؟
في ظلّ الانتداب الفرنسي، تشوّهت الحياة السياسية السورية نتيجة دعم القوى الأجنبية لمصالح معينة ضد أخرى، ولفرض إرادتها، كانت القوى الخارجية تتحالف مع من يستطيعون قمع المقاومة، من زعماء دينيين طائفيين، إلى قيادات اقتصادية قويّة وملاك أراضٍ كبار، إضافة إلى بعض العناصر القبلية.
وبعبارة أخرى، تمكّن المستعمرون في أنحاء العالم من احتلال المجتمعات وقمعها من خلال تقسيمها وفق الطبقة والدين والانتماء العِرقي، وحريٌّ بالسوريين اليوم، كما في عام 1920، أن يحذروا من أن يُعيد أولئك الذين يقدّمون المساعدات استخدام هذه الأساليب المجربة لإعادة إنتاج الانقسامات والسيطرة.
من واقع خبرتك الأكاديمية، أين يتعثّر مشروع الدستور عادة في المنطقة العربية: في النصوص أم في موازين القوى؟ وكيف ينطبق هذا على اللحظة السورية الراهنة؟
تفشل الدساتير غالبًا عندما تُفرض من أعلى ومن الخارج، عبر النخب أو الخبراء التقنيين الوافدين.
أجد الكثير من الحكمة في كتابات ناثان براون* حول الأخطاء التي ارتُكبت في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، هناك، وفي حالات تاريخية أخرى، قامت نخبة صغيرة بالتعاون مع خبراء خارجيين بصياغة وثيقة لم يشعر الناس العاديون بأي انتماء لها، يكون الدستور قابلًا للاستمرار حين يُكتب بوصفه نتاجًا للنقاش والحوار والتسوية، بهذه الطريقة، تحصل جميع الأطراف داخل المجتمع على “شعور بالملكية المشتركة” تجاهه.
ومع ذلك، لا يمكن لأي دستور أن يصمد إذا عارضته قوى نافذة متحالفة مع المؤسسة العسكرية، إن شرطًا أساسيًا لإقامة نظام دستوري هو إخضاع الجيش للسلطة المدنية، وتطبيق آليات للضوابط والتوازنات تمنع السلطة التنفيذية من نشر القوات بشكل أحادي، وللأسف، لم تتحقق هذه الشروط في دول عربية أخرى بعد عام 2011، والأسف نفسه ينطبق على بلدي اليوم (الولايات المتحدة الأمريكية)، بعد 250 عامًا من التجربة الدستورية، إذ يجري تقويض هذه المبادئ.
اليوم، يملك السوريون فرصة للقيام بالأمر على نحو صحيح، لكن التحديات هائلة. فالسكان في حاجة ماسّة وفورية إلى المساعدة، وقد تقلّصت مساحة النقاش السياسي المفتوح بفعل عقود من الطغيان والحرب، أما الطبقة المتعلّمة والمتوسطة فقد تشتّتت، رغم أنها أساسية للتطور السياسي، لكنها لا تستطيع العثور على مساكن أو وظائف.
هذا الفراغ، إلى جانب الحالة الطارئة اجتماعيًا، قد يغري النظام بتجاوز مسار النقاش الدستوري والقفز فوقه، وسيكون ذلك خطأً على المدى البعيد.
*ناثان براون، هو باحث أمريكي في مجال القانون والسياسة في الشرق الأوسط، لديه بحث بعنوان: الدساتير في عالم غير دستوري: القوانين الأساسية العربية وآفاق الحكومة المسؤولة.
ما الدروس التي يمكن لسوريا اليوم أن تتعلّمها من تجارب الدساتير العربية منذ القرن التاسع عشر وحتى الربيع العربي، لا سيما في مسألة الفصل بين السلطات والرقابة على الجيش؟
يجب على السوريين أن يستعيدوا تاريخهم الخاص وأن يفخروا به، ففي عام 1920، ومرة أخرى في الخمسينيات، كانت سوريا منارةً للديمقراطية العربية.
