تحوّل ظهور التاجر ورجل الأعمال “محي الدين المنفوش” في فعالية بالغوطة الشرقية، إلى جدل واسع ضجت به وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الفائتة، ليعيد طرح أسئلة الموسم في الفضاء العام السوري: هل بات تعويم رجال الأعمال الذين ارتبطت أسماؤهم بنظام الأسد، تحت عنوان إعادة الإعمار أو دعم الاستثمار، أمرًا واقعًا لا مهرب منه؟
لماذا الغضب؟
وقف “محي الدين المنفوش” إلى جانب محافظ دمشق عامر الشيخ ومسؤولين آخرين، خلال افتتاح ثانوية في مدينة مسرابا التي ينحدر منها المنفوش، بعد إعادة تأهيلها، ومرافق عامة أخرى، على نفقته، ليحيي ذكريات موجعة عاشها أهالي الغوطة الشرقية وكان هو أحد المتسببين بها.
ومحيي الدين المنفوش هو رجل أعمال سوري من بلدة مسرابا في الغوطة الشرقية بريف دمشق، يُعرف بعمله في قطاع الألبان ومنتجات الحليب عبر شركة المراعي الدمشقية التي أسسها عام 2003، وتوزع منتجاتها داخل سوريا وخارجها.

الغوطة وحكاية “المنفوش”
بعد أن أطبق نظام الأسد حصار الغوطة الشرقية وإقامة الحواجز في كافة المداخل والمخارج المؤدية للمنطقة المحررة فيها منتصف عام 2013، كانت البوابة الوحيدة للغوطة الشرقية آنذاك هي بوابة مخيم الوافدين التي كانت مفتوحة باتجاه واحد للخروج بشروط محددة، حيث كان يسمح للخروج منها فقط عبر الهلال الأحمر عبر قوافل طبية، لكنها في ذات الوقت كانت معبرًا خاصًا يمكن لـ”محي الدين المنفوش” عبورها ذهابًا وإيابًا متى رغب وأراد.
يعد محيي الدين المنفوش أحد التجار الذين امتلكوا شبكة نفوذ واسعة لدى النظام خلال فترة حصار الغوطة الشرقية، وتمكّن بفضل علاقاته من الحصول على موافقة حصرية من ضباط النظام على حاجز مخيم الوافدين للدخول والخروج بحرية تامة، بالإضافة لإدخال بعض المواد الأساسية التشغيلية لمعامل الأجبان والألبان ومزارعه الواقعة في مدينة مسرابا في الغوطة وإخراج بضائعه لتصريفها خارج الغوطة.
استغل “محي الدين المنفوش” حالة الحصار الموجودة في الغوطة وبدأ ببيع بعض المواد التي كان يدخلها لمعمله كالأعلاف والشعير المهيئة للأبقار أساسًا وبدأ بطرحها بالأسواق لتكون بديلًا عن مادة القمح المفقودة، ومع اشتداد الحصار أُجبر الأهالي على استخدام هذه الأنواع من الأغذية بديلًا عن المواد الأساسية لرخص ثمنها وتوفرها بكثرة دونًا عن القمح والأرز الذي وصلت أسعار الكيلو الواحد تلك الفترة إلى أكثر من 1200 ليرة سورية بينما كان يباع أجود أنواع الرز في العاصمة دمشق بـ 300 ليرة.
يرى أهالي الغوطة، أن المنفوش استغل حصار الغوطة الشرقية لتكوين ثروة مالية هائلة، فاستطاع عقد صفقة مع النظام لإدخال بقية أنواع المواد الغذائية للغوطة وبيعها بسعر أعلى بكثير من تكلفتها ومما تباع في مناطق سيطرة النظام التي لا تبعد سوى أمتار قليلة عن الغوطة المحاصرة.
اقتصاد الحصار
ذكرت مجلة الإيكونوميست في تقرير لها عام 2017 أن محيي الدين المنفوش استطاع خلال سنوات الثورة بناء ما يشبه “مملكة اقتصادية قائمة على الجبن”، بعدما تحوّل من صاحب معمل صغير إلى تاجر احتكاري يسيطر على إدخال وإخراج السلع من الغوطة الشرقية المحاصَرة.
واستغل المنفوش الحصار عبر نقل الحليب الرخيص من الغوطة المحاصرة إلى دمشق وبيعه بأسعار مضاعفة، ثم أعاد استثمار أرباحه بشراء الأبقار والمعدات والمخابز من المزارعين والمؤسسات التي تضررت أعمالهم بسبب الحصار داخل الغوطة، إلى جانب احتكاره تجارة المواد الأساسية.
كما لعب دور الوسيط المالي في تحويل العملات الصعبة إلى داخل الغوطة لصالح منظمات الإغاثة والمجالس المحلية، مستفيدًا من فارق سعر الصرف بين الداخل والخارج، ما جعله يراكم ثروة ضخمة ويؤسس شبكة نفوذ اقتصادية وأمنية واسعة.
إذن، هل يمكن أن يساهم تجار الأزمات في إعادة الإعمار من دون المساءلة؟
كتب الناشط الإعلامي من مدينة مسرابا “أنس الخولي” تعليقا على هذه الحادثة على صفحته على فيس بوك: “المنفوش وإخوته شركاء النظام البائد في حصار الغوطة الشرقية إنهم مجرمين يجب محاسبتهم”.
وخاطب محافظ دمشق بالقول: “لو عشت وشفت يلي عمله اللي واقف قدامك ما ابتسمت بوجهه ولا قبلت حتى تصافحه..”.
الناشط الإعلامي براء عبد الرحمن ابن مدينة دوما المجاورة لمسرابا، قال بدروه في منشور له على فيس بوك: إن اسم المنفوش ذاكرة أليمة مفعمة بمرار الحياة، ولطالما ارتبط اسمه بالحصار والشعير وطعام الأبقار الذي كان سببًا بإطعامه لأطفالنا طيلة سنوات الحصار”.
يكرر الكثير من النشطاء أنه لا يمكن أن تتقدم سوريا نحو الأمام دون تفعيل مسار العدالة الانتقالية التي يمكن من خلالها مواجهة إرث الحصار والدمار وما خلّفه من ظلم على كافة الأصعدة بحق الأهالي، وكشف شبكات الاستفادة التي نشأت على حساب المدنيين ومعاناتهم ومحاسبتها وفق القانون.
إن العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، بل تعني إحقاق الحق، ومحاسبة من استثمر في الجوع والمعاناة، وجبر ضرر الضحايا، فبدون معالجة هذه الملفات بشفافية ومسؤولية، ستبقى جراح الغوطة والمدن السورية مفتوحة في الذاكرة السورية، وسيظل السلم الأهلي هشًّا.
يأتي هذا الجدل مع عودة رجال أعمال عرفوا بأنشطتهم كواجهات لنظام الأسد خلال سنوات الثورة إلى الواجهة العامة، غالبًا بعد “تسوية اقتصادية” كما في حالة رجل الأعمال المعروف محمد حمشو الذي أعلن عن توقيع اتفاقية تسوية مع الدولة لم تُكشف تفاصيلها، ما يعزز مخاوف السوريين من أن تكون هذه الوقائع جزءًا من مسار أوسع لتبييض أدوار اقتصادية لعبت دورًا في دعم النظام البائد خلال سنوات حربه على الشعب.
وتكمن المشكلة في عدم شفافية الدولة في ملفات هؤلاء، وطبيعة وتفاصيل التسويات التي تعقدها الدولة معهم، إذ غالبًا ما تكون بيانات اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، حول التسوية مقتضبة ولا تكشف عن أية تفاصيل مهمة حول حجم المسترد، كما في حالة محمد حمشو، الذي جرت التسوية معه بموجب “برنامج الإفصاح الطوعي” الذي يهدف إلى “تحقيق العدالة الاقتصادية وضمان شفافية الأصول والممتلكات لدى رجال الأعمال الذين يشتبه في اكتسابهم للحسابات والمصالح من قربهم من النظام السابق”.
وكانت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع قد شددت في بيان لها عقب ضغوط شعبية، أن ولايتها القانونية تنحصر حصرًا في استرداد المال العام المتحصل من الكسب غير المشروع خلال المرحلة السابقة، ولا تمتد إلى المحاسبة الجرمية أو الجزائية، بما في ذلك الجرائم المرتبطة بالحرب أو ما يُعرف بالتكسب من الحروب.
وأوضحت أن “المحاسبة الجرمية والجزائية، والجرائم والانتهاكات الجسيمة، هي من اختصاص القضاء والهيئات المختصة بالعدالة الانتقالية والسلم الأهلي، وفق القوانين النافذة والإطار الدستوري، ولا تدخل ضمن صلاحيات اللجنة أو برنامج التسويات”، وأن “مسار التسويات الاقتصادية عبر برنامج الإفصاح الطوعي لا يلغي ولا يعطّل ولا يقيّد أي مسار آخر من مسارات العدالة، سواء العدالة الانتقالية، أو الادعاء العام، أو الادعاء الشخصي، أو أي حقوق قانونية قائمة أو مستقبلية.
ويُشار إلى أنه لا يُعرف ما إن كان المنفوش حتى أجرى تسوية مع لجنة الكسب غير المشروع، إذ لم يصدر عنه أو اللجنة أية بيانات بهذا الخصوص.