مع توالي أخبار التقدم وتوسع سيطرة الدولة السورية على مناطق الجزيرة السورية التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وجدت نفسي ادندن أغنية لم أكن أعي، حتى تلك اللحظة، أنني أحفظها عن ظهر قلب. شارة لبرنامج قديم عن المحافظات الشرقية، كان يعرض على القناة السورية الأولى “الأرضية” مرة أسبوعيًا، بطول نصف ساعة للحلقة، مسلسل بدأ في العرض أواخر الثمانينات وتوقف مع اشتعال الثورة وامتدادها عام 2012. لا أكاد أذكر من البرنامج شيئًا سوى كلمات الشارة التي تقول:
“في رحاب الجزيرة …أرض الخضرة والمية، فيكي الحنطة، فيكي القطن.. والآبار النفطية”!
ترتبط هذه الكلمات في ذاكرتي بسلسلة صور نمطية متكررة تظهر في الشارة، لخيمة بدوية تُعرض بعد لقطة لسد الفرات وبحيرته، وبعض الأطفال باللباس التقليدي يركضون بعيدًا في حقل مفتوح، ومشهد لسرب طيور تحلق يليها صور حقول النفط، مشاهد لم تقدم الجزيرة السورية كحيز تاريخي واجتماعي وثقافي، بل اختزلتها، وبشكل منهجي، من كونها واحدة من أكثر المناطق السورية تنوعًا دينيًا وعرقيًا وثقافيًا إلى مجرد سلة للماء والقمح والنفط.
لم يكن هذا الاختزال عارضًا أو بريئًا، مع تحوله إلى وعي عام مستمر، فاليوم، وبعد ثورة قدمت خلالها الجزيرة السورية الكثير من أبنائها ومدنها، ومع استعادة الحكومة لمحافظات الرقة ودير الزور واقتراب استعادة كامل محافظة الحسكة، برز نمطان من المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي:
الأول من أبناء الجزيرة أنفسهم، تغلب عليه لهفة العودة ولقاء الأهل بعد أكثر من 12 عام من التهجير والغياب والفقد.
الثاني، من إعلاميين وأفراد عاديين فيحتفي ويتندر بـ”عودة النفط والقمح وتحسن الواقع الاقتصادي”، دون أي التفات يذكر إلى المدن وسكانها، أو إلى ما راكمته هذه المناطق من دمار وعنف وخسارات بشرية عميقة منيت بها المنطقة.
وبينهما قلة تستهجن اختصار المشهد بالشوق واستعادة الثروات، في مشهد سريالي يخبر بوجود انفصال في المجتمعات المدنية والاجتماعية عن شقيقاتها الجزيرة يدفع إلى طرح سؤال جوهري: لماذا لا يعرف السوريون بعضهم؟ وهو سؤال فُكِّر فيه بكثافة بعد هروب الأسد، وظهر مع اتساع نسبي لمساحة الحديث والتعبير.
تحاول هذه المقالة الإجابة عليه انطلاقًا من زاوية العنف الثقافي الممنهج، ذلك “العنف الناعم” الذي لا يمارس بالقوة المباشرة، بل عبر التمثيل واللغة والمعرفة، وتجادل بأن تحويل الجهل بالآخر لتهمة أخلاقية ومعرفية فردية أو حتى مجتمعية، هو تبسيط ظالم للسوريين، لأنه يتجاهل السياق الذي جرى فيه انتاج هذا الحالة، فالجهل لا ينبع من نقص أخلاق أو قصور فردي، بل هو نتيجة عنف ثقافي مارسته السلطة عبر التعليم والإعلام، ووجهته لعقود، ضد المحافظات الشرقية وأبنائها، بعدما صدّرت صورتهم كجغرافيا موارد لا كجماعات بشرية ذات تاريخ وثقافة وتجربة اجتماعية وسياسية ثرية.
“التغييب الثقافي” كأداة سلطوية: صنع ما يُعرف أو ما يُجهل
لا يمكن النظر إلى اكتساب المعرفة باعتبارها نتاجًا محايدًا للواقع المعاش أو المعروف، أو أنها نتيجة جهد فردي أو جماعي يتشكل بحريته داخل المجتمع، فكما يفسر ميشيل فوكو في كتابه “الانضباط والعقاب: ولادة السجن” بأن المعرفة هي جزء من منظومة السلطة، تتشكل ضمن علاقات القوة بين السلطة والمؤسسات الحاكمة وبين أفراد المجتمع، حيث يقوم الطرف الأقوى، والذي غالبًا ما يكون السلطة في حالة الديكتاتوريات، بتحديد ما يُقال وما لا يُقال بقرار سلطوي صافٍ يرسم حدود الخطاب العام، ويضبط ما يمكن التفكير به وما يجب تهميشه أو تفريغه من معناه.
لم تعمل سلطة الأسدين الأب وابنه الفار عبر القمع والعنف المباشر وحسب، بل من خلال أدوات أكثر نعومة واستدامة، يتقدمها التعليم والإعلام باعتبارهما مؤسسات تحتكر إنتاج المعنى وتوجيه الوعي العام دون نخبوية، لتأتي باقي أدوات القمع لتخنق إمكانية خلق مسارات معرفة بديلة.
يظهر التعليم هنا كأداة مركزية في تشكيل صورة “الآخر” داخل المجتمع الأوسع، على اعتباره أداة للانضباط والسيطرة التي تسهم في إنتاج صورة معينة عن الأفراد والجماعات المختلفة، والذي من خلاله وعبر آلية تطبيقه، يتم فرض قواعد وسلوكيات محددة، وتقسيم الأفراد إلى مراتب وصفوف، عبر المناهج وآلية طرحها.
فالمناهج لا تكتفي بنقل المعلومات بل تعمل على بناء تصورات مسبقة في مخيال الناشئة، فهي تربط الجغرافية بتاريخها وبشرائحها السكانية، وبما ينسب إليها من تمايز ثقافي أو وظيفي، غير أن هذا البناء المعرفي جرى في سوريا بشكل تلقين غير متوازن، حيث غلب، على الأقل منذ التسعينات، ربط الجغرافية والتاريخ والثقافة القومية بمنطق الموارد، على حساب تقديم المجتمع بوصفه نسيجًا بشريًا متعددًا ومعقدًا.
ففي مناهج مرحلتي السابع والثامن الدراسيتين ضمن فترة التعليم الأساسي، وهي أكثر المراحل كثافة في المواد التأسيسية لمعرفة سوريا، حظيت الخرائط الاقتصادية بمكانة مركزية يعاد فيها بكثافة تحديد مناطق النفط والغاز والقمح والمياه، وتقديمها كمفاتيح أساسية لفهم البلاد، في حين تذكر الحضارات التي عاشت وظهرت في التاريخ السابق للتاريخ الحديث بشكل سردي مكثف، يذكر فيه البعد البشري في سورية بعبارة “النسيج السوري المتنوع ثقافيًا” دون أي إسهاب في الحديث عن هذا التنوع وفردانيته الثقافية الثرية.
على صعيد شخصي، لا أنكر أنني لم آخذ من حصصها إلا اطلاع هزيل قادم من فضول تعلق بالاسم حول حضارة ماري وآلهتها عشتار، وتدمر لعرض مسلسل زنوبيا وأوغاريت لربطها بأول الأبجديات، في حين أني إلى اليوم احفظ عن ظهر قلب خريطة سوريا للموارد الغذائية والنفطية بفعل التكرار والحفظ، نتيجة لكونها جزء من الامتحان النصفي والنهائي في العامين، ولأنني عُوقبتُ برسمها لـ15 مرة بسبب شغب عابر في حصة الجغرافية.
ومع وجود كتب الثقافة القومية التي تتمحور حول الحزب والقائد والتاريخ القومي العربي الحديث الذي يقود إلى “الحركة التصحيحية” وما تلاها، لم يتم تغييب المجتمعات السورية في الجزيرة العربية وحسب، بل تم تغييب السوريين كلهم بإثنياتهم وأعراقهم وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية وتحويلهم إلى كتل وظيفية وموارد في مخيال الأجيال التي نشأت في ظل حكم الأسدين.
لا يمكن فصل طبيعة التعليم في سوريا، ومساق طرحه القائم على التلقين والمسار الموجه، عن منظومة أوسع قائمة على آليات من الضبط والانضباط، التي نظّر لها فوكو، انطلاقًا من فهم التعليم كأداة لإعادة تشكيل الوعي وضبط العقول، ودفعها للتفكير في مدارات أوجدتها السلطة مسبقًا، عند احتكارها للمعرفة.
فأنت لا تعلّم الأفراد كيف يفكرون في ظل السلطوية القمعية كسلطوية الأسد، بل توجههم نحو ما الذي يمكنهم التفكير فيه، وأطر هذا التفكير وما الذي يجب أن يبقى خارج هذه الأطر، والذي يتكامل مع سيطرة السلطة على الفضاء العام، حيث يجرم النقاش ويمنع إنشاء أي معرفة بديلة، فيخرج التعليم عن مساره كأداة للمعرفة ليصبح أداة ووسيلة سلطوية للتجهيل المنظم.
قتل الفضاء العام
في السياق الطبيعي، يفترض أن يكون الفضاء العام مساحة مفتوحة يُمارس فيها التواصل السياسي والحوار المجتمعي المتعلق بقضايا البلد والشؤون العامة، بشكل يسمح بتفاعل مختلف الشرائح والطبقات الاجتماعية، ويسهم في تشكيل الثقافة والسياسة عبر النقاشات الحرة، بهذا المعنى يكون الفضاء العام هو ذاك المجال الذي يتقاطع فيه الدين والثقافة والأدب والسياسة، وتتعرف من خلاله المجموعات المختلفة على بعضها البعض، عن قرب وعبر طرق تواصل طبيعية تولد تفاعلًا وخبرة مشتركة لا بتقديمها من خلال الصور النمطية.
غير أن النظام السلطوي يعمل –بناء على طبيعت – على تقويض هذا الفضاء وصولًا إلى حد إغلاقه، ففي الحالة السورية لم تقتصر سلطوية نظام الأسد على احتكار السلطة السياسية، بل امتدت منذ وصول حافظ الأسد إلى الحكم لتشمل السيطرة الكاملة على الفضاء العام، عبر منظومة متكاملة من الرقابة والتهميش والإقصاء وتقييد المؤسسات المدينة والإعلامية، إلى جانب تجريم أي نشاط سياسي أو مدني مستقل.
لم يكن الهدف من هذا التوجه إسكات الأصوات المعارضة وحسب، بل هدف إلى إفراغ الحياة العامة من إمكانياتها النقدية لجوانب الحياة، ومنع تشكيل أي معرفة اجتماعية أو سياسية بديلة للمجتمع، تساعده على رؤية نفسه خارج السردية الرسمية التي تحتكرها السلطة.
وهو ما أدى إلى تقليص فرص التفاعل المفتوح بين السوريين حول قضاياهم العامة، وإضعاف إمكانيات نشوء حركات اجتماعية قادرة على بلورة وعي سياسي أو ثقافي مستقل.
ومع غياب هذا التفاعل، لم تختفي المعرفة وحسب، بل فتح المجال للسلطة لإعادة تنظيمها، فعوضًا عن كونها ناتجة من النقاش والحوار و الخبرة الاجتماعية، أصبحت تنتج حصريًا عبر مؤسسات خاضعة للدولة، في مقدمتها التعليم والإعلام اللذين حددًا ما يجوز التفكير فيه ما ينبغي تجاهله.
لم يلغ نظام الأسد الفضاء العام بالكامل، فتبعًا لنقاش جابريل غاروم بلا “Gabriel Garroum Pla” -في كتابه الذي يتناول إبادة المدن في سوريا ويحاول فهم هذا العنف في سياقات ما بعد الاستعمار- فقد أعيد تشكيل أجزاء من الفضاء العام على صورة فضاءات ضيقة وهشة، يمكن تسميتها “فضاءات حرة مؤقتة”، محكومة بالرقابة الذاتية والخوف، مجال لم تكن التفاعلات المدنية فيه قادرة على التحول إلى مسارات معرفة حقيقة، بل بقيت مرهونة للسلطة التي اختزلت المجتمع السوري في قوالب جاهزة، يذكر منها اختزال الجزيرة السورية بالثروات والموارد والفلكلور، وتستدعى حلب عند ذكر الصناعة والنسيج، وأنواع من الطعام، وغيرها من تنميطات غير بريئة أسهمت في تفكيك معرفة السوريين ببعضهم.
يضاف إلى ذلك نمط آخر من القمع الناعم، القائم على تنميط الآخر ووصم الفئات المجتمعية وفاعليها المدنيين، وفرض أشكال مختلفة من الصمت القسري نتيجة ترافق الكلام بالعقاب، ونتيجة لذلك فقد شهد الخطاب السوري، وعلى امتداد العقود الأخيرة، انتشار تسميات ووسوم اجتماعية قائمة على الانتماء المناطقي أو الصفات الاجتماعية، بعضها اتخذ طابع التهكم أو التحقير، وجرى ربطها بمكونات بعينها في سياق إقصائي.
هذه اللغة لم تكن عفوية، بل جاءت ضمن منظومة خطابية أسهم النظام في إنتاجها وتكريسها، بهدف تفريق المجتمع وإعادة تعريف مكوناته ككيانات اجتماعية متباعدة ومتنافرة لا تعرف بعضها، واستخدام اللغة هنا لا يبدو عنيفًا بالمعنى المباشر، ولكنه أدى وظيفة قمعية عميقة، إذ فكك الهوية الجماعية أكثر وقيد إمكانيات تشكيل وعي يعترف بالتنوع الثقافي والاجتماعي.
في ظل هذا الواقع، لا يوصف الجهل المتبادل بين السوريين بكونه ظاهرة عرضية، أو نتيجة لانغلاق اجتماعي اختياري فضله الناس تجاه بعضهم البعض، فهو في جوهره، أثر مباشر لقتل الفضاء العام وأحد أوجه أشكال القمع البنيوي التي مارسها نظام الأسد على المجمع السوري. فحين يمنع المجتمع من الحديث عن ذاته بحرية، ومن سرد تاريخه المتعدد والاعتراف بتنوعه الثقافي والاجتماعي، تفرغ المعرفة من محتواها الإنساني، ويعاد تعريف الناس عبر قوالب جاهزة شرسة مناطقية طائفية بيئية ووظائف اقتصادية.
وبالتالي في الجزيرة السورية، كما في سائر المدن والمناطق السورية، كان لهذا المسار أثر مضاعف، فغياب الفضاء العام -مقترنًا بعجز التعليم عن أداء دوره الاجتماعي، وبتمثيل إعلامي اختزالي- أسهم في نزع البعد الإنساني عن المدن والمناطق والمجتمعات، وتحويلها في الوعي العام إلى هوامش صامتة أو خزانات موارد.
ومع الزمن، مهّد هذا التفريغ الرمزي الطريق لعنف أعمق، انتقل من مستوى السيطرة على المعرفة واللغة في ظل مجتمع ممزق إلى مستوى العنف البنيوي الشامل، فلم يقتصر نظام الأسد بقتل الأفراد في السجون والمعتقلات ونشر الأفرع الأمنية في كل مكان، بل امتد خلال سنوات الثورة إلى عدم التردد في قتل المدن بوصفها فضاءات الحياة والمعنى التي تربط الفرد بمجتمعه الذي يعرفه وبالمكان، وقتل المجتمع بوصفه شبكة علاقات وذاكرة وتجربة مشتركة، فالقتل الحضري الذي شهدته سوريا لم يكن قطيعة مع الماضي، بل تتويجًا لمسار طويل بدأ بتفكيك إمكانية تعرف السوريين على بعضهم في الحيّز العام، وتحويلهم إلى كتل بشرية منفصلة يسهل قتلها اجتماعيًا وماديًا، قبل أن يتحولوا في النهاية إلى أهداف مادية للعنف السلطوي.
وهكذا يصبح فهم ما جرى في سوريا، وفي الجزيرة على وجه الخصوص، مستحيلًا دون إدراك الترابط بين تجهيل المجتمع وقتل الفضاء العام وأخيرًا قتل المدن، وبين دور الأسد ونظامه السلطوي في ذلك لفرض حكمه.