لم تكن في سوريا طبقة إقطاعية كبرى كالتي وُجدت في مصر والعراق، وقد طوّر السوريون، في العهد العثماني، تقاليد سياسية تقوم على التسامح ونوع من المساواة النسبية، وبعد الحرب العالمية الأولى، قاومت البلاد النزعات الطائفية التي قوّضت لبنان بصورة كارثية.
من الضروري أن تستعيد المدارس السورية والصحافة هذا الإرث المشرف، فبإمكان سوريا -وينبغي لها- أن تصبح مرة أخرى رائدة في الديمقراطية العربية.
تكتبين كثيرًا عن تحالفات تاريخية بين التيارات المحافظة والليبرالية
هل ترين إمكانية لولادة تحالف اجتماعي جديد في سوريا بين التيار المدني والإسلامي والقومي لإعادة بناء الدولة؟ ما الذي يمكن تعلمه من دروس الماضي؟
يجب على السوريين رفض الأكاذيب التي نشرها نظام الأسد والتي تزعم أنهم شعبٌ منقسم بطبيعته. لقد درستُ على يد أحد أبرز المؤرخين السوريين، عبد الكريم رافق، وكان مسيحيًا من إدلب، لكنه كان أيضًا قوميًا سوريًا، وكان يروي قصصًا عن كيف كانت والدته ترتدي الحجاب خارج الكنيسة تضامنًا مع جيرانها المسلمين.
وإلى جانب رشيد رضا والمجلس (عام 1920)، يحتاج السوريون أيضًا إلى استعادة روح الحزب العربي الاشتراكي في الأربعينيات والخمسينيات بقيادة أكرم الحوراني، فعلى الرغم من الجدل حوله، كان شخصية مهمة في التاريخ السوري، كان اشتراكيًا من حماة، وكان والده شيخًا صوفيًا، ما أتاح له التواصل مع الناس العاديين، وأسّس أول حركة فلاحية في العالم العربي. وكان ديمقراطيًا مخلصًا ساهم في إعادة فتح الحياة السياسية السورية في منتصف الخمسينيات، مرة أخرى على أساس توحيد السوريين عبر الأديان، ورفض الفكرة القائلة إن الإسلام والديمقراطية لا يمكن التوفيق بينهما.
للأسف، وقع ضحية للسياسات الإمبريالية في حقبة الحرب الباردة خلال الخمسينيات، وأحثّ السوريين على قراءة مذكّراته في أربعة مجلدات، فهي تكشف بتفاصيل ثرية الثقافة السياسية الشعبية، الديمقراطية والمتسامحة، المتجذرة بعمق في التاريخ السوري.
كيف يمكن للمجتمع السوري بمكوناته المتعددة أن يتجاوز سرديات التفتيت والهويات المتصارعة التي زرعها نظام الأسد على مدى 50 عامًا؟
هذا سؤال مهم وتحدٍّ أساسي أمام القادة السياسيين اليوم، أحثّ وزارة التربية على إعادة تطوير مادّة التاريخ التي يدرسها الطلاب السوريون وإغنائها، من أجل تقديم رؤية بديلة عن مجتمعهم، وأحثّ السوريين أيضًا على إنتاج أفلام وبرامج تلفزيونية تاريخية، أحلم بأن يصنع أحدهم مسلسلًا تلفزيونيًا عن مؤتمر عام 1920!
في كتاباتك عن الجندر والمواطنة، لطالما شددتِ على أثر مشاركة النساء في بناء الدولة الحديثة
كيف ترين دور النساء السوريات اليوم في المرحلة التأسيسية؟ وما المخاطر التي تراها الدول عندما تستبعد النساء من عملية صياغة الدستور والسياسات الجديدة؟
كانت النساء عنصرًا بالغ الأهمية في اللحظات الديمقراطية في سوريا عام 1920 وفي الخمسينيات، وقد أحزنني، عندما زرت سوريا لأول مرة في التسعينيات، أن أرى كيف قام نظام الأسد بتجريد النساء من القوة والتأثير، ومع ذلك، فقد منحني الأمل التعرّف إلى عدد كبير من النساء الذكيات والمتحفزات والوطنيات اللواتي التقيتهن، سواء في الحكومة أو التعليم أو الكتابة، وبعض أكثر القصص إلهامًا عن الثورة ضد نظامَي الأسد كتبتها نساء.
لا أستطيع أن أتصور كيف يمكن لنظام يقوم على المساواة أن يُبنى بينما تُقمع روح النساء ومواهبهن، وإذا وجدت سوريا (كما آمل) وسيلة للتصالح مع الحركات الكردية في الشمال الشرقي، فسأرجو أن يصبح ما تحقق هناك من تحرر للنساء مثالًا يُحتذى به. الادعاء بأن الدين يفرض استبعاد النساء من المجال العام هو ببساطة كذبة، ومن المؤكد أن إخضاع أي مجموعة -سواء كانت النساء، أو الأكراد، أو المسيحيين- يُقوِّض استقرار أي نظام ديمقراطي قائم على المساواة.
وثقتِ كيف استخدمت فرنسا وبريطانيا ورقة “حماية الأقليات” كحصان طروادة لتبرير الانتداب وتدمير الدولة السورية الوليدة
كيف أثر هذا التوظيف السياسي للأقليات في عشرينيات القرن الماضي على الطائفية السياسية التي نراها اليوم في لبنان وسوريا؟ وهل ما زالت هذه الورقة (ورقة الأقليات) تعمل ولو بفاعلين جدد مثل إسرائيل حاليًا؟ وما العلامات المبكرة التي يجب أن يراقبها السوريون لتجنّب أي شكل جديد من الوصاية الدولية المقنّعة؟
كان التذرع بأن الأقليات بحاجة إلى حماية أجنبية تكتيكًا استعماريًا واسع الانتشار قبل قرن من الزمان. وكان تأثيره الأكثر تدميرًا في تصميم نظام طائفي في لبنان. رفض القادة السوريون تبني أي شيء يشبه الدستور اللبناني لعام 1926، وقاوموا في عصر الانتداب وحتى الخمسينيات رفضوا اي محاولة لإضفاء الطابع المؤسسي على الطائفية.
للأسف، تضمن دستور عام 1950 لغة تجعل الإسلام أساسًا للتشريع، مما أشعل شرارة في برميل بارود، إذ دفع غير المسلمين إلى التحالف مع قوى مناهضة للديمقراطية، ويجب مقاومة ذلك اليوم. وبالمثل، فإن إقصاء الكرد في الستينيات انتهك مبدأ الشمول والتسامح الذي أرساه دستور 1920.
على المؤرخين والباحثين السوريين نشر المعرفة حول الجذور الاستعمارية للطائفية، وأن يبرزوا التقاليد السورية الأصيلة في التسامح التي سبقت تلك المرحلة.
هل لا تزال “ورقة الأقليات” هذه حاضرة اليوم، وإن كان ذلك مع لاعبين جدد مثل إسرائيل؟ وما هي علامات الإنذار المبكر التي يجب على السوريين مراقبتها لتجنب أي شكل جديد من الوصاية الدولية المقنعة؟
كما ذكرت أعلاه؛ القوى الأجنبية اليوم مستعدة لاستخدام “ورقة الأقليات” كما في العقود السابقة، إنه تكتيك معروف جيدًا، لم يخدم المجتمع السوري أبدًا.
لو افترضنا أن عصبة الأمم احترمت تقرير لجنة “كينغ-كرين” وسمحت للمملكة السورية بالبقاء، كيف تتخيلين شكل الشرق الأوسط سياسيًا اليوم؟ هل كنا سنتجنب صعود الديكتاتوريات العسكرية؟
يميل المؤرخون إلى تجنّب السيناريوهات الافتراضية، ومع ذلك، لا يمكن للمرء أن يمتنع عن التفكير في كيف كان سيبدو الشرق الأوسط لو لم يُلغَ المؤتمر السوري لعام 1920. لقد كان إخراج سوريا من “عائلة الأمم التي تتمتع بالحقوق”، أي الدول الأعضاء في عصبة الأمم، فعلًا بالغ الإذلال، وفي سوريا، كما في بقية العالم الخاضع للاستعمار، غذّى هذا الإقصاء حركات مناهِضة للغرب، وغالبًا مسلّحة، أدّت إلى انتشار العنف.
لو أنّ القوى الكبرى عام 1919 أدركت أن الديمقراطية الشاملة هي الطريق نحو السلام العالمي، لما عانى العالم لاحقًا عقودًا من العنف والحروب ضد الاستعمار في النصف الثاني من القرن العشرين. وهذا تحديدًا موضوع الكتاب الذي أكتبه الآن.
كباحثة قضيتِ سنوات في دراسة التجربة السورية المبكرة في الحكم الدستوري، ما أكثر لحظة تاريخية شعرتِ أنها تُشبه اللحظة السورية اليوم؟
يميل المؤرخون إلى تجنّب السيناريوهات الافتراضية، ومع ذلك، لا يمكن للمرء أن يمتنع عن التفكير في كيف كان سيبدو الشرق الأوسط لو لم يُلغَ المؤتمر السوري لعام 1920. لقد كان إخراج سوريا من “عائلة الأمم التي تتمتع بالحقوق”، أي الدول الأعضاء في عصبة الأمم، فعلًا بالغ الإذلال، وفي سوريا، كما في بقية العالم الخاضع للاستعمار، غذّى هذا الإقصاء حركات مناهِضة للغرب، وغالبًا مسلّحة، أدّت إلى انتشار العنف.
لو أنّ القوى الكبرى عام 1919 أدركت أن الديمقراطية الشاملة هي الطريق نحو السلام العالمي، لما عانى العالم لاحقًا عقودًا من العنف والحروب ضد الاستعمار في النصف الثاني من القرن العشرين. وهذا تحديدًا موضوع الكتاب الذي أكتبه الآن.
من خلال بحثك الطويل في المنطقة، ما أكبر درس تاريخي يجب ألا يتجاهله السوريون في هذه اللحظة الانتقالية؟
هذه اللحظة فريدة من نوعها، فالتاريخ لا يعيد نفسه، ومع ذلك، فهي لحظة تحمل إمكانية انتقال ديمقراطي شبيه بما شهده السوريون في عام 1920 وفي الخمسينيات. كانت المشكلة، في كلتا الحالتين السابقتين، هي الدفاع عن السيادة الوطنية، أما اليوم، فخلافًا لعام 1920، لم تعد سوريا تُرى كجائزة في صراع الإمبراطوريات، وخلافًا للخمسينيات، لم تعد ساحة حرب باردة بين الاشتراكية والرأسمالية.
وبالتحديد لأن سوريا لا تمثل مصلحة جوهرية للقوى الكبرى، فقد تكون لديها فرصة حقيقية لممارسة تقرير المصير، لكن العائق الرئيسي أمام ذلك سيكون الحاجة إلى أموال إعادة الإعمار من الخارج، والتي قد تأتي مشروطة، لذا يجب على الحكومة السورية أن تتعامل مع هذه المسألة بحذر شديد.
إذا كان عليكِ تلخيص القرن الماضي في جملة واحدة كنصيحة للسوريين اليوم، فماذا ستكون؟
لم تعد سوريا كرةً قدم سياسية تتقاذفها القوى الإقليمية أو الدولية، ولذلك باتت تملك اليوم فرصة للاتحاد من أجل تأسيس حكومة عادلة وشاملة حقًّا، تخدم المصلحة الفضلى لشعبها.
هذا الحوار هو ثاني حوار من سلسلة حوارات مكتوبة أجريها مع باحثين ومفكرين غربيين، كانت لهم نتاجات أكاديمية أو فكرية قيّمة في قضايا تمسّ منطقتنا العربية أو تستكشف العلاقات العربية الغربية، وتهدف بشكل أساسي لفهم ما يدور في العقل الغربي عن منطقتنا.