ترجمة وتحرير: نون بوست
قدّم جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الخميس الماضي في منتدى دافوس عرضًا يتصور فيه مستقبل غزة كنسخة من دبي مليئة بناطحات السحاب، وخصّص شريحة للجنة من التكنوقراط الفلسطينيين الذين سيتولون إدارة شؤون القطاع اليومية. لكن هذا المشروع الذي يعكس جنون العظمة لدى أصحابه، منفصل تمامًا عن واقع غزة إلى درجة أن أحدًا لم يلاحظ أن اسم اللجنة بالعربية لم يكن مفهوما، حيث كُتب من اليسار إلى اليمين وبحروف مفككة.
وبينما كان كوشنر يتحدث عن فرص الاستثمار، أسفرت الغارات الإسرائيلية على غزة (التي تخضع رسميًا لوقف إطلاق النار) عن مقتل خمسة أشخاص في اليوم نفسه، فيما توفي رضيع بسبب انخفاض درجة حرارة الجسم، ولجأ مئات الآلاف إلى الخيام هربًا من المطر والبرد.
كانت فايزة – وهي غزية محظوظة مقارنة بغيرها لأنها تعيش في شقة مستأجرة – تقوم في ذلك اليوم بمهام لم تتعود عليها، مثل إشعال النار لتتمكن من الطهي (إذ لا تزال الكهرباء مقطوعة)، والتنقل في الشوارع “متجنبة مياه الصرف والفيضانات”، ودفع المال لشحن أجهزتها الإلكترونية.
تقول فايزة في رسالة صوتية: “هنا في غزة نمزح بشأن “الخطة الكبرى” [التي قدّمها كوشنر]. نضحك من وعده لنا بأننا سنصبح أثرياء ونعيش في ريفييرا الشرق الأوسط […] في الحقيقة نحن نهرب من مشاعرنا لأن ما يحدث خارج عن إرادتنا، بعيد عن رغبة الناس العاديين. يتخذ الآخرون قرارات مجنونة وغبية، ونحن ندفع الثمن. أنا أنتظر فقط أن يفتحوا معبر رفح لأتمكن من المغادرة والالتحاق بعائلتي [التي غادرت في عام 2024، في الأشهر الأولى من الاجتياح]. كثير من الناس يريدون القيام بالشيء نفسه”. تواصلنا مع فايزة عن بعد لأن إسرائيل مازالت منذ بداية الحرب قبل أكثر من عامين تمنع وصول الصحافة الأجنبية بحرية إلى غزة.
تعدّ إعادة فتح معبر رفح – المنفذ الحدودي بين غزة ومصر الذي أغلق منذ أن سيطرت عليه إسرائيل قبل عام ونصف – إحدى الالتزامات ضمن خطة وقف إطلاق النار، غير أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتهكت هذا الالتزام مرارًا وتكرارًا. ويدفع عدد من وزرائه باتجاه فتحه لحركة الخروج فقط، بهدف تعزيز سياسة التطهير العرقي في غزة، بدلًا من فتحه في الاتجاهين كما نصّ الاتفاق الذي وقّعته إسرائيل مع حركة حماس في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بوساطة أمريكية.
وأُعلن في دافوس يوم الخميس أن المعبر سيُعاد فتحه الأسبوع المقبل في الاتجاهين، لكن إسرائيل (التي ستتحكم في هوية المسموح لهم بالعبور) تريد تقييد عدد الداخلين ليكون أقل من عدد الخارجين، في محاولة لتفريغ غزة تدريجيًا، وفق ما نقلته وكالة رويترز يوم الجمعة عن ثلاثة مصادر مطلعة.
يزور جاريد كوشنر ومبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، إسرائيل منذ يوم السبت لمناقشة مستقبل غزة. وكان الرئيس الأمريكي قد أعلن في وقت سابق من هذا الشهر بدء تنفيذ المرحلة الثانية والأخيرة من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي يُفترض نظريًا أن تشمل إعادة إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ونشر قوة متعددة الجنسيات.
لكن على الأرض، لا يختلف الوضع كثيرًا عمّا كان عليه خلال العامين الماضيين، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي قتل سكان القطاع يوميًا عبر القصف وإطلاق النار. قُتل ثلاثة أشخاص يوم السبت، بينهم طفلان، فيما قُتل أحد عشر يوم الأربعاء الماضي، من بينهم ثلاثة صحفيين وطفلان، وذلك عشية العرض الذي قدمه كوشنر للخطة التي جعلت نزع سلاح حماس أولوية، من دون ذكر الانتهاكات الإسرائيلية.

لم تنسحب قوات نتنياهو من القطاع كما كان يجب أن تفعل، ولم يتم تحديد أي موعد لنشر قوة متعددة الجنسيات لتأمين السيطرة على المنطقة التي مازالت تسيطر عليها حركة حماس، والتي تشكّل نحو نصف مساحة غزة.
تقول فايزة: “أعتقد أننا وصلنا إلى مرحلة فقدنا فيها الإحساس بكل شيء. إنه مزيج من الغضب والخوف والحزن. الناس في الشوارع، أصدقائي وجيراني وزملائي في العمل، جميعنا نشعر بأننا تائهون”.
ويندد تامر، أحد سكان مدينة غزة، بخطط الولايات المتحدة لتحويل القطاع إلى مركز نابض بالحياة يوفر الكثير من فرص العمل، قائلا: “هم من دمّروا [مدينة غزة] بصواريخهم ودعمهم المستمر لإسرائيل، وقتلوا أكثر من 100 ألف إنسان بريء هنا”. تقدر السلطات الصحية في غزة عدد القتلى منذ بداية الحرب بـ71,500 فلسطيني.
وتقول منال القوقا، وهي أم نازحة من غزة، لقناة الجزيرة معبّرة عن رأيها فيما يحدث: “في كل مرة يعلنون فيها شيئًا عن الشعب الفلسطيني، تزداد معاناتنا. أي سلام يتحدثون عنه، لا يوجد على الأرض سلام ولا أمن؟”.
الفيضانات
يعيش تامر مع أسرته في شقة مستأجرة تتكون من غرفة واحدة بعد سنوات قضتها في خيمة. يدفع ما يعادل نحو 715 دولارًا: مع تدمير عدد كبير من المنازل، تجاوزت أسعار السكن في غزة نظيرتها في بعض العواصم الأوروبية. يقول إن منزلي عائلته أصبحا ركامًا، ويضيف: “لم نتمكن من الاقتراب منهما لمحاولة إنقاذ أي أثاث أو ملابس أو أغطية. لا شيء. لا يسمحون لنا بالدخول لأنه يُعتبر منطقة خطرة، رغم أنها مدمرة تمامًا”.
تقع “المنطقة الخطرة” خلف الخط الأصفر، حيث تعتزم الولايات المتحدة البدء بإعادة الإعمار. وأضاف تامر في رسائل نصية عبر واتساب: “ظننا أن العيش في منزل سيكون أفضل من الخيمة، لكن بما أن النوافذ دُمّرت بالكامل في القصف، فإن المطر يُغرق المنزل ولا يمكن تدفئته”.
تشبه روايته عن المعاناة اليومية أسوأ أيام الهجوم الإسرائيلي: “نفتقر إلى الأغطية. لدي ثلاث أو أربع قمصان، اثنان منها استعرتهما من صديق. نطهو على الحطب لأنه لا يوجد غاز، وعندما يتوفر يكون سعره باهظًا. عليّ أن أحمل المياه لمسافة كيلومترين كي نتمكن من الشرب والاغتسال. أحملها بيدي حتى الطابق السابع من المبنى أربع مرات في الأسبوع”.
نعم، تغيّرت بعض المشاهد في الجزء الخاضع لسيطرة حماس من قطاع غزة، حيث يعيش عمليًا معظم السكان. هناك عدد أقل من الناس الذين يحملون الجرحى، أو الأطفال الذين يموتون جوعًا. أما التطور الأبرز فكان في الأسواق، بعد أشهر من الحصار الكامل على المواد الغذائية، والذي دفع لجنة تحقيق مستقلة تابعة للأمم المتحدة إلى أن نستنتج في سبتمبر/ أيلول الماضي أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، بما يتفق مع رأي غالبية الخبراء في هذا المجال.
رغم استمرار إسرائيل في التنصل من التزامها الذي قطعته في أكتوبر/ تشرين الأول بتقديم المساعدات الإنسانية (بحد أدنى 600 شاحنة يوميًا)، يتفق الغزيون على أن الوضع قد تحسّن نسبيًا، مع توفر المزيد من المنتجات وانخفاض الأسعار.
وفي المقابل، لا تزال الأدوية الأساسية نادرة. وفي مواجهة النقص، يتفاوض الصيادلة بشكل غير رسمي على صفقات مقايضة، فيتبادلون الأدوية التي لديهم مخزون منها يكفي ثلاثة أشهر مقابل تلك التي يفتقرون إليها، لتلبية أبسط الاحتياجات، كما يوضح عامل إغاثة أجنبي في غزة.
ويوضح قائلا: “بدأت الوحدات الصحية بتعقيم ضمادات الشاش لإعادة استخدامها. المضادات الحيوية والباراسيتامول والإيبوبروفين وأدوية الأمراض غير المعدية (مضادات ارتفاع ضغط الدم والإنسولين، وغيرها) نفدت أو أوشكت على النفاد. لم تتلق بعض الوحدات الصحية التابعة لوزارة الصحة [التي تديرها حكومة حماس في غزة] أي إمدادات منذ أكثر من خمسة أسابيع، رغم أنه يفترض أن تصلها أسبوعيًا”.
كل هذه التفاصيل تؤثر على حياة أكثر من مليوني إنسان في غزة، لكنها لم تُذكر في خطة كوشنر. على سبيل المثال، كيف سيتم التعامل مع إزالة الذخائر غير المنفجرة في منطقة شهدت أعلى معدل قصف بالقنابل لكل متر مربع منذ الحرب العالمية الثانية؟ يوميًا يُصاب أطفال أثناء اللعب بين الأنقاض.
أظهر مقطع فيديو هذا الأسبوع طفلًا صغيرًا في رفح يبحث في حاوية قمامة عن ورق وبلاستيك لتتمكن عائلته من إشعال النار والطهي. الخشب باهظ الثمن، وقد قُتل عدد من الأطفال برصاص الجيش الإسرائيلي أثناء محاولتهم الحصول عليه من الجهة الأخرى للخط الأصفر.
كما لم يوضح كوشنر أين سيعيش الغزيون خلال فترة إعادة الإعمار، التي يُفترض نظريًا أن تبدأ بـ”رفح الجديدة” (التي تغمرها الأنقاض وتخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي) وتنتهي في مدينة غزة، الخاضعة حاليًا لسيطرة حماس. يعيش معظم السكان في شريط يشمل أجزاء من مدينة غزة ومعظم الساحل.
شدد خورخي موريرا دا سيلفا، المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع، هذا الأسبوع بعد عودته من غزة، على أن القطاع مازال “عبارة عن أنقاض وخيام غير آمنة”، حيث تتجاوز كمية الأنقاض 60 مليون طن (بمعدل 30 طنًا للفرد)، وقد يستغرق رفعها أكثر من سبع سنوات.
وأضاف: “المشكلة الحقيقية هي الجدول الزمني […] ما يحتاجه الناس في غزة هو الخدمات الأساسية فورًا. في انتظار إعادة الإعمار، دعونا لا نماطل”.
المصدر: إل باييس